الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
من أهل الكتاب افترقوا على اثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاثة وسبعين، اثنتان وسبعون في النار، واحدة في الجنة وهي الجماعة (1)». وفي رواية «قالوا: من هي يا رسول الله ? قال: من كان على ما أنا عليه وأصحابي (2)».
وسموا بأهل السنة والجماعة؛ لتمسكهم بسنته صلى الله عليه وسلم وتقديمها على غيرها من السنن، ولاجتماعهم على الحق، وقيل للزومهم جماعة المسلمين (3).
بعد هذا التمهيد: نشير إلى أن التناول لرأي أهل السنة - كما يلي:
أولا: حكم مرتكب الكبيرة - عند أهل السنة - في الدنيا.
ثانيا: حكم مرتكب الكبيرة - عند أهل السنة - في الآخرة.
(1) رواه أبو داود عن معاوية بن أبي سفيان في كتاب السنة باب شرح السنة. وأحمد في سنده برقم 1024 وإسناده صحيح. انظر: جامع الأصول حديث 7489.
(2)
رواه الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص في كتاب الإيمان، باب ما جاء في افتراق هذه الأمة، وقال: هذا حديث حسن غريب. انظر: جامع الأصول حديث 7491.
(3)
انظر: الفتاوى جـ 3 صـ 157.
أولا: حكم مرتكب الكبيرة - عند أهل السنة - في الدنيا:
لبيان رأيهم نشير إلى شيء من أقوالهم:
يقول الإمام أحمد: ولا نشهد على أحد من أهل القبلة أنه في النار لذنب عمله ولا لكبيرة أتاها (1).
ويقول ابن تيمية: وقد صرح أحمد في غير موضع أن أهل الكبائر معهم إيمان (2).
ويقول ابن تيمية: ومن أصول أهل السنة أن الدين والإيمان قول
(1) السنة للإمام أحمد صـ 70 - 71.
(2)
الفتاوى جـ 7 صـ 257.
وعمل. . إلى أن قال: وهم مع ذلك لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر. . ولا يسلبون الفاسق الملي اسم الإيمان بالكلية. . ويقولون: هو مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، فلا يعطى الاسم المطلق، ولا يسلب مطلق الاسم (1).
وسئل - ابن تيمية - عن العبد المؤمن هل يكفر بالمعصية أم لا؟. فأجاب بقوله: لا يكفر بمجرد الذنب؛ فإنه ثبت بالكتاب والسنة وإجماع السلف أن الزاني غير المحصن يجلد ولا يقتل، والشارب يجلد، والقاذف يجلد، والسارق يقطع، ولو كانوا كفارا: لكانوا مرتدين، ووجب قتلهم، وهذا خلاف الكتاب والسنة وإجماع السلف (2).
وقال الإمام الطحاوي: ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله (3).
وقال ابن أبي العز - في شرحه هذه العبارة -: أهل السنة متفقون كلهم على أن مرتكب الكبيرة لا يكفر كفرا ينقل عن الملة بالكلية كما قالت الخوارج. . . (4)
وقال أبو الحسن الأشعري: وأجمعوا - يعني السلف - على أن المؤمن بالله وسائر ما دعاه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإيمان به لا يخرجه عنه شيء من المعاصي ولا يحبط إيمانه إلا الكفر، وأن العصاة من أهل القبلة مأمورون بسائر الشرائع غير خارجين عن الإيمان بمعاصيهم (5).
من هذه النصوص يتضح أن أهل السنة يرون أن مرتكب الكبيرة من
(1) الفتاوى جـ 3 صـ 151.
(2)
الفتاوى جـ 4 صـ 307.
(3)
شرح الطحاوية صـ 355 (المتن).
(4)
شرح الطحاوية صـ 360 - 361.
(5)
انظر: رسالة أهل الثغر لأبي الحسن الأشعري صـ 374.
أهل القبلة مؤمن ناقص الإيمان - مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته - وهو المذهب الوسط، فلم يعطوه الاسم المطلق كما قالت المرجئة، ولم يسلبوه مطلق الاسم كما قالت الخوارج.
أدلتهم: وقد أيدوا قولهم بأدلة كثيرة من الكتاب والسنة.
فمن الكتاب قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ} (1) الآية.
قال الشيخ ابن سعدي: في قوله " أخيه " دليل على أن القاتل لا يكفر، لأن المراد بالأخوة هنا: أخوة الإيمان، فلم يخرج بالقتل منها، ومن باب أولى أن سائر المعاصي التي هي دون الكفر لا يكفر بها فاعلها، وإنما ينقص بذلك إيمانه (2).
ومن الكتاب - أيضا - قوله تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} (3).
يقول ابن كثير: يقول تعالى آمرا بالإصلاح بين الفئتين الباغيتين بعضهم على بعض: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} (4)
(1) سورة البقرة الآية 178
(2)
تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان لابن سعدي صـ 216.
(3)
سورة الحجرات الآية 9
(4)
سورة الحجرات الآية 9
فسماهم مؤمنين مع الاقتتال؛ وبهذا استدل البخاري وغيره على أنه لا يخرج من الإيمان بالمعصية وإن عظمت، لا كما يقوله الخوارج ومن تابعهم (1).
ومن السنة ما يلي:
1 -
عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال - وحوله عصابة من أصحابه -: «بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه، فبايعناه على ذلك (2)» .
وجه الدلالة: هو أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحكم على مرتكبي هذه الكبائر بالكفر. وهذا يتناول جميع الكبائر - عدا الشرك - للأدلة التي جاء فيها أن الله لا يغفر أن يشرك به أبدا.
ويقول النووي: وقوله صلى الله عليه وسلم: «ومن أصاب شيئا من ذلك (3)» إلى آخره. المراد به ما سوى الشرك، وإلا فالمشرك لا يغفر له. . إلى أن قال: وفي هذا الحديث فوائد منها: تحريم هذه المذكورات. ومنها: الدلالة لمذهب أهل الحق أن المعاصي غير الكفر لا يقطع لصاحبها بالنار إذا مات ولم يتب منها بل هو في مشيئة الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه، خلافا للخوارج والمعتزلة؛ فإن الخوارج يكفرون بالمعاصي (4).
(1) تفسير ابن كثير جـ 4 صـ 211.
(2)
رواه البخاري في كتاب الإيمان باب 11 البخاري (مع الفتح) جـ 1 صـ 64. ومسلم انظر: صحيح مسلم (مع شرح النووي) جـ 11 صـ 222 - 223.
(3)
صحيح البخاري الإيمان (18)، صحيح مسلم الحدود (1709)، سنن الترمذي الحدود (1439)، سنن النسائي البيعة (4161)، سنن الدارمي السير (2453).
(4)
انظر: شرح صحيح مسلم للإمام النووي جـ 11 صـ 223 - 224.