الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
العدد 77
- بتاريخ: 01 - 02 - 1930
خزائن بسمى القديمة
1 -
محتويات الخزانة
كان في القطر العراقي خزائن عديدة لقدماء البابليين والآشوريين مطمورة في قلب الأرض، وقد كشف عنها أهل الحزم والعزم من ديار أوربة واميركة فسجلوا لهم ولبلادهم بذلك مكرمة، ومفخرة سامية، يتناقلها الخلف مدى الأجيال والدهور المقبلة.
كانت تلك الخزائن تشمل على مئات الألوف من صفائح الأجر، المكتوب فيها تاريخ العراق القديم وقد طالع الأثريون نحو مليون صفيحة فوقفوا فيها على آداب الشمريين والبابليين والآشوريين وغيرهم من شعوب بين النهرين العريقة في القديم، فسجلات حكوماتهم ورسائل كتابهم وصلوات أتقيائهم وأدعية وأناشد متعبديهم وزهادهم ووثائق تجارهم وأغنيائهم وخرافات واعتقادات عوامهم وعرافة كهنتهم وعلاجات أطبائهم دونت كلها في مؤلفات ونشرت في أطراف المعمورة. فأخذ القراء يطالعونها كما يطالعون سائر الأسفار على اختلاف الموضوعات.
وقد ذهب الأثريين إلى أن في المتحفة البريطانية اليوم نحو مائة متر
مكعب من صفائح الأجر تقدر بخمسمائة مجلد وفي كل مجلد خمسمائة صفحة كبيرة فيكون مجموع صفحات هذه المؤلفات 250. 000 صفحة تؤلف خزانة برمتها فيستطيع الكاتب الملم بلغة تلك المصنفات أن يؤلف كتباً نفسية تمثل حياة البابليين وعلومهم وفنونهم وصناعتهم ولنذكر لذلك مثالاً مما قام به الأستاذ طمسن:
اشتهر قدماء الآشوريين شهرة واسعة في الكيمياء وقد برعوا في تركيب الزجاج وتلوين ومنه الزجاج الأحمر الياقوتي يدخله قليل من الذهب ليكون فيه هذا اللون ويدخله أيضاً (الأثمد) واسم (الأثمد) في اللسان الآشوري (أبار)(وزان سحاب) فنقله قدماء العرب باسم (أبار)(كشداد) عن الفرس والفرس عن الآشوريين وخص بعضهم الآبار بالرصاص الأسود وآخرون بالقصدير ومنهم من ارتأى غير ذلك من الأسماء فاكتفينا بهذه الإشارة.
ووضع مؤخراً الدكتور كمبل طمس كتاباً في كيمياء قدماء الآشوريين وصفة الأستاذ هلمبرد الكيماوي في مجلة (نيتشر) فقال أنه مبني على ما أكتشف من آثار الآشوريين في الخزانة
الملكية الآشورية في نينوى فأن فيها وصفاً دقيقاً لعمل أنواع كثيرة من الزجاج وتلوينه يمتد تأريخه إلى القرن السابع قبل الميلاد وبعد أن جاء على ذكر طائفة من المفردات الآشورية التي تقابل في لفظها ومعناها الألفاظ العربية قال واغرب من ذلك كله أن كلمة (كبلتو) الآشورية تقابل كلمة (كوبلت) العنصر الذي عرف حديثاً وقد حللت أنواع الزجاج التي وجدت في خرائب أشور فوجد في الزجاج الأبيض حاذي (أكسيد) القصدير وفي الأزرق نحاس وفي الأحمر الحاذي (الأكسيد) وفي الأصفر أثمداة (انتيموناة) الرصاص ولنرجع إلى ما نحن بصدده فنقول:
عثر المنقبون على بضع خزائن في أمهات مدن العراق القديمة فاستخرجوا من مدافنها عاديات وأساطين ومسلات وألواحا حجرية وصفائح أجر منقوش عليها أنباء الأقدمين وأساليب عيشهم تعادل زنتها ذهباً بل تفوقها في نظر أرباب التحقيق والتدقيق ومنها خزانة أشور بنيبل في نينوى الحافلة بأصناف الأسفار الثمينة التي اشتملت على مائة ألف صحيفة أجراً مرسوم عليها تاريخ
قدماء العراقيين وقد عثر هرمزد رسام الموصلي المولد والمنشأ في أطلال (أبو حبة)(سبر) عام 1881 على نحو 60. 000 لوح وحفر أعراب البادية في خرائب تلو (أي لجش) وهي شربرلا القديمة فوجدوا صفائح أجر كثيرة جداً بحيث أخذ يبيع الحفارون ملء قارب من العاديات بخمسة قروش صحيحة وبهذه المناسبة أطلق على أنقاض الخرائب تل اللوح أي تل الصفائح وقد قدر عدد تلك العاديات الأستاذ بارفت بثلاثين ألف أجرة وفي نفر وجد المنقبون (بضع آلاف) لوح. وخلاصة القول أن الأثريين عثروا في العراق على مقادير جسيمة من الآثار ما يشيد مدينة بدورها وحوانيتها وعرصاتها ومعابدها ومعاهدها وشوارعها في كل من أشور وبابل.
لم يتوقع النقابون في بسمى أن يعثروا على خزانة تضاهي خزائن المدن الأخرى العظيمة في بادئ الأمر بيد أن الفعلة حينما كانوا مجدين في النبش عثروا على عاديات في هليز قائم في الرابية الرابعة وراء القصر فاستبشروا خيراً وضاعفوا جهودهم فتمكنوا من التقاط خمسين عادية من تلك الأنقاض وبينها وجدت أصغر عادية عثر عليها المنقبون في أطلال بسمى وكان حجمها مربعاً وهي أقل من نصف قيراط ومن العادات ما كان محطماً وعلى إحداها أسم الملك مطبوعاً وبينها وجد كتف تمثال صغير مصنوع من الهيصمي والحفر
عليها طامس ولم يظهر منه سوى أثر طابع يتضمن أسم لوجال وهو أحد حكام أدب.
وفي اليوم الثالث وجد النقابون 150 عادية أيضاً وفي اليوم الرابع ثلاثمائة وفي اليوم الخامس خمسمائة وخمساً وعشرين عادية وهو أكبر عدد وجد في نهار وأحد فيكون مرتفع ما اجتمع في خمسة أيام 1175 وكان بدء اكتشاف هذه العاديات في الرابع والعشرين من شهر نيسان عام 1904 واستمرت أوقات العثور عليها حتى الثامن والعشرين منه.
2 -
نظام الخزانة
كانت هذه العاديات جميعها مكدسة في أرض غرفة واسعة تحت عمق مترين
من التراب وقد بحث النقاب الأميركي ليعثر على رفوف هذه الخزانة فلم يفز بطائل لأن العاديات كانت مدفونة بصورة ركام ولا أثر للعناية بتنسيقها أو تبويب محتوياتها فكانت العادية الكبيرة بجنب الصغيرة. بينها المستديرة الشكل والمربعتة والمسنمة والقائمة الزوايا وبعضها رقيقة وغيرها ثخينة ومنها محكمة الصب وأخرى غير متقنة الصنع ومنها مشوية وأغلبها غير مشوية قصمة وقد أسفرت تنقيبات المنقبين عن كشف 2500 عادية ومعظمها مثلم الأطراف ومشطور شطرين وقد وجدت خمسمائة عادية سالمة من العطب صحيحة الكتابة وبعد أن جمعت وأزيح عنها ما علق بها من الغبار المتلبد وقرء ما فيها فإذا هي صكوك وعقود ووصولات وسندات تنبئ عن بيع حبوب وحيوانات داجنة وصوف وغير ذلك وبينها رسائل ولا أثر للقيود التاريخية ولا للترانيم والمزامير والقصص والأمثال كما كشف منها في خزانة نينوى ومما يؤسف منه أنه سطا على خزانة مدينة أدب من انتزع منها آثار مخطوطاتها الحجرية الثمينة وترك تلك التي عثر عليها لقلة أهميتها في عالم العلم والتاريخ وقد جاهر بعض المنقبين من الفعلة أنهم سمعوا من شيوخ البادية أن هذه البقعة قد نقب فيها أحد النصارى قبل الإسلام وهذا ما أعاد إلى ذاكرة النقاب الأميركي حكاية أشور بنيبل وصورة جمعه آثار العراق وتأسيس خزانة نينوى العظيمة فقد ورد في إحدى صفائح الأجر أنه أرسل طائفة من عماله إلى بلاد بابل كلها ليبحثوا في مدنها العامرة والغامرة ويجمعوا ويستنسخوا ألواحها الحجرية وذلك منذ 668 ق. م.
عثر المنقبون في القصر في القصر الواقع في الرابية الرابعة والقصر قائم بالقرب من موضع الخزانة على أجر مربع الشكل في الزاوية الغريبة من ذلك المحل بيد أن القسم
الأعظم من الأجر كان مشيداً في صدر البناء وقد سقط مقدم الجدار ووجدت أجرتان منها منقوشاً عليهما أسم الملك جميل سن فان هيئة الأجر وعمر البناء وصورة الكتابة تدل على عصر ذلك الملك ويذهب بعض الأثريين إلى أن جميل سن ملك أور لم يقطن هذا لقصر، بل سكنه فريق من عماله. فقد وجد خانمان بين الأجر محفور فيهما أسماء حكام المدينة الذين اشتهروا في ذلك العهد القديم باسم (فاتيشي) وكانوا كهنة وحكاماً معاً وقد قطنوا هذه المدينة.
3 -
عهد مدونات تلك الخزانة
لم تكن صفائح الأجر جميعها من عهد الملك جميل سن بل كان كثير منها أقدم من عصره فقد وجد ثلاثة طوابع حجرية محفورة عليها أسم نرم سن أي سنة 2700ق. م وقد عثر المنقبون على ثلاث شظيات كبيرة من الأجر من عهد قديم جداً وإحدى تلك الشظيات وجدت تحت الأرض في غور نحو مترين ونصف متر بالقرب من الزاوية الغربية من الغرفة وكان طولها ثلاثة عشر سنتيمترا وعرضها عشرة سنتيمترات وثخنها ستة سنتيمترات ولم تكن هذه الشظية سوى ربع الأجرة قبل انحطامها وكانت مكتوبة من كلا طرفيها والكتابة طويلة تتضمن ستة حقول أي أعمدة وكانت الحقول مقسمة في مربعات، ويحتوي كل مربع على كلمة واحدة أو مبدأ مادة. وكانت صور تلك الكتابة على جانب عظيم من الأهمية. لأن حروفها كانت غريبة لعلماء الآشورية وسببت مشاكل عديدة لحل رموزها تلك الرموز التي تشبه الطلاسم عند من لا يعرف شيئاً من إسرار تلك اللغة القديمة.
ووجد أحد الفعلة في أساس الجدار القائم في الجنوب الشرقي من الغرفة قطعة أجرة أخرى ذات لون أسمر وكان طولها تسعة عشر سنتيمتراً في عرض ثلاثة عشر وثخنها ستة سنتيمترات وكان طول هذه الأجرة قبل أن تتحطم ثلاثين سنتيمترات في عرض عشرين وكان مسطوراً على وجهها سبعة حقول وعلى قفاها حقلان وهذه مقسمة إلى مربعات وصورة حروف كتابتها تشابه تلك التي تقدمتها والقطعة الثالثة كانت أصغر من القطعتين المذكورتين وتشمل على حروف قليلة.
وقد عثر النقابون في هذه الغرفة أيضاً على قطعة من المرمر طولها أحد عشر سنتيمتراً
ونصف سنتيمتر في عرض ثمانية وهيئتها أنها مسنمة وحروفها غريبة الكتابة بصورة مستطيلة ممدودة ومعظم تلك الحروف قد طمس لأحداث طبيعة حدثت لها ويصعب قراءتها وترجمتها.
وألفى النقابون في هذه الخزانة أصغر عادية من الأجر تختلف عن غيرها في شكلها وحجمها وإذا قوبلت بالعاديات التي وجدت في الروابي الأخرى في مختلف العصور فأنها تساعد على حل كثير من المشاكل المتعلقة بصنع الأجر وتطره حتى بلوغه
درجة الكمال وانتشاره في الأصقاع البابلية كما نشاهد أشكاله اليوم في المتاحف الأوربية والأميركية على اختلاف صورها ورسومها وقد ظهر من التحريات أن الصلصال لما أتخذ لأول مرة في العالم صحيفة للتدوين والكتابة كانت الأجرة تطبع بشكلين مختلفين الواحد بهيئة مستديرة تشبه الكرة الصغيرة والأخر مسنم وهو يشبه الأجر في العصر الشمري وكلا هذين النوعين تدرج في سلم التطور فأمسى بشكل مستطيل كما كان منتشراً في عصور بابل الأخيرة.
4 -
أجرة التدوين وشكلها ونوع كتابتها
وأعلم أن علماء الآشورية أجمعوا على أن الأجرة في أقدم عصورها كانت مستديرة الشكل تكاد تماثل شيئاً الكرة من الطين وتقارب الاستدارة وتشبه كرة الأرض في تسطح قطبيها إذا أخذ طرفاها يستويان شيئاً فشيئاً على توالي الأزمان حتى غدت تضارع قرصاً وظهرت زواياها في ذلك القرص بصورة جلية ثم انبسطت حتى أصبحت مربعة وحينما أخذ الناس في أول عهدهم يدونون أفكارهم على الأجر أصبح المربع مستطيل الشكل قائم الزوايا ليصلح للكتابة. هذا ومن الأثريين من يذهب إلى أن الأجر المسنم كان في أول أمره مستديراً أيضاً ولم يكن نقل صورته إلى شكل قائم الزوايا إلا خطوة إلى الأمام فالطرف المقبب غدا أكثر استواء والطرف المنبسط أصح أشد حتى عم انتشاره وألف شكله البابليون القدماء.
وكان حجم صفحة الأجرة يتعلق في تلك الأيام على نوع الكتابة ومقدار السطور المراد إثباتها في تلك القطعة فأن أصغر صفحة أجر اكتشفت في بسمى كانت مربعة الشكل وحجها أقل من عقدة إصبع وتتضمن كل صفحة منها كلمة تشتمل على حرفين بخلاف
صفحات الأجر في نينوى فأن طول الواحدة منها لا يقل عن ثماني عشرة عقدة ولا عرضها عن قدم وصفحاتها مقسمة في حقول كصفحات الجرائد اليوم وتحتوي على مئات من السطور المتراصة الدقيقة الكتابة أما في الأزمنة الواغلة في القدم فكانت الحقول في صفحات الأجر الكبيرة مقطعة في أشكال مربعة وكل مربع يتضمن كلمة وكانت العناية منصرفة قليلاً إلى تأليف الحروف وتنظيمها وملائمة صورها فكانت تكتب تارة إلى فوق
وأخرى إلى تحت وأحياناً من اليمين إلى الشمال أو مبعثرة هنا وهناك لتلائم ذوق الكاتب ومشوبة في ما ينقشه إزميله حتى باتت تختلف اختلافاً عظيماً عن العبرية والعربية والسريانية ومعظم اللغات السامية. فالحروف كانت تكتب دائماً من اليسار إلى اليمين وكان الكاتب في الأزمنة القديمة يعتني اعتناءً فائقاً بطبع الأجرة في قالب وفي صورة يلائمان ما يريد نقشه من الكتابة حتى أنه كان يرسم سطوراً عليها كما نسطر اليوم الكاغد بخطوط مستقيمة وأحياناً يرسم خطوطاً في الطول وفي العرض ثم يؤتي بالطين وهو طرأ فيرسم عليه صورة الكتابة بقلم من النحاس أو الخشب وحروف هذه الكتابة تشبه الأسافين أو المسامير، ولهذا اشتهرت بالخط المسماري وبعد أن يتم ذلك توضع الأجرة في الشمس لتجف أو في أتون لتشوي وعلى هذه الصورة تصبح صلبة كالحجارة التي لا تؤثر فيها الأحداث بسهولة. وقد أهمل رسم السطور في الأجر بعد أن تدرجت الكتابة في سلم الارتقاء والتقدم وباتت الحروف تكتب بأسلوب حسن ودقيق.
5 -
مغلفات المدونات
أخذت الحروف والعلامات تنضم شيئاً فشيئاً وتنقش متراصة حتى يضطر إلى حلها عناية عظيمة ومهارة فائقة ليعرف ما فيها وقد استنبط قدماء أهل بابل غلافاً من الطين أو المغلف فكان يغلف به ما يراد حفظه من التلف والدثور وعلى هذه الصورة كانت العادية من الأجر بعد كتابتها وتجفيفها أو شيها تغطى بغلاف رقيق من الطين وكان يعاد كتابة ما تضمنته على الغلاف وأحياناً يكتب طرف منها ليكون بمثابة عنوان لمضمونها.
كان غلاف صفائح الأجر في الغالب صغيراً وثخيناً بحيث يعرف من شكله وكثيراً ما كان يسمع للصفحة صوت داخل الغلاف إذا حركت واشتهرت الظروف وعم استعمالها في عصر أور أنجور وحمرب ولهذا كثر وجودها في خرائب بسمى وبرتقي عهد اختراع
الظروف في بابل إلى أربعة آلاف سنة قبل زمانا هذا.
وقد اكتشف شكل آخر من صحائف الأجر بحجم كبير مستدير حتى كاد
يكون مسطحاً من الطرف الواحد ومستديرا من الطرف الآخر والصحائف التي من هذا الطرز كانت في الغالب غير متقنة الصنع ولا تامة الشيء ولا تحوي أكثر من سطر أو سطرين من الكتابة وفيها إحدى العلامات مكررة بضع مرات بصورة مبهمة ومعقدة وقد ذهب الأثريين إلى أن هذه الصحائف كانت بمثابة ألواح لتمرين تلامذة المدارس كما تستعمل اليوم في مدارسنا الألواح الحجرية لهذه الغاية ومنهم من ذهب إلى أن هذه الألواح كانت تتخذ نماذج للخطوط وارتأى آخرون أن هذه المدونات المسطور فيها علامات معقدة كانت دليلاً للكتبة يهتدون بها إذا خانتهم ذاكرتهم في تصوير الحروف المطلوبة في الكتابة وقد وجد المنقبون مواشير مثمنة الجوانب أو مسدستها ومنها مربعة وأسطوانية ومخروطية مدفونة في جدران المباني العمومية كالقاعات والحمامات والمعاهد تنبئا عن انتشارها في ذلك العهد القديم.
6 -
أصل الخط المسماري وتدرجه
أن في درس منشأ الحروف المسمارية الخط فائدة عظيمة لعشاق التاريخ ومحبي الآثار إذ أن أقدم صور الحروف المسمارية كانت مصورة ونشأ استعمالها بين الشمريين وبأزمنة طويلة قبل أن يعم انتشارها عند الساميين ولعل ذلك كان قبل حلول الشمريين بين النهرين لأن المنقبين لم يعثروا على كتابة من هذا القبيل وذلك مما يؤيد الفكرة القائلة بأن الشمريين كانوا قد استعملوا تلك الكتابة القديمة قبل احتلالهم ربوع العراق أي قبل تدرجهم في سلم الحضارة حينما كانوا قبائل رحلا يتنقلون من مكان إلى آخر ويعتقد جمهور من أرباب التحقيق أن اكتشافات كتابة هؤلاء الأقوام الرمزية تماثل الخط المصري القديم. والمسألة التي تهم الباحث خاصة هي: أللمصريون اقتبسوا كتابتهم المختصة بالتصاوير الرمزية من الشمريين أم هؤلاء اقتبسوها من أولئك بعد تنقيح وتعديل أم أن شعباً آخر أتخذ تلك الصور الرمزية فأنقرض ولم يخلف شيئاً من أثاره سواها وقد صانها الشعب الظافر من الضياع والدثور؟.
فهذه الآراء أراء طائفة من المؤرخين سوف تؤيدها أو تنقضها الاكتشافات الأثرية المقبلة وبعد هذا البيان الوجيز نقول: كان الخط المسماري في أول نشأته
صوراً رمزية أصطلح
عليها أهل ذلك العصر لتفيد معاني خصوصية ثم تدرج شيئاً فشيئاً حتى وصل إلى ما نشاهده اليوم في إتقان حروفه ومن الصور الرمزية المصطلح عليها للتفاهم والتخاطب: النجوم وأصابع اليد والقدم والشمس المشرقة فوق الأفق والسمكة والطير. والكتابة المركبة من هذه الصور وغيرها كانت شائعة الاستعمال عند الشمريين في بابل والصور الأصلية كان رأسها موضوعاً إلى الشمال فقط وأصابع القدم مقلوبة والقصبة مطروحة والسمكة قائمة على ذنبها وأن اختلفت هذه الأوضاع يمكننا أن نميز بينها ونعرف حقيقتها وقد وجد الحفارون أن الصور المرسومة بخطوط مستقيمة ومنحنية كانت محفورة على الحجارة وليست مطبوعة على الأجر ومن هنا نستدل على الشمريين أقبلوا من بلاد جبلية والحجارة فيها ميسور حصولها أكثر من الطين.
أن هذه الصور الرمزية التي تقوم مقام الحروف وجدت منقوشة على الأواني والتماثيل واستخرجت من هيكل أدب القديم وأتخذ الصلصال مادة للكتابة قبل عصر سرجون بزمن قليل ثم طرأ على الحروف تغيير بين فنشأت الخطوط بطبع أداة حادة الطرف على الطين والخط المقوس كان يصعب على الكاتب رسمه بتلك الآلة أي الأداة وطرف الآلة المقابل لليد كان ينطبع في الطين انطباعا عميقاً فكان يحصل من ذلك الضغط علامة اسفينية الشكل وكان من الصعب أن يتكون خط متساوي الغور على طول السطر وعلى هذا المنوال تحولت الخطوط المتوسطة إلى مستقيمة والخطوط المستقيمة أصبحت أسفينية والصور الرمزية فقدت كل خاصيتها الأصلية. وعلى تمادي الأيام إذا الخط المسماري شائعاً مقبولاً عند الخاص والعام وتطورت الكتابة في عصر حمرب (حموربي) وما بعدة فأهمل كثير من العلامات والحروف ومنها الأسافين واضحة الكتابة أبسط مما كانت عليه فكان أسهل على الكاتب أن يرسم خطاً من أن ينقش أسفيناً وفي أواخر أيام الدولة البابلية تحسنت الحروف وأخذت تكتب بصورة جلية جداً.
كانت كتابة الجمل والعبارات تتألف من كلمات مزدوجة التركيب وهذه تفرعت فتدرجت من وضع علامتين أو أكثر معاً الواحدة بجنب الأخرى أو من ضم علامة إلى علامة أخرى لتعبر عن معنى خاص ومن تلك العلامات المتحدة
كلمة مطر فأنها تتألف من علامتين هما سماء وماء وكلمة دمعة ترمز إلى العين والماء وعلامة فم تدل على الطعام ومنها أشتق فعل
أكل وعلامة رقم ثلاثين تشير إلى شهر ومفردها إلى يوم وعلى هذا النحو تركبت ألوف من الكلمات واتخذت في كلام البشر الأولين.
7 -
ثمن المكشوفات
تعد مدونات الأجر التي في الرابية الرابعة من أنفس الآثار المكشفة هناك بيد أنه وجد بينها قليل من الختوم الأسطوانية الخالية من أثر الإتقان ومن تلك الآثار منقار من العاج وقبل أن يغادر النقابون تلك الرابية حفروا في أنقاضها عمق ثلاثة أمتار ونصف متر هناك عثروا على جدران مشيدة بالطين وشقف (قطع من الخزف). وبينما كان معظم الفعلة ينبشون غرفة الخزانة كان الباقون متفرقين في أطراف الرابية وكشفوا جداراً يضم غرفاً صغيرة وفي إحداها طابع صغير أسود من الفخار المجوف هرمي الشكل طوله ثلاثة سنتمترات وقطره سنتيمتران ونصف سنتيمتر تدل كتابته على عصر متأخر ووجد النقابون في موضع آخر أربع قطع من موشور مربع الأطراف من طين وأجرة معلمة بخطوط وفيها بضع أسطر من كتابة مقلوبة كأنها نسخة من كتابة نقشت على خاتم وبين أثاث منزل وجد صحن من الفخار، لونه أسمر ضارب إلى الحمرة قطره أربعة وخمسون سنتيمترا وعمقه ثمانية عشر سنتيمترا ويقسم إلى أربعة أبيات صغيرة (خانات) متقطعة بصورة صليب وكان بينها تماثيل صغيرة ولعب صبيان، منها حية وكلب وخنزير وسلحفاة صغيرة وكلها متخذة من الفخار ومدهونة بدهان أبيض وهي العروض الوحيدة التي كشفت في بسمى مدهونة بذلك الدهان وكانت أرض غرف القصر التي وجدت فيه هذه الآثار مرتفعة عن أرض الصحراء بنحو أثنى عشر متراً.
وعثر المنقبون في بحثهم عن الآثار على قلبين (بئرين قديمتين) في الطرف الغربي من الرابية الرابعة أن نزح ما فيها من النبائث ظهر أن إحداهما مطوي بالأجر المسنم وقد رمم جداره بطاباق مستطيل معلم بثلاثة خطوط محفورة كأنها أخاديد وكانت سعة فوهته من الجانب الواحد إلى الجانب الآخر ستة وسبعين
سنتيمترا ثم أخذ قطرها يتسع شيئاً فشيئاً ثم اتسعت دائرته بسرعة حتى بلغت مترا ونصف متر وكان عمق القليب أثني عشر مترا وثخن جدرانه نحو أربع أجرات وكان سالماً من كل ضرر كأن البناء قد أتمه قبل هنيهة ووجد في قعره نحو مائة قدح للشرب مصنوعة من الفخار ويظهر أنها سقطت اتفاقا ووجد
فيها أيضاً أثنتا عشرة جرة ماء وإناءان صغيران من الحجر وخرزتان من اللازورد مقطوعتان بهيئة الماستين أما القليب الثاني فكان مطوياً بالأجر المربع من عصر أور أنجور ملك أور كان مبنياً بناء متيناً وبديعاً للغاية وسعته سعة القليب الأول.
8 -
فوائد المكشوفات العلمية
وقد استفاد الأثريون من هيئة بناء هذين القليبين ومن شكل أجرهما فوائد جمة ساعدتهم على حل معضلة تاريخ القصر المجاور للخزانة فأن القليب المشيد بالأجر المسنم دلهم على أن عهد القصر يرتقي بناؤه إلى زمن صنع ذلك الأجر بهذا الشكل وهو من أقدم عصور حضارة البابليين وقد بحث المنقبون عن أثار ذلك القصر فلم يفوزوا بطائل لأن رمال الصحراء غطته منذ قرون عديدة حتى غدت كثباناً فوقه فجميع الهمم التي بذلت في كشفه ذهبت أدراج الرياح ومن المنقبين من يذهب إلى أن دولة فاتحة قوضت أركان القصر ودكت أسواره فمحت معالمه والقليب الذي نحن بصدده يدل أيضاً على أن قوماً أتخذ ذلك القصر مسكناً له ورممه بأجر مستطيل مخدد وهيئة طوابع الأجر تشير إلى عصر سرجون الأول وابنه نرم سن لا يبعد أنهما اتخذا من هذه البئر مورداً لخيلهما وقد هجرت على أثر اضمحلال القصر أما البئر الثانية المحكمة البناء فقد شيدها اور انجور وشرب منها هو وخلفاء دولته ومن وأتى بعدهم من سكان الدور القائمة على منحدرات الرابية حتى قوت ربوع المدينة وظعن عنها أصحابها فأخذت البئر تمتلئ من رمال الصحراء حتى جاء من أزالها عنها أي أولئك النقابون الإجلاء وطهرت من الرمال المتراكمة فيها منذ أجيال.
9 -
الخاتمة
هذا ملخص تاريخ الخزانة والقليبين وزمن وجودها مع طرف من أنباء القصر الذي عفت معالمه ودرست أثاره ذيالك القصر الذي لم يوقف له على نبأ يروى غليل المؤرخ المدقق والأثري المحقق فعسى أن تجلى عنه الغوامض في ما يكشف بعد هذا الحين.
رزوق عيسى