الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
العبادة المفروضة فحسب، بل هي في كل عمل يتجه به الإنسان إلى خالقه منيبًا إليه مخلصًا له، بحيث تتحول طاقات جسمه وفكره وروحه وضميره وشتى ألوان نشاطه الفطري السليم إلى ضرب من العبادة إذا التزم فيها حدود ما شرع الله، وكان على ذكر دائم من هذه الحقيقة الإسلامية الأصلية وهي: أن هذه الطاقات التي أنعم الله عليه، ينبغي أن يؤدي لواهبها حقه من الشكر، وذلك بأن يضعها فيما خُلِقَتْ له، ويجعل منها سبيل صلته الدائمة بربه.
قال تعالى:
عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله لَيَرْضَى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها" 2
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"الإيمان بضعٌ وسبعون شعبةً فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان"3.
1 القصص: "77".
2 رواه مسلم.
3 رواه البخاري.
إنسان العقيدة:
1-
لا بد لأي دعوة حتى تمتد وتبلغ أهدافها وتحقق ما ترمي إليه؛ من أن
تتوافر لها عناصر أساسية، تبث فيها روح الحياة، وتجعلها دانية الثمرات وافية الخِصْبِ والإنتاج، ولعل في مقدمة هذه العناصر وأكثرها فعالية في سير الدعوات ونجاحها، وتقدُّمِها الطاقة البشرية؛ لأن الإنسان -بما حباه الله من مواهب وملكات- يستطيع أن يمنح الفكرة التي يؤمن بها قوة تنقلها من حيِّز التجريد إلى ساحة الحركة، فتكتسب الفكرة بذلك مضمونًا حيًا واقعيًا، يتفاعل مع السلوك، ويحدث تأثيرًا كبيرًا في حياة الفرد والمجتمع، ويمتد ذلك التأثير إلى جوانب الحياة الإنسانية امتدادًا يتناسب اتساعًا وعمقًا مع ما يبذله الأفراد من جهد، ويقدمونه من عمل، فإذا كانت الفكرة صحيحة سليمة طيبة الوسيلة نبيلة الغاية؛ وأضيف إليها صدق الدعوى لها وإخلاص العمل على نشرها، كانت الغرسةَ التي أصابت أرضًا خِصْبَةً ووافاها الماء الغزير والجو المواتي فنمت وأينعت وأنبتت من كل زوج بهيج.
2-
من أجل هذا عني الإسلام عناية كبيرة بتربية الإنسان تربية متكاملة، تحرر عقله، وتهذب نفسه، وتطهر وجدانه، وتوازن بين ضرورات جسمه وأشواق روحه، وتزوده بحوافز الخير وتنمي فيه بواعث الإيمان؛ لتحوله بعد ذلك إلى إنسان تملأ عليه عقيدته جوانب حياته، فيضع لنشرها وبث تعاليمها وإعلاء شأنها كل قواه وملكاته، لا يبتغي من وراء ذلك جزاءً ولا شكورًا ولايرمي إلى عرض من أعراض الحياة الدنيا، فَحَسْبُهُ أن يؤدي حق الله عليه بصدق وتجردٍٍٍٍ وإخلاص، ويكون في مرتبة من أثنى الله تبارك وتعالى عليهم بقوله:
إن إنسان العقيدة الذي يعيش لها وبها، يهب وجوده كله لإعلاء
1 فصلت: "33".
شأنها، ولا يعرف معنى السعادة إلا بالعطاء الدائم الذي يدينه من رضى ربه، ولو كان هذا العطاء بذلًا سخيًا للمال والروح؛ إنه إنسان فَذٌّ أوتي حظًا عظيمًا من وضوح الرؤية وقوة الإدراك ونفاذ البصيرة، فأعطى الحياة قيمتها الحقيقية، ووعى وظيفته فيها فأداها حق أدائها.
ولا بد لدعوة الحق من هذه النماذج الرفيعة التي تتحرر من أغلال الأهواء، وتسمو عن نوازع النفس وتعلو فوق قيود التراب؛ لتنطلق بعزم وإخلاص في آفاق رحبةٍ وضيئةٍ، تزرع في جنباتها غرس الإيمان الخالص الذي سرعان ما يخرج نباته بإذن ربه طيبًا داني القطوف.
ومن الطبيعي أن المحن والشدائد وعنف المجابهة وحدة الصراع؛ هو المُنَاخ الصالح لإعداد هذه النماذج الفريدة وتربيتها وتكوينها، وجعلها القاعدة الصلبة الثابتة التي يُعَوَّلُ ويُسْتَنَدُ إليها في المعارك والأزمات؛ لأنها الصفوة الخالصة التي لا يزيدها لهب المعارك ووهج الصراع إلا ألقًا وصفاء
…
وقد أتيح لدعوة الإسلام في فجر الرسالة إعدادُ فئةٍ من هؤلاء الأفذاذ الذين ضَرَبُوا أروع الأمثلة في البطولة والفداء، وفيهم يقول الله تبارك وتعالى:
3-
نجد في سيرة السلف الصالح من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي تاريخ أبطال الإسلام في مختلف العصور الصورة الحية الرائعة لإنسان العقيدة في إيمانه وبسالته، وإخلاصه وبذله، وصدقه وصبره، ونشعر ونحن نعيش في ظلال هذا الإيمان الدافق المكافح أن هؤلاء الأبرار الذين نهلوا من معين النبوة؛ إنما كانوا الترجمة الحية المتحركة للمبادئ المثلى التي جاءت
1 الأحزاب: "23".
بها عقيدة الإسلام؛ لأنهم آمنوا بها وفهموا ووَعُوا أبعادها الكبرى في الحياة، فلم يقفوا عند حدود معرفتها والتعمق في معناها، بل خَطَوْا بها أشواطًا بعيدة في مضمار التبليغ والتطبيق والتنفيذ، فكانوا مشاعل الهداية التي أضاءت للبشر سبل الرشاد؛ حيث حملوها عبر الصحاري والقفار، وتجاوزوا بها المغاور والجبال، وعبروا بها السهول والبحار، ونشروا رايتها في كل أرض وطئتها أقدامهم، ودخل الناس -بفضل من الله ثم بجهادهم وصدق دعوتهم- في دين الله أفواجًا، وليس هذا الرصيد العلمي والفكري والحضاري الضخم الذي وعاه التاريخ وسطره بمداد المجد والفخار إلا أثرًا بسيطًا من آثار فتح العقيدة النيّر في تلك الأمم والشعوب، ولقد لفتت هذه الظاهرة العظيمة نظر كثير من الباحثين ومؤرخي الحضارة وراصدي نتائجها، وذكر كثير من المنصفين منهم: أن عقيدة الإسلام ومبادئه وثقافته، هي الباعث الأساسي لهذه النهضة الكبيرة التي أفادت الإنسانية منها، وجنت من ثمارها، وكانت من بَعْدُ العامل الأول لتَقَدُّم أوروبا وخروجها من ظلام القرون الوسطى.
4-
إن هذه الآثار الجليلة التي تركها أولئك الأبرار الصادقون، وهذا الرصيد الضخم الكبير الذي خلفوه لمن بعدهم ميراثًا حيًّا لا يبلى على مر الزمان، إن هذا كله يُلْقِي على أبناء دعوة الإسلام مسئولية جسيمة لا يقوى على النهوض بأعبائها إلا إنسان العقيدة الذي يستمد من إيمانه قوة الصمود إزاء الأحداث والفتن والأهواء، فلا تهزه أعاصيرها العاتية، ولا تنال منه منحها القاسية، ولا يصرفه شيء مما في هذه من رغبة مغرية أو رهبة مؤذية عن هدفه الكبير في الوفاء لعقيدته والانتصار لها والثبات عليها والعمل على نشرها والجهاد لإعلاء قدرها..
ثم إذا كانت الأزمة تَلِدُ الهمة، والمعارك تصنع الأبطال، فما أجدرَ أزمة المسلمين اليوم -وقد استشرى العداء- أن تلد هممًا عالية لا تأبه بالمصاعب ولا ترضى بضيم، وحري بهم أن تصهر المعارك نفوسهم وتصقل أرواحهم؛ ليكون كل منهم إنسان العقيدة الصادق الذي توجِّهُهُ نحو الحق والخير هادية الله، ولا ينطلق إلا ابتغاء مثوبته ورضاه.