الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثانيا: حكم هذه التغيرات في النقود الاصطلاحية
الكساد العام للنقد
. وهو ترك التعامل به في عامة البلاد فلو ثبت لشخص في ذمة آخر مبلغ من المال قرضا أو ثمن مبيع مؤجل ثم أبطل ذلك النقد فللفقهاء فيه أربعة أقوال:
الأول: قول أبي حنيفة رحمه الله: يفسد العقد بالكساد لهلاك الثمن ويجب الفسخ إذا كان ممكنا، كما نقله ابن عابدين عن النتارخانية، وقال الزاهدي في جواهر الفتاوى: إذا باع شيئا بنقد معلوم ثم كسد النقد قبل القبض يفسد البيع، ثم ينظر فإن كان المبيع قائما بيد المشتري رده على البائع، وإن خرج من ملكه أو زاد بصنعة متقومة كخياطة الثوب أو تغير جنسه كطحن الدقيق فعليه مثله إن كان مثليا أو قيمته إن كان متقوما من نقد كان موجودا عند البيع ولم يكسد.
وإن كان الثابت في الذمة دينا في قرض أو مهرا مؤجلا فيجب رد مثله ولو كاسدا؛ لأنه هو الثابت في الذمة لا غيره، وإن كان ما ثبت في الذمة أجرا رجع على المستأجر بأجر المثل، ويبدو أن الحنفية وجدوا في أنفسهم شيئا تجاه هذا القول في القرض والمهر المؤجل ولذا قال ابن عابدين إن الفتوى فيهما على قول أبي يوسف وهو وجوب القيمة يوم التعامل (1).
دليل الإمام: وحجة أبي حنيفة في البيع أن النقد الاصطلاحي خرج عن ثمنيته بالكساد وزالت عنه صفة النقدية فبقي المبيع بلا ثمن فيفسد العقد.
وحجته في القرض والمهر المؤجل أن القرض إعارة وموجبها رد العين معنى وهو متحقق برد المثل ولو كاسدا لأن الثمنية زيادة فيه حيث إن صحة القرض لا تعتمد الثمنية بل تعتمد المثل ولا يخرج بالكساد عن كونه مثلا
(1) تنبيه الرقود صـ 56 - 57، وبدائع الصنائع 7/ 3244، وحاشية ابن عابدين جـ 5/ 162.
ولذا صح استقراضه بعد الكساد وصح استقراض ما ليس بثمن كالجوز والبيض والمكيل والموزون، ولولا أنه إعارة لما صح؛ لأنه يكون مبادلة الجنس بمثله نسيئة وهو حرام فصار المردود عين المقبوض حكما فلا يشترط فيه الرواج كرد العين المغصوبة (1) والتسليم بقياس قرض الفلوس على عارية المثليات أمر لا تقبله النفس بسهولة، فمقترض الفلوس إنما اقترضها لما كانت تتمتع به من قوة شرائية، فقيمتها مضمون العقد لا أعيانها المثلية، ولذا ذهب الحنفية إلى ترجيح قول أبي يوسف برد قيمة النقود الاصطلاحية الكاسدة، وقد اختار الغزي في التنوير قول الإمام في القرض والبيع فلو كسدت فليس للبائع إلا مثلها كاسدة لا قيمتها (2).
الثاني: قول أبي يوسف والراجح عند الحنابلة والمرجوح عند المالكية:
وهو أنه لا يجزئ رد المثل بعد الكساد ويجب على المدين رد قيمة الدين بقيمته يوم التعامل من نقد غير كاسد، وهذا القول هو المفتى به عند الحنفية رفقا بالناس ولأن القيمة يوم التعامل تكون مستقرة (3)، ودليلهم على ذلك أن كسادها إبطال لماليتها فهو كإتلافها فوجب بدلها وهو القيمة بناء على قاعدة الجبران، ولأن الدائن دفع مالا منتفعا به فلا يظلم بإعطائه ما لا نفع فيه، قال ابن قدامة في المغني (4) بعد تقريره قاعدة رد المثل في المثليات سواء رخصت أو غلت: وإن كان القرض فلوسا أو مكسرة فحرمها السلطان وتركت المعاملة بها كان للمقرض قيمتها ولا يلزم بقبولها ولو كانت عينها موجودة لدى المقترض لأنها تعيبت في ملكه، نص عليه أحمد في الدراهم المكسرة وقال يقومها كم تساوي يوم أخذها ثم يعطيه قيمتها وسواء نقصت
(1) تبيين الحقائق للزيلعي 4/ 143.
(2)
تنبيه الرقود صـ 59.
(3)
تنبيه الرقود 7/ 62، وتبيين الحقائق 4/ 144، والبحر الرائق 6/ 219.
(4)
المغني 4/ 360، والكافي لابن قدامة أيضا 2/ 124.
قيمتها كثيرا أم قليلا، قال القاضي هذا إذا اتفق الناس على تركها، وأما إن تعاملوا بها مع تحريم السلطان لها لزم أخذها ودليله أن منعها إبطال لماليتها فأشبه إتلافها.
وذهب بعض المالكية في ثمن المبيع أنه تجب قيمة السلعة يوم القبض من النقد الرائج ولكن المشهور (1) عندهم رد المثل كما سنراه في القول الرابع، ويشترط الحنابلة تقدير قيمة النقد الكاسد بغير جنسه حذرا من الوقوع في الربا (2) وهو شرط لا بد من مراعاته عند كل المذاهب وإن لم يشيروا إليها عند الحديث عن قيمة النقد.
الثالث: قول محمد بن الحسن وبعض الحنابلة: وهو كالقول الثاني في وجوب رد القيمة إلا أنهم يقدرونها يوم الكساد لا يوم التعامل، أي بآخر وقت الكساد لأنه آخر ما تعامل به الناس وهو وقت الانتقال إلى القيمة، إذ الواجب رد مثلها إذا كانت نافقة فإذا كسدت انتقل الواجب إلى قيمتها، فقول محمد أنه يجب آخر ما انقطع من أيدي الناس (3).
الرابع: مذهب الشافعية والمشهور عند المالكية: إذا كسد النقد بعد ثبوته في الذمة وقبل أدائه فليس للدائن سواه، ويعتبر الكساد جائحة نزلت به، ولا فرق بين القرض والثمن المؤجل، وقد نقل ابن (4) قدامة مذهبهم فقال: وقال مالك والليث والشافعي ليس له إلا مثل ما أقرضه؛ لأن ذلك ليس بعيب جرى فيها، بل هو كنقص سعرها، فقد قال في المنهاج:(ويرد في القرض المثل في المثلي لأنه أقرب إلى حقه ولو في نقد بطل التعامل به)(5) وقال في النهاية:
(1) حاشية الرهوني 5/ 120.
(2)
كشاف القناع 3/ 315، والروض المربع 2/ 154.
(3)
تنبيه الرقود / 58، وتبيين الحقائق 4/ 144.
(4)
المغني 4/ 360.
(5)
مغني المحتاج 2/ 119.