المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌سابعا: " الشفاعة العظمى - مجلة البحوث الإسلامية - جـ ٤٠

[مجموعة من المؤلفين]

فهرس الكتاب

- ‌المحتويات

- ‌الكمبيالة:

- ‌خصائص الكمبيالة:

- ‌الوصف الشرعي للكمبيالة:

- ‌الشيك:

- ‌خصائص الشيك:

- ‌الفرق بين الشيك والكمبيالة:

- ‌السند الإذني

- ‌خصائص السند الإذني:

- ‌الوصف الإسلامي للسند الإذني:

- ‌التحويلات المصرفية والبريدية:

- ‌عمليات التظهير:

- ‌ التظهير التام

- ‌آثار التظهير التام:

- ‌التظهير التوكيلي

- ‌آثار التظهير التوكيلي:

- ‌التظهير التأميني:

- ‌آثار التظهير التأميني:

- ‌الوصف الإسلامي للتظهير:

- ‌تحصيل الأوراق التجارية:

- ‌التكييف الفقهي الإسلامي لعمليات التحصيل:

- ‌عمليات الخصم:

- ‌الوصف الفقهي الإسلامي لعمليات الخصم:

- ‌الفتاوى

- ‌من غير في دين الله

- ‌ مصير أبناء الكفار يوم القيامة

- ‌ عقاب الشيطان

- ‌ معنى القدر

- ‌توفيق الله العبد للإيمان

- ‌تمني الموت

- ‌المولود يولد على الفطرة

- ‌التسخط وعدم الرضا بالقدر

- ‌ امرأة قلقة لكونها لم تحمل وتلجأ أحيانا إلى البكاء

- ‌عدم الندم على ما فات

- ‌الانتحار

- ‌قول الإنسان قابلت فلانا صدفة

- ‌الجزاء والثواب على العمل

- ‌وضع ذنوب المسلم على اليهودي والنصراني

- ‌مصير الملائكة يوم القيامة

- ‌ شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم وشفاعة الصالحين

- ‌ المدة بين النفختين، ومن هم الذين لا يموتون بين النفختين

- ‌ الميزة التي تميز بها الإبل عن سائر الحيوانات

- ‌محاسبة الناس يوم القيامة

- ‌دخول الجنة بفضل الله وليس بالعمل

- ‌ فتاوى سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز

- ‌ الدعوة إلى الله عز وجل وأوجه الفضل فيها

- ‌ الاصطدام بين الدعوة والمجتمع)

- ‌ المجالات والأبواب التي يمكن للداعية أن يطرقها

- ‌ الأسلوب الأمثل للدعوة

- ‌ إحجام بعض الدعاة عن التعاون مع وسائل الإعلام

- ‌ الصحيفة أو المجلة التي تعتمد على الإثارة في تسويق أعدادها

- ‌ قيام جماعات إسلامية في البلدان الإسلامية

- ‌ الأولوية في الدعوة الإسلامية

- ‌ انتفاضة الشعب الفلسطيني ضد اليهود

- ‌حكم من يعتقد أن الرسول صلى الله عليه وسلم ليس ببشر

- ‌ السبيل إلى معرفة حقيقة التوحيد

- ‌ الطواف بالقبور

- ‌ معنى الحديث: إن الرقى والتمائم والتولة شرك

- ‌ الحلف بالله صدقا وكذبا

- ‌ هل يخرج الشرك الأصغر صاحبه من الملة

- ‌أحوال يوم القيامة

- ‌أولا: ((الصور والنافخ فيه))

- ‌ثانيا: ((عدد النفخات والأثر المترتب على ذلك))

- ‌ثالثا: ((البعث والنشور))

- ‌رابعا: " المحشر

- ‌خامسا: " أرض المحشر

- ‌سادسا: " الوقوف على أرض المحشر

- ‌سابعا: " الشفاعة العظمى

- ‌ثامنا " مجيء الرب سبحانه وتعالى والملائكة

- ‌تاسعا: (مجيء جهنم أعاذنا الله منها)

- ‌تمهيد: في تعريف الكبيرة

- ‌المبحث الأول: الذين أفرطوا في حكم مرتكب الكبيرة (وهم الخوارج)

- ‌أولا: في‌‌ التعريف بالخوارجونشأتهم:

- ‌ التعريف بالخوارج

- ‌ نشأتهم

- ‌ثانيا:‌‌ رأي الخوارج في حكم مرتكب الكبيرةمع المناقشة

- ‌ رأي الخوارج في حكم مرتكب الكبيرة

- ‌ شبهاتهم والجواب عليها

- ‌ في ذكر بعض اللوازم والأدلة التي تؤكد بطلان هذه البدعة:

- ‌ رأي المعتزلة في حكم مرتكب الكبيرة في الدنيا مع المناقشة

- ‌المبحث الثاني: الذين فرطوا في حكم مرتكب الكبيرة (وهم المرجئة)

- ‌أولا: في‌‌ التعريف بالمرجئةونشأتهم:

- ‌ التعريف بالمرجئة

- ‌ نشأتهم

- ‌ثانيا:‌‌ رأي المرجئة في حكم مرتكب الكبيرةمع المناقشة:

- ‌ رأي المرجئة في حكم مرتكب الكبيرة

- ‌ شبهاتهم والجواب عليها

- ‌المبحث الثالث: الذين توسطوا في حكم مرتكب الكبيرة (وهم أهل السنة والجماعة)

- ‌تمهيد:

- ‌أولا: حكم مرتكب الكبيرة - عند أهل السنة - في الدنيا:

- ‌ثانيا: حكم مرتكب الكبيرة - عند أهل السنة - في الآخرة:

- ‌ أدلتهم من الكتاب:

- ‌ أدلتهم من السنة:

- ‌حول الترجمة الفارسيةلمعاني القرآن الكريم

- ‌عربية القرآن الكريم:

- ‌بين اللغتين العربية والفارسية:

- ‌إمكان ترجمة القرآن الكريم:

- ‌قيمة النقود وأحكام تغيراتهافي الفقه الإسلامي

- ‌المقدمة:

- ‌كيف تطرح النقود في التداول

- ‌أدلة الفقهاء على حصر النقدية بالذهب والفضة:

- ‌ثبات قيمة النقود:

- ‌ معنى قيمة النقود

- ‌مفهوم تغير قيمة النقود عند الفقهاء:

- ‌التغيرات الطارئة على قيمة النقود:

- ‌أولا: حكم التغيرات الطارئة على الذهب والفضة

- ‌ثانيا: حكم هذه التغيرات في النقود الاصطلاحية

- ‌الكساد العام للنقد

- ‌الكساد الجزئي للنقود:

- ‌الانقطاع:

- ‌غلاء النقد ورخصه:

- ‌تلخيص جملة أقوال الفقهاء السابقة في التغيرات الطارئة على النقود:

- ‌النتيجة:

- ‌التكييف الفقهي للورق النقدي:

- ‌التكييف الفقهي للعلل الحديثة:

- ‌نتائج البحث:

- ‌الحق في الشريعة الإسلامية

- ‌تمهيد:

- ‌تعريف الحق في اللغة:

- ‌استعمالات الحق في القرآن الكريم:

- ‌الحق في الفقه الإسلامي:

- ‌استعمالات كلمة " الحق " في الفقه الإسلامي:

- ‌تعريف الحق اصطلاحا:

- ‌أنواع الحق في الشريعة:

- ‌أولا: الحقوق المالية وغير المالية:

- ‌ثانيا: الحقوق المجردة والحقوق غير المجردة:

- ‌ثالثا: حقوق تقبل الإسقاط وحقوق لا تقبل الإسقاط:

- ‌رابعا: حقوق تورث وحقوق لا تورث:

- ‌أنواع الحق باعتبار صاحبه:

- ‌ حق الله تعالى خالصا:

- ‌ حق العبد خالصا:

- ‌ ما اجتمع فيه الحقان وحق الله فيه أغلب:

- ‌ ما اجتمع فيه الحقان وحق العبد غلب:

- ‌منشأ الحق في الشريعة الإسلامية:

- ‌طبيعة الحق في الشريعة:

- ‌بين الحق والواجب:

- ‌حديث شريف

الفصل: ‌سابعا: " الشفاعة العظمى

‌سابعا: " الشفاعة العظمى

"

الشفاعة العظمى مما اختص الله سبحانه به نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم كما بين الله تعالى ذلك في محكم التنزيل فقال تعالى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} (1) قال ابن جرير: وعسى من الله واجبة، وإنما وجه قول أهل العلم: عسى من الله واجبة؛ لعلم المؤمنين أن الله لا يدع أن يفعل بعباده ما أطمعهم فيه من الجزاء على أعمالهم والعوض على طاعتهم إياه ليس من صفته الغرور، ولا شك أنه قد أطمع من قال ذلك له في نفعه إذا هو تعاهده ولزمه، فإنه لزم المقول له ذلك وتعاهده ثم لم ينفعه، ولا سبب يحول بينه وبين نفعه إياه مع الإطماع الذي تقدم منه لصاحبه على تعاهده إياه ولزومه فإنه لصاحبه غار بما كان من إخلافه إياه فيما كان أطمعه فيه بقوله الذي قال له. وإذا كان ذلك كذلك، وكان غير جائز أن يكون جل ثناؤه من صفته الغرور لعباده صح ووجب أن كل ما أطمعهم فيه من طمع على طاعته، أو على فعل من الأفعال، أو أمر أو نهي أمرهم به، أو نهاهم عنه فإنه موف لهم به. وإنه منه كالعدة التي لا يخلف الوفاء بها، قالوا: عسى ولعل من الله واجبة. وتأويل الكلام أقم الصلاة المفروضة يا محمد في هذه الأوقات التي أمرتك بإقامتها فيها، ومن الليل فتهجد فرضا فرضته عليك، لعل ربك أن يبعثك يوم القيامة مقاما تقوم فيه محمودا تحمده، وتغبط فيه. ثم اختلف أهل التأويل في معنى ذلك المقام المحمود، فقال أكثر أهل العلم:" ذلك هو المقام الذي يقومه صلى الله عليه وسلم يوم القيامة للشفاعة للناس ليريحهم من عظيم ما هم فيه من شدة ذلك اليوم "(2).

(1) سورة الإسراء الآية 79

(2)

جامع البيان عن تأويل آي القرآن جـ 15 صـ 143، 144.

ص: 205

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة (1)» ، والمراد بالشفاعة هنا: العظمى.

وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: " إن الناس يصيرون يوم القيامة جثا كل أمة تتبع نبيها يقولون: يا فلان اشفع حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذلك يوم يبعثه الله المقام المحمود "(2) قال ابن حجر: " وجاءت الأحاديث في إثبات الشفاعة المحمدية متواترة، ودل عليها قوله تعالى:{عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} (3) والجمهور على أن المراد الشفاعة.

نعم إن المقام المحمود هو الشفاعة التي يحمد عليها صلى الله عليه وسلم من الخلق، وإن أعظم ذلك ما هو ظاهر في حقيقته وفي عظم شأنه، وهو الشفاعة العظمى التي يتخلى عنها أولو العزم من الرسل عندما تطلب منهم من الأمم في أن يشفعوا لهم إلى ربهم ليريحهم من هول وعظيم ما هم فيه، ويكون لها صلى الله عليه وسلم، كما جاءت الأحاديث مصرحة بذلك. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «أتي

(1) رواه البخاري في صحيحه كتاب التيمم، باب1، حديث 335، ورواه مسلم كتاب المساجد، 3، حديث 521.

(2)

صحيح البخاري كتاب التفسير، باب 11، حديث 4718.

(3)

سورة الإسراء الآية 79

ص: 206

رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما بلحم، فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه فنهس منها نهسة فقال: أنا سيد الناس يوم القيامة، وهل تدرون بم ذاك؟ يجمع الله يوم القيامة الأولين والآخرين في صعيد واحد فيسمعهم الداعي، وينفذهم البصر، نفسي؛ نفسي؛ اذهبوا إلى إبراهيم صلى الله عليه وسلم، فيأتون إبراهيم فيقولون: أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟

(1) رواه مسلم في صحيحه كتاب الإيمان، حديث 327، ورواه البخاري في صحيحه كتاب التفسير سورة 17، باب 5، حديث 4712، ورواه الترمذي كتاب القيامة باب 10، حديث 2434، ورواه أحمد في المسند 2/ 435، 436.

(2)

فنهس: أخذ اللحم بأطراف الأسنان - غريب الحديث والأثر 5/ 136. (1)

ص: 207

فيقول لهم إبراهيم: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولا يغضب بعده مثله وذكر كذباته، نفسي، نفسي، اذهبوا إلى عيسى صلى الله عليه وسلم فيأتون عيسى فيقولون: يا عيسى أنت رسول الله وكلمت الناس في المهد، وكلمة منه ألقاها إلى مريم وروح منه، فاشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم عيسى صلى الله عليه وسلم: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، ولم يذكر له ذنبا، نفسي، نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمد صلى الله عليه وسلم. فيأتوني فيقولون: يا محمد أنت رسول الله وخاتم الأنبياء، وغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فأنطلق فآتي العرش فأقع ساجدا لربي

(1)(2)، وتدنو الشمس، فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون وما لا يحتملون، فيقول بعض الناس لبعض: ألا ترون ما أنتم فيه؟ ألا ترون ما قد بلغكم؟ ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيقول بعض الناس لبعض: أئتوا آدم، فيأتون آدم فيقولون: يا آدم أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول آدم: إن ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه نهاني عن الشجرة فعصيته؛ نفسي؛ نفسي؛ اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح، فيأتون نوحا فيقولون: يا نوح أنت أول الرسل إلى الأرض، وسماك الله عبدا شكورا، اشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإنه قد كانت لي دعوة دعوت بها على قومي

ص: 208

ثم يفتح الله علي ويلهمني من محامده وحسن الثناء عليه شيئا لم يفتحه لأحد قبلي، ثم يقال: يا محمد: ارفع رأسك، سل تعطه، اشفع تشفع. فأرفع رأسي فأقول: يا رب أمتي، أمتي، فيقال: يا محمد: أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب، والذي نفس محمد بيده إن ما بين المصراعين من مصارع الجنة لكما بين مكة وهجر (2)».

كل الأحاديث الواردة في الشفاعة في الموقف في مبدئها استشفاع الناس بالأنبياء لفصل القضاء وإراحتهم من شدة وهول الموقف، ويحولهم كل نبي إلى آخر، وحتى يصلوا إلى محمد صلى الله عليه وسلم ويطلبوا منه ذلك، فيسجد تحت العرش ويفتح الله عليه ويلهمه من محامد الرب وحسن الثناء عليه، ثم يقال له ارفع رأسك ويأذن الله له في الشفاعة، ويقبل منه ذلك، ولا شك أن أول ما يشفع فيه هو الأمر العظيم الذي من أجله سجد واستأذن ربه فيه، ولكن ما وقع في نهاية الروايات أنه يقول صلى الله عليه وسلم:«يا رب أمتي، أمتي (3)» . قد أشكل على العلماء، فنذكر أقوال بعضهم وتوجيهاته لهذا الإشكال:

قال القاضي عياض: وجاء في حديث أنس وحديث أبي هريرة ابتداء

(1)(1)، نفسي، نفسي؛ اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى موسى صلى الله عليه وسلم. فيقولون: يا موسى أنت رسول الله فضلك الله برسالاته وبتكليمه على الناس، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم موسى صلى الله عليه وسلم: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قتلت نفسا لم أومر بقتلها

(2)

(1)، أو كما بين مكة وبصرى

(3)

صحيح البخاري التوحيد (7510)، صحيح مسلم الإيمان (193)، سنن ابن ماجه الزهد (4312)، مسند أحمد بن حنبل (3/ 248)، سنن الدارمي المقدمة (52).

ص: 209

النبي صلى الله عليه وسلم بعد سجوده وحمده والإذن له في الشفاعة بقوله: «أمتي، أمتي (1)» وقد جاء في حديث حذيفة. . . قال: «فيأتون محمدا صلى الله عليه وسلم فيقوم ويؤذن له وترسل الأمانة والرحم، فيقومان جنبتي الصراط يمينا وشمالا، فيمر أولهم كالبرق (2)» وساق الحديث. وبهذا يتصل الحديث؛ لأن هذه هي الشفاعة التي لجأ الناس إليه فيها، وهي الإراحة من الموقف والفصل بين العباد، ثم بعد ذلك حلت الشفاعة في أمته صلى الله عليه وسلم وفي المذنبين، وحلت الشفاعة للأنبياء والملائكة وغيرهم صلوات الله وسلامه عليهم، كما جاء في الأحاديث الأخر.

وجاء في الأحاديث المتقدمة في الرؤية وحشر الناس أتباع كل أمة ما كانت تعبد، ثم تمييز المؤمنين من المنافقين، ثم حلول الشفاعة ووضع الصراط، فيحتمل أن الأمر باتباع الأمم ما كانت تعبد هو أول الفصل والإراحة من هول الموقف وهو أول المقام المحمود، وأن الشفاعة التي ذكر حلولها هي الشفاعة في المذنبين على الصراط، وهو ظاهر الأحاديث، وأنها لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم ولغيره، كما نص عليه في الأحاديث، ثم ذكر بعدها الشفاعة فيمن دخل النار، وبهذا تجتمع متون الحديث وتترتب معانيها إن شاء الله تعالى (3) ".

وقال القرطبي بعد أن ساق حديث الشفاعة: " هذه الشفاعة العامة التي خص بها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من بين سائر الأنبياء هي المرادة بقوله عليه الصلاة والسلام «لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي (4)» . وهذه الشفاعة العامة لأهل الموقف إنما هي ليعجل حسابهم ويراحوا من هول الموقف وهي الخاصة به صلى الله عليه وسلم وقوله:

(1) صحيح البخاري التوحيد (7510)، صحيح مسلم الإيمان (193)، سنن الترمذي صفة جهنم (2593)، سنن ابن ماجه الزهد (4312)، مسند أحمد بن حنبل (3/ 248)، سنن الدارمي المقدمة (52).

(2)

صحيح مسلم الإيمان (195).

(3)

شرح النووي على صحيح مسلم جـ 2، جزء 3، صـ 57، 58.

(4)

رواه البخاري في صحيحه كتاب التوحيد باب 31 حديث 7474، وكتاب الدعوات باب 1 حديث 6304، ورواه مسلم كتاب الإيمان حديث 339.

ص: 210

«أقول يا رب أمتي أمتي (1)» اهتمام بأمر أمته وإظهار محبته فيهم وشفقته عليهم. وقوله: «فيقال يا محمد أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه (2)» ، يدل على أنه شفع فيما طلب من تعجيل حساب أهل الموقف، فإنه لما أمر بإدخال من لا حساب عليه من أمته فقد شرع في حساب من عليه حساب من أمته وغيرهم، وكان طلب هذه الشفاعة من الناس بإلهام من الله تعالى لهم حتى يظهر في ذلك اليوم مقام نبيه صلى الله عليه وسلم المحمود الذي وعده ولذلك قال كل نبي: لست لها، حتى انتهى الأمر إلى محمد صلى الله عليه وسلم فقال:«أنا لها (3)» (4).

وقال ابن أبي العز: " والعجب كل العجب من إيراد الأئمة لهذا الحديث من أكثر طرقه لا يذكرون أمر الشفاعة الأولى في مأتى الرب سبحانه وتعالى لفصل القضاء، كما ورد في حديث الصور؛ فإنه المقصود في هذا المقام ومقتضى سياق أول الحديث فإن الناس يستشفعون إلى آدم فمن بعده من الأنبياء في أن يفصل بين الناس ويستريحوا من مقامهم، كما دلت عليه سياقاته من سائر طرقه، فإذا وصلوا إلى الجزاء إنما يذكرون الشفاعة في عصاة الأمة وإخراجهم من النار، وكان مقصود السلف في الاقتصار على هذا المقدار من الحديث هو الرد على الخوارج ومن تابعهم من المعتزلة الذين أنكروا خروج أحد من النار بعد دخولها، فيذكرون هذا القدر من الحديث الذي فيه النص الصريح في الرد فيما ذهبوا إليه من البدعة المخالفة للأحاديث (5) ". وهناك أقوال كثيرة حول حديث الشفاعة، وقد اخترنا هذه الأقوال لأمور حول هذا الحديث:

1 -

توجيه الأحاديث كما بينه القاضي، فيكون أول ما يشفع فيه صلى الله عليه وسلم في أهل الموقف لإراحتهم من هول ما هم فيه.

(1) صحيح البخاري التوحيد (7510)، صحيح مسلم الإيمان (193)، سنن ابن ماجه الزهد (4312)، مسند أحمد بن حنبل (3/ 248)، سنن الدارمي المقدمة (52).

(2)

صحيح البخاري تفسير القرآن (4712)، صحيح مسلم الإيمان (194)، سنن الترمذي صفة القيامة والرقائق والورع (2434)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 436).

(3)

صحيح البخاري تفسير القرآن (4476)، صحيح مسلم الإيمان (193)، مسند أحمد بن حنبل (3/ 248)، سنن الدارمي المقدمة (52).

(4)

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة 1/ 296 - دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.

(5)

شرح العقيدة الطحاوية صـ 195، صـ 196، تحقيق شعيب الأرناءوط.

ص: 211

2 -

الدلالة من ظاهر الحديث أن شفاعته صلى الله عليه وسلم الأولى في أهل الموقف ليعجل الرب سبحانه وتعالى حسابهم، ويراحوا من هول الموقف - ظاهر من قوله صلى الله عليه وسلم، كما استنتجه القرطبي:

(أ) عندما يعتذر كل نبي " لست لها لست لها " حتى انتهى الأمر إلى محمد صلى الله عليه وسلم فقال: «أنا لها (1)» . أي من مقتضى سياق أول الحديث.

(ب) قوله: «فيقال يا محمد أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه (2)» يدل على أنه شفع فيما طلب من تعجيل حساب أهل الموقف، فإنه أمر بإدخال من لا حساب عليه من أمته، فقد شرع في حساب من عليه حساب من أمته وغيرهم.

(جـ) قوله صلى الله عليه وسلم: «أمتي أمتي (3)» اهتمام بأمر أمته، وإظهار محبته فيهم وشفقته عليهم.

3 -

أمر الشفاعة العظمى واضح من مقتضى سياق أول الحديث، ومقصود السلف في الاقتصار على هذا المقدار من الحديث - هو الرد على الخوارج ومن تابعهم من المعتزلة الذين أنكروا خروج أحد من النار بعد دخولها، فيذكرون هذا القدر من الحديث الذي فيه النص الصريح في الرد عليهم فيما ذهبوا إليه من البدعة المخالفة للأحاديث. كما ارتآه ابن أبي العز. فنكون بهذا وقفنا إن شاء الله تعالى على ثبوت شفاعته صلى الله عليه وسلم بادئ ذي بدء في أهل الموقف، ليحكم بينهم وإراحتهم من هول الموقف وشدة ما هم فيه.

(1) صحيح البخاري تفسير القرآن (4476)، صحيح مسلم الإيمان (193)، مسند أحمد بن حنبل (3/ 248)، سنن الدارمي المقدمة (52).

(2)

صحيح البخاري تفسير القرآن (4712)، صحيح مسلم الإيمان (194)، سنن الترمذي صفة القيامة والرقائق والورع (2434)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 436).

(3)

صحيح البخاري التوحيد (7510)، صحيح مسلم الإيمان (193)، سنن الترمذي صفة جهنم (2593)، سنن ابن ماجه الزهد (4312)، مسند أحمد بن حنبل (3/ 248)، سنن الدارمي المقدمة (52).

ص: 212