الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
القصر الذي بالقلقة
في الجنوبي الغربي من القلعة ببغداد الآن قصر على دجلة فيه عدة حجر وبينها إيوان مستقبل دجلة فيه من الريازة العربية ما يعجب ويفرح ولكن أيدي البلى قد تعاورته فشوهت من صورته ورفتت من ريازته وهدمت من آخره وهو على ذلك دليل على العظمة والفخامة.
وأجرة وسط ليس بصغيرة الحجم ولا كبيرة فهو من طرز الأجر الذي في منارة مدفن الشيخ معروف الكرخي وأصغر من أجر المدرسة المستنصرية وقنطرة حربي، ويشبه طابوق بابا الحلبة (أي الطلسم) على ما حققناه بإنعامنا النظر في صورة ذلك الباب.
أما منارة الشيخ معروف فقد كتب على ظاهر حوضها ما نصه (بنيت هذه المنارة سنة اثنتي عشرة وستمائة) فهي مبنية زمن خلافة الناصر لدين الله العباسي ومثلها في البناء منارة جامع قمرية ومنارة جامع الخفافين اليوم بلصق المدرسة المستنصرية من الجنوب.
والقصر الذي بالقلعة اليوم يسميه العامة وأمثالهم (قصر المأمون) ولا نعرف لهم دليلاً على هذا القول الغريب والحكم المتفسخ فأن للمأمون قصراً في الجانب الغربي من بغداد. ففي ص 27 من تاريخ مناقب بغداد ما عبارته: (وفي الجانب الغربي قصر عيسى وقصر المأمون والتوثة وغير ذلك) وقصراً بالجانب الشرقي لم يحافظ على أسم المأمون فقد ذكر ياقوت الحموي في مادة (تاج) ما عبارته: وكان إلى ذلك الوقت يسمى: القصر الجعفري ثم انتقل إلى المأمون) ثم قال (وبقي الحسن مقيماً في القصر المأموني) فهذا يدل على أن للمأمون قصراً آخر نسب إليه فلنلخص كلام ياقوت على هذا القصر لنعرف أمره والخلاصة هي:
أن جعفر بن يحيى البرمكي بني بالجانب الشرقي قصراً فلم يستحسنه صاحبه
مؤنس بن عمران وراوضه على أن يخص هذا القصر بالمأمون عند حضور حضرة الرشيد ففعل وتحمل الرشيد ما نفق عليه وتركه لجعفر فلم يزل جعفر تتردد إليه أيام فرحه ومتنزهاته إلى أن وقع الرشيد بالبرامكة، ثم أنتقل إلى المأمون ففتح له باباً شرقياً إلى جانب البرية وأجرى فيه نهراً ساقه من نهر المعلي وابتنى مثله قريباً منه منازل برسم خاصته وأصحابه
سميت (المأمونية) وكان قد أسكن فيه الفضل والحسن أبني سهل، وفرغ بسفرهما إلى خراسان مع المأمون ولما ورد الحسن بن سهل بغداد سنة 198هـ (813م) نزل في القصر المذكور وكان يعرف: بالمأموني، فتزوج المأمون بوران وأنزلت بهذا القصر وطلبة الحسن من المأمون فوهبه له وكتبه باسمه وأضاف إليه ما حوله وغلب عليه اسم الحسن فعرف به مدة وكان يقال له: القصر الحسيني، وبعد موت الحسن بقي لابنته المذكورة بوران إلى أيام المعتمد علي الله العباسي فاستنزلها عنه بعوض وأخذت هي في إصلاحه وتجديده ورمة وأعادت ما دثر منه، ثم توفي المعتمد على الله بالقصر الحسني سنة 279هـ (802م) ثم استولى عليه المعتضد بالله فاستضاف إلى القصر الحسني ما جاوره فوسعه وكبره وأدار عليه سوراً وأتخذ حوله منازل كثيرة ودوراً وابتدأً ببناء قصر التاج وجمع الرجال لحفر الأسس فاتفق له أنه خرج إلى أمد فلما عاد رأى الدخان يرتفع إلى الدار فكرهة وابتنى على نحو ميلين منه الموضوع المعروف بالثريا ووصل بناء الثريا بالقصر الحسني وابتنى تحت القصر أزاجا من القصر إلى الثريا تمشي جواريه فيها وحرمه وسراريه وما زال باقياً إلى الغرق الأول الذي صار ببغداد فعفا أثره. ثم مات المعتضد بالله في سنة 289هـ (901م) وتولى أبنه المكتفي بالله فأتم عمارة التاج الذي كان المعتضد وضع أساسه ومذلة مسناه طاعنة إلى وسط دجلة. وكانت صفة التاجر
مبنية على خمسة عقود كل عقد على عشر أساطين خمس أذرع ووقعت في أيام المقتفي سنة 549 (1154م) صاعقة فتأججت فيها وفي دارها وقبة الحمار وبقيت النار تعمل فيه تسعة أيام ثم أطفأت وقد صيرته كالفحمة وكانت - أي الصفة - أية عظيمة فأعاد المقتفي بناء قبة الحمار على الصورة الأولى ولكن بالجص والأجر دون الأساطين الرخام وأهمل إتمامه المقتفي حتى مات وبقي على ذلك إلى سنة 574 (1178م) فتقدم المستضيئ بنقضه وإبراز المسناة التي بين يديه - لعلها مسناة صفة التاج - إلى أن تحاذي به مسناة التاج، فشق أساسها ووضع البناء فيه على خط مستقيم من مسناة التاج واستعملت أنقاض التاج مع ما كان أعد من الآلات لعمل هذه المسناة ووضع موضع الصحن الذي يجلس فيه العباسيون للمبايعة ويسمى إذ ذاك: الثلج وهو دار مشهورة جليلة المقدار واسعة الأقطار من دور الخلافة زمن ياقوت الحموي وفي موضع دار الخلافة كان القصر الجعفري أي القصر المأموني أي القصر الحسني.
موضع القصر الحسني والتاج
وضع العلامة لسترنج رمزاً القصر الحسني في جنوب المستنصرية مما يلي جامع الخاصكي غرباً على دجلة قرب ما يسمى اليوم (المحكمة الشرعية) وهذا على حسب خريطة ص 263 من تاريخه. ووضع شرق القصر الحسني رمز جامع الخلفاء أي جامع سوق الغزل اليوم ووضع تحت القصر الحسني (قصر التاج) قرب جسر مود اليوم من الشمال وجامع الخلفاء لم يسم عندنا بجامع القصر إلا إضافة إلى أحد هذين القصرين فباني التاج وباني جامع الخلفاء هو المكتفي العباسي كما ذكر أبن الطقطقي في الفخري، ولكون القصر الحسني أندمج في دار الخلافة ولكون دار الخلافة تحت الجسر العباسي القريب من شمالي المستنصرية ولأن باب الغربة جنوب طريق الجسر المذكور كما ذكر العلامة لسترنج في الخريطة المذكورة ولكون المدرسة المستنصرية فيما يلي شمالي دار الخلافة كما نقل البحاثة يعقوب نعوم سركيس عن تاج أبي الفداء (170: 3) في لغة العرب (453: 5) يظهر لنا:
1 -
أن دار الخلافة لا تتجاوز شارع الجسر القديم اليوم.
2 -
وأن قصر المأمون الشرقي جنوب المستنصرية لا شمالها وبين القلعة اليوم والمستنصرية قراب ميل واحد.
3 -
وأن باب الغربة ليس بشريعة المصبغة نفسها اليوم بل بشرقها قليلاً خلافاً لما حققه الأستاذ يعقوب نعوم سركيس.
4 -
وأن قول العامة وأمثالهم بأن قصر القلعة اليوم هو قصر المأمون الذي لم يبق في الدنيا إلا أسمه ضرب من الجهل أو الظن أو التغليب كما غلبوا لفظ (العادي) على كل شيء قديم.
قصر القلعة: قصر الناصر لدين الله
وبعد علمك بإتقان بناية هذا القصر وصفة أجره وقدمه كما قدمنا في صدر مقالنا وأن عصر الناصر لدين الله أطول عصور الخلفاء العباسيين وأنه من اكثر متأخريهم عمارة وسعادة وسياسة وأن أعلى بغداد في زمنه لا يتجاوز السور الشمالي وأن السور المذكور لا يتجاوز
سور القلعة الشمالي اليوم لوجود إطلالة ننقل لك ما قاله ابن جبير في قصر الناصر لدين الله الشمالي ونقلناه في لغة العرب (6: 488) ونصه - والضمير عائد إلى الناصر لدين الله -:
(وقد انحدر عنها صاعداً في الزورق إلى قصره بأعلى الجانب الشرقي على الشط) فقصر القلعة اليوم بأعلى الجانب الشرقي أيضاً وعلى دجلة فهو قصر الناصر لدين الله اعتماداً على الأدلة المذكورة، وأن أقوى شاهد على أن شمالي القلعة اليوم كان شمالي بغداد إذ ذاك هو أن الناصر لدين الله خرب سنة 587هـ (1191م) محلة (المخرم) التي كانت بين الرصافة ونهر المعلي فكان شمال القلعة خراباً في ذلك الزمان على ما ذكره المؤرخون فهل من مفند لقول من أقوالنا حباً للتاريخ؟.
مصطفى أجواد
(لغة العرب) من يطالع هذه المقالة يجد أن هذه الأدلة العقلية والنقلية (التاريخية) يصعب نقضها إلا أنه إذا ثبت لمحقق آخر أن البناء الذي شاده الناصر خربه من جاء بعده وأقام على موطنه عمارة أخرى فالحق يكون بجانبه وتضعف هذه البراهين.
فهل بين القراء العراقيين من يرشدنا إلى ذلك وله منا الشكر سلفاً.