الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سنة الله في الأمم الجاحدة:
لم يكن المشركون من العرب بدعًا بين الأمم في التكذيب والإعراض، فقد سبقتهم في طريق الضلال أمم وأقوام صَوَّر القرآن الكريم ما حلَّ بهم من العذاب والنكال؛ نتيجة كفرهم وضلالهم وإعراضهم عن دين الله.
1-
فهناك قوم نوح الذين كانوا شر أسوة لمن بعدهم من الضالين المكذبين للرسل، فقد قصَّ القرآن الكريم أنهم كذبوا بآيات الله ورسالته، وكذبوا عبده ورسوله نوحًا عليه السلام، ونالوه بالمساءة والسخرية، ووصفوه بالجنون، وتوعدوه بالرجم، ونهروه بقسوة وعنف.... وحين ضاق بهم ذرعا، واستنفد طاقته في تبليغهم وإنذارهم، ولم يعد يجد من سبيل إلى ردعهم وإصلاح حالهم.. دعا ربه منيبًا أن قومه غلبوه تمرُّدًا وعُتُوًّا، ولم يسمعوا منه، فاستحكم يأسه منهم، ولم يعد له طاقة بهم، وكان دعاؤه ابتهالاً إلى الله أن ينتصر منهم لدعوته بعقابٍ من عنده.. وأجاب الله دعاءه، ووقع الطوفان هلاكًا ماحقًا، يغمر وجه الأرض، ويطوي ما عليها من الشر والدنس، بعد أن لَجَّ الضالون في الباطل، وأصروا على الكفر والجحود، وبلغوا الغاية في العتُوِّ والاستكبار..
وفي غمرات الشدة -والطوفان يطوي المكذبين ويغرق الجاحدين- تدرك رحمة الله تبارك وتعالى أولئك الذين آمنوا بالله، واستجابوا للحق، وصبروا على إيذاء الكافرين، فينجي الله نوحًا والذين آمنوا معه من قومه، ويكرمهم بحملهم في هذه السفينة، التي جعلها سبحانه آية للأجيال على كر الدهور وتوالي العصور لمن يتذكر ويعتبر.
وفي ذلك يقول عز وجل:
{كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا
مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ، فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ، فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ، وَفَجَّرْنَا الأرض عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ، وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ، تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ، وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ، فكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُر} 1.
2-
وواصلت الآيات الكبرى -بعد ذكر قصة قوم نوح- إنذار المشركين بتصوير موقف قوم عاد وثمود وبيان ما حلَّ من التنكيل والدمار والعذاب الماحق بهم، وفيه مع ما آل إليه مصير قوم نوح من الإغراق بالطوفان أبلغ العبرة لمن تدبر واعتبر.. فقد كذب قوم عاد نبيهم هودًا مثل ما كذب قوم نوح نبيهم، فعاقبهم الله على كفرهم وتماديهم في الغي والضلال، وقصَّ الله بعد ذلك نبأ ثمود الذين خلفوا قوم عاد في القوة والتمكين، ولكنهم لم يتعظوا بما أصاب مَنْ قبلهم حين جحدوا عقيدة التوحيد، فكذبوا بنذر الله، وأنكروا دعوة نبيهم صالح عليه السلام، وسخروا منه، وغلبت عليهم الكبرياء، فزعموا أنهم لو اتبعوه لكانوا في ضلال وجنون، واتهموا نبيهم بالكذب والطمع وحب السيطرة، وطمس الله على بصائرهم، فأغرقوا في الكفر والكبر وقبح الاتهام، وأرسل الله الناقة؛ آية لنبيه صالح عليه السلام، وحجة له على قومه، وامتحانًا لهم وابتلاء، وأمره أن يخبرهم أن الماء الذي يَرِدُونَه مقسوم بينهم وبين الناقة، فلها يوم ولهم يوم، فتحضر الناقة تارة ويحضرون هم أخرى، فتنال شِرْبَهَا وينالون شِرْبَهُم، فعتوا عن أمر ربهم، وعقروا الناقة
…
فعاقبهم الله بأن أرسل عليهم الصيحة
1 القمر: "9-18".