الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بالحق. فقال: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ} (1) أي أقروا بها واعترفوا فيما بينهم وبين ربهم ولهم أعمال أخرى صالحة خلطوا هذه بتلك، فهؤلاء تحت عفو الله وغفرانه (2).
وقال ابن سعدي: ". . فهذه الآية دالة على أن المخلط المعترف النادم الذي لم يتب نصوحا أنه تحت الخوف والرجاء وهو إلى السلامة أقرب "(3).
وقال أبو بكر الجزائري: إن من هداية هذه الآية: (الرجاء لأهل التوحيد الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا بأن يغفر الله لهم ويرحمهم)(4).
(1) سورة التوبة الآية 102
(2)
تفسير ابن كثير جـ 3 صـ 144 - 145.
(3)
تفسير ابن سعدي جـ 3 صـ 138.
(4)
تفسير الجزائري جـ 3 صـ 234.
(ب):
أدلتهم من السنة:
وهي كثيرة منها:
1 -
حديث عبادة بن الصامت السابق ذكره آنفا. فإن فيه: «ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه (1)» .
يقول النووي: وفي هذا الحديث فوائد منها: ". . . الدلالة لمذهب أهل الحق أن المعاصي غير الكفر لا يقطع لصاحبها بالنار إذا مات ولم يتب منها بل هو في مشيئة الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه. . "(2).
(1) صحيح البخاري الإيمان (18)، صحيح مسلم الحدود (1709)، سنن الترمذي الحدود (1439)، سنن النسائي البيعة (4162)، سنن الدارمي السير (2453).
(2)
انظر: شرح صحيح مسلم للنووي جـ 11 صـ 223 - 224.
2 -
حديث أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتاني آت من ربي فأخبرني أو قال: بشرني أنه من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة. فقلت: وإن زنى وإن سرق ? قال: وإن زنى وإن سرق (1)» الحديث.
يقول النووي: وأما حكمه صلى الله عليه وسلم على من مات مشركا بدخول النار، ومن مات غير مشرك بدخوله الجنة: فقد أجمع عليه المسلمون، فأما دخول المشرك النار فهو على عمومه. . وأما دخول من مات غير مشرك الجنة فهو مقطوع له به لكن إن لم يكن صاحب كبيرة مات مصرا عليها دخل الجنة أولا، وإن كان صاحب كبيرة مات مصرا عليها فهو تحت المشيئة، فإن عفي عنه دخل أولا، وإلا عذب ثم أخرج من النار وخلد في الجنة، والله أعلم. وأما قوله صلى الله عليه وسلم: وإن زنى وإن سرق فهو حجة لمذهب أهل السنة أن أصحاب الكبائر لا يقطع لهم بالنار، وأنهم إن دخلوها أخرجوا منها وختم لهم بالخلود في الجنة (2).
3 -
ما رواه عبادة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل (3)» .
(1) رواه البخاري في كتاب الرقاق باب 13 البخاري (مع الفتح) جـ 11 صـ 260 - 261. ومسلم في باب الدليل على أن من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة. مسلم (مع شرح النووي) جـ 2 صـ 93 - 94.
(2)
انظر: شرح النووي لصحيح مسلم جـ 2 صـ 97.
(3)
رواه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء باب 47 حديث 3435 - ومسلم في كتاب الإيمان على أن من مات على التوحيد دخل الجنة، مسلم مع شرح النووي جـ 1 صـ 226 - 227.
قال النووي: قوله: أدخله الله الجنة على ما كان من العمل هذا محمول على إدخاله الجنة في الجملة، فإن كانت له معاص من الكبائر فهو في المشيئة، فإن عذب ختم له بالجنة (1).
4 -
كذلك من أدلتهم تحقق الشفاعة الثابتة بالقرآن والسنة التي تدل على أن مرتكبي الكبائر لا يخلدون في النار إن دخلوها.
قال تعالى: {مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ} (2)، وقال تعالى:{يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا} (3) فهاتان الآيتان وأمثالهما: فيها إثبات للشفاعة بالشروط التي أشارت إليها الآيتان. وهي: الإذن من الله للشافع ورضا الله عن المشفوع له، والإذن من الله للشافع يعطيه الصلاحية للشفاعة، ورضاه سبحانه عن المشفوع له يقتضي أن يكون مسلما موحدا. وصاحب الكبيرة مسلم موحد (4)، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: «لكل نبي دعوة مستجابة، فتجعل كل نبي دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة - إن شاء الله - من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا (5)» .
يقول النووي: وأما قوله صلى الله عليه وسلم: «فهي نائلة - إن شاء الله تعالى - من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا (6)» ففيه دلالة لمذهب أهل الحق أن
(1) انظر: شرح النووي لصحيح مسلم جـ 1 صـ 217.
(2)
سورة يونس الآية 3
(3)
سورة طه الآية 109
(4)
انظر: براءة أهل السنة من تكفير عصاة الأمة صـ 26.
(5)
رواه مسلم في كتاب الإيمان باب 86 مسلم (مع شرح النووي) جـ 3 صـ 74. وأحمد في مسنده جـ 2 صـ 426.
(6)
صحيح البخاري الجنائز (1237)، سنن الترمذي الإيمان (2644)، مسند أحمد بن حنبل (5/ 159).
كل من مات غير مشرك بالله تعالى لم يخلد في النار وإن كان مصرا على الكبائر (1).
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، ثم يقول الله تعالى: أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان (2)» الحديث.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي (3)» .
فهذه الأحاديث وأمثالها تدل على ثبوت الشفاعة لأهل الكبائر، وأنه يخرج بها من النار من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، ومرتكب الكبيرة معه إيمان فهي نائلته - إن شاء الله - وإذا كان كذلك فإنه لا يخلد في النار.
وعليه فإن مرتكب الكبيرة يدخل النار إذا لم يشأ الله المغفرة له خلافا للمرجئة لكنه لا يخلد فيها خلافا للخوارج.
وبذلك تتضح وسطية أهل السنة في هذه المسألة، والله أعلم.
هذا ما تيسر كتابته حول وسطية أهل السنة والجماعة في حكم مرتكب الكبيرة فأسأله تعالى أن يتقبل صوابه، ويتجاوز عن خطئه، إنه سميع مجيب، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
(1) انظر: شرح النووي لصحيح مسلم جـ 3 صـ 75.
(2)
رواه البخاري في الإيمان باب تفاضل أهل الإيمان في الأعمال حديث 22. البخاري (مع الفتح) جـ 1 صـ 72.
(3)
رواه أبو داود في سننه برقم 4739 في كتاب السنة، باب في الشفاعة جـ 5 صـ 106 والترمذي في سننه برقم 4737 في صفة القيامة باب ما جاء في الشفاعة، وانظر: جامع الأصول حديث رقم 8012.