المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌اللغة العامية العراقية - مجلة لغة العرب العراقية - جـ ٨

[أنستاس الكرملي]

فهرس الكتاب

- ‌العدد 76

- ‌سنتنا الثامنة

- ‌يا للمصيبة

- ‌الآمال الهاوية

- ‌الدواخل والكواسع في العربية

- ‌اليأمور

- ‌رسالة في النابتة

- ‌مندلي

- ‌لواء الكوت

- ‌فوائد لغوية

- ‌باب المكاتبة والمذاكرة

- ‌أسئلة وأجوبة

- ‌باب المشارفة والانتقاد

- ‌تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره

- ‌العدد 77

- ‌خزائن بسمى القديمة

- ‌أعلام قصيدة أخت الوليد بن طريف

- ‌العربية مفتاح اللغات

- ‌القفص والغرشمارية والكاولية

- ‌اللغة العامية العراقية

- ‌الحروف العربية الراسية

- ‌صفحة من تاريخ أسر بغداد

- ‌تاريخ اليهود

- ‌فوائد لغوية

- ‌باب المكاتبة والمذاكرة

- ‌أسئلة وأجوبة

- ‌باب المشارفة والانتقاد

- ‌تاريخ وقائع الشهرة في العراق وما جاوره

- ‌العدد 78

- ‌رسالتان تاريخيتان

- ‌من هو القرصوني

- ‌لواء العمارة

- ‌اليحمور واليامور

- ‌بيت عراقي قديم

- ‌العربية مفتاح اللغات

- ‌اللغة العامية العراقية

- ‌فوائد لغوية

- ‌باب المكاتبة والمذاكرة

- ‌أسئلة وأجوبة

- ‌باب المشارفة والانتقاد

- ‌نظم شمس الدين عبد الله محمد بن جابر الأندلسي

- ‌عني بنشرها صديقنا المذكور

- ‌تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره

- ‌العدد 79

- ‌الفتوة والفتيان قديما

- ‌لواء البصرة

- ‌محمود العنتابي الأمشاطي

- ‌القريض في فن التمثيل

- ‌صفحة من تاريخ أسر بغداد

- ‌الدولة القاجارية وانقراضها

- ‌دار شيعان

- ‌فوائد لغوية

- ‌باب المكاتبة والمذاكرة

- ‌أسئلة وأجوبة

- ‌باب المشارفة والانتقاد

- ‌تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره

- ‌العدد 80

- ‌إلى عكبرى وقنطرة حربي

- ‌القصر الذي بالقلقة

- ‌صفحة من تاريخ أسر بغداد

- ‌مجلة المجمع العلمي العربي وأوهامها

- ‌الأسر المنقرضة

- ‌فوائد لغوية

- ‌باب المكاتبة والمذاكرة

- ‌أسئلة وأجوبة

- ‌باب المشارفة والانتقاد

- ‌تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره

- ‌العدد 81

- ‌الألفاظ اليافثية أو الهندية الأوربية في العربية

- ‌لواء كركوك

- ‌مصطلحات حقوقية

- ‌قبر راحيل

- ‌بيت عراقي قديم

- ‌محلة المأمونية وباب الأزج والمختارة

- ‌أسرة الحاج الميرزا تقي السبزواري

- ‌فوائد لغوية

- ‌باب المكاتبة والمذاكرة

- ‌أسئلة وأجوبة

- ‌باب المشارفة والانتقاد

- ‌111 - كتاب التيجان في ملوك حمير

- ‌عن وهب بن منبه رواية أبن هشام

- ‌طبع بمطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانيين في

- ‌حيدر آباد الدكن

- ‌سنة 1347 في ص496 ص بقطع الثمن الصغير

- ‌تاريخ وقائع الشهرية في العراق وما جاوره

- ‌العدد 82

- ‌أحمد باشا تيمور

- ‌نظرة في المجلة الألمانية ومجاوراتها الساميات

- ‌تحققات تاريخية

- ‌القمامة أو كنيسة القيامة

- ‌البرثنون في كتب العرب

- ‌العمارة والكوت

- ‌بيت عراقي قديم

- ‌ألفاظ يافثية عربية الأصل

- ‌في مجلة المجمع العلمي العربي

- ‌فوائد لغوية

- ‌باب المكاتبة والمذاكرة

- ‌أسئلة وأجوبة

- ‌باب المشارفة والانتقاد

- ‌تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاورها

- ‌العدد 83

- ‌دار المسناة

- ‌رسالة لأبي عثمان

- ‌تحققات تاريخية

- ‌الفلحس

- ‌صفحة من مؤرخي العراق

- ‌القرب في اللغة

- ‌لواء أربل

- ‌اللغة العامية العراقية

- ‌فوائد لغوية

- ‌باب المكاتبة والمذاكرة

- ‌الحكومة العراقية والمخطوطات

- ‌أسئلة وأجوبة

- ‌باب المشارفة والانتقاد

- ‌تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره

- ‌العدد 84

- ‌نقد لسان العرب

- ‌العمارة والكوت

- ‌ترجمات التوراة

- ‌بيت الشاوي

- ‌في مجلة المجمع العلمي العربي

- ‌رسالة إلى أبي عبد الله

- ‌القيالة عند العرب

- ‌فوائد لغوية

- ‌باب المكاتبة والمذاكرة

- ‌أسئلة وأجوبة

- ‌باب المشارفة والانتقاد

- ‌تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره

- ‌العدد 85

- ‌إلى شبيبة العراق

- ‌المائن أو الممخرق

- ‌آلتون كوبري في التاريخ

- ‌لواء السليمانية

- ‌أرض السليمانية في التاريخ القديم

- ‌تذنيب في تخطئة معلمة الإسلام

- ‌نظرة في المقاومات العراقية

- ‌نقد لسان العرب

- ‌الأسناية ومعناها

- ‌قبر العازر

- ‌كوت العمارة

- ‌فوائد لغوية

- ‌باب المكاتبة والمذاكرة

- ‌أسئلة وأجوبة

- ‌باب المشارفة والانتقاد

- ‌تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاروه

الفصل: ‌اللغة العامية العراقية

لكننا لا نريد أن نتعرض لها لكثرتها ولأننا لا نريد أن نجعل مجلتنا آلة تأديب وتهذيب لما يقول وينقل فتكون وقفاً محبوس النفع عليه (ولأن هذه السقطات بينه لعظمها وقبحها وشناعتها ويدركها كل قارئ مهما كان قليل العلم أو الفهم بل غير المتخصصين للمباحث اللغوية. فلا صعوبة إذن ولا فخر كبير في نقدها أو إصلاحها ولهذا عدلنا عن ذكرها) (هذه العبارة الأخيرة تكاد

تكون عبارته وقد وردت في ص 95 من مجلة الكلية).

وفي ما أوردناه سابقاً أمثلة يقاس عليها كل ما يكتبه حضرة الأستاذ الباكوي ولذا لا نلتفت بعد هذا إلى ما تنفثه يراعته المرضوضة، وفي ما كتبناه مجزأة لأن نتبرأ من فكرة الكاتب الأساسية ويعلم الله أنه لو حاول أن يبرهن بالأدلة الجليلة ما يريد أن ينقضه من بحثنا لما جادلناه في ذلك ولوافقنا على علمه وصدقنا أقواله، لكن الرجل قد أتخذ الشعوبية سلاحاً الخ مهما كلفته من الخزي والكبت وفي آخر أمره يظهر لك أنه غير داهية (وهو الذي يعاندك ثم يرجع إلى قولك) وهو يدل على أنه لا يجادل حباً للعلم والنفع العام، بل إظهاراً لما يحاول أن يتبجح به. فأن شاء فيؤمن وأن شاء فليكفر) (هذه العبارات تكاد تكون عبارات الكاتب في ص 96 من الكلية) أهـ.

‌اللغة العامية العراقية

2 -

اسم المفعول

اسم المفعول: هو الاسم المشتق من الفعل للذي وقع عليه الفعل عاقلاً كان أو غير عاقل، ويصاغ:

1 -

من الثلاثي على وزن (مفعول) نحو مكتوب من (كتبه) ومفهوم من (فهمه) فأن كان الفعل الثلاثي أجوف سقطت واو (مفعول) مثل قاله

ص: 199

فهو (مفعول) وباعة فهو (مبيع)، ونقل عن المبرد النحوي أنه قال بصوغه على (مفعول) من كل فعل ثلاثي نحو (مقوول) و (منيول) وقوله يقره العقل في اليائي لخفته وينكره في الواوي لثقله فالمديون والمخيول والمكيول والمغيوث أخف من المقوول والمصوون والمدوون والمعووق.

2 -

ومن غير الثلاثي على وزن (اسم فاعله) مع فتح ما قبل الأخر فيقال (مكرم بفتح الراء من (مكرم) بكسرها و (مكتسب) بفتح السين من (مكتسب) بكسرها و (مستنبط) بفتح الباء من مستنبط) بكسرها أو يصاغ على وزن (مضارعه المبني للمجهول) مع وضع (ميم مضمومة) في موضع حرف المضارعة بعد حذفه مثل (مكرم) من يكرم و (مكتسب) من يكتسب و (مستنبط) من يستنبط.

أما العامة فتصوغه من الفعل الثلاثي على وزن (مفعول) مطرداً سواء أكان أجوف أو غير أجوف نحو (مبيوع ومكتوب) إلا أنها تقلب واو الواوي ياءاً فتقول (مكيول)(بكاف فارسية) للمقول و (مكيود)(بكاف فارسية) للمقود.

ومن الرباعي على وزن (اسم فاعله) مع فتح ما قبل الأجر فتقول (امعلم) من امعلم و (امكسر) من امكسر و (امعارك) من أمعارك، فأن كان الرباعي على وزن (أفعل) كأكرم وآلم وأراد فتعدها العامة كالثلاثي وتقول (مكروم ومالوم ومريود) أما الخماسي والسداسي فلا تكاد تصوغ اسم مفعول.

وتعد الثلاثي اللازم متعدياً فتقول (مدمي) للمدمي و (ممشي) للمشي فيه و (مصوي) للصاوي ولا تشدد الياء في الآخر مثل ياء (المحني والمحمي) عند الفصحاء بل تخففها كما مضى في (المدمي والممشي والمصوي) وتعيد التشديد إلى المؤنث مثل (مصوية) وإلى

المثنى والجمع. وتقلب واو الناقص ياءاً في المضارع واسم المفعول فتقول (مغزي) للمغزو.

ص: 200

تصريفه

يتصرف تصرف اسم الفاعل، إلا أن فتح ما قبل الآخر في المصوغ من غير الثلاثي يظهر في المثنى والجمع وهما سواء عند العامة فتقول:

المفردالجمع الجمع

مجروح - مجروحة مجروحين - مجروحاتمجروحين - مجروحات

امكسر - امكسرة امكسرين - امكسراتامسكرين - امكسرات

أمعارك - امعاركة امعاركين - امعاركاتامعاركين - امعاركات

مصطفى جواد

القريض في فن التمثيل

نظرة تحليلية انتقادية في (مصرع كليوباترا)

في الشرق اليوم نهضة، بل نهضات في الأدب عامة وللشعر مكانه الخاص منها دواماً وذلك شأنه في مختلف أيامه عند العرب. وكل من تذوق لذة الأدب العربي ورشف من منهله الفياض، أعجب بذلك الينبوع ينبوع الحرارة المتواترة التي ما تكاد تبيخها الكوارث هنيهة، حتى تعود فتبهر في فضاء اللانهاية بأشد لمعان وبهر نواظر دراسها بألوان قوس قزحها الفاضحة. وهذا ما نكاد نلمحه الآن بل نتلمس بوادره الزاهرة، ويضرمنا الأمل أن تكون فاتحة جديدة لعهد جديد طريف. ولسنا نعني بهذا أن ما أمامنا يضاهي بفخامته وروعته وأناقته وجماله ما كان عليه فن القريض أيام كان له عند بني أمية وبني العباس صولة ونفوذ، هذا من جهة ذلك الافتنان والغلو والشدو في الأنواع التي تعهدها فيه من إضراب الثناء والمديح والقذع والقذف والتشبيب والغزل والاستبكاء وذكرى الليالي الخوالي، وما إليها. تلك الوجهة التي نقر بكل تواضع وثقة أن لن يضارعهم فيها أحد. فلهم

وحدهم قصب سبقها إذ أن عهدها قد بلي وسلم عليه الدهر. وأن هنالك من مرام لم يسعنا قبلاً وحالاً إلا أن نحاسب عليها

ص: 201

العرب ونستغرب فيهم ما دعاهم إلى نبذها هذا النبذ الشائن حتى خلت منها آدابنا بل فقدنا فيها - وأتجاسر أن أصرح - أكبر سند ومعوان على تقدمنا الأدبي، ورقينا في فن الشعر، بل أصدق مؤيد لهذا الرقي والفلاح، وأكبر ظننا أنها من أهم العوامل على رذل الغربيين لشعرنا ونظمنا فيه. والكثير من الحقائق تؤيده: إذ ليس هذا الفن الراقي مقتصراً على أن يكون آلة أغراض وغايات. ووسيلة استعطاف واسترحام بل ضراعة. إذ لو أسعده الحظ بمنحه هذه المنحة فيه. لارتقي ارتقاء سامياً ولكان على غير ما هو عليه اليوم، إذ من خصائصها الراهنة أن تبتدع فيه عوامل وعواطف وأهواء وأجواء يقظة، تناجز كل المناجزة ما تعرفه فيما لدينا من قديمه وشاهدنا على ذلك الشعر الغربي، الغني بما يحوطه من ميادين واسعة رحبة يجول فيها، مبدعاً متفنناً. وهذه الناحية التي ألمعنا إليها هذا التلميح الطويل ما هي سوى: فن تأليف الملاحم والقصص التمثيلية. ولو تتبعنا نهضتنا فيه وتأثرناها خطوة خطوة لوجدناكم أثر في مضمار الشعر العربي العصري، ولعلمنا حقيقة ما مبلغ نفوذه ووطأته عليه. وأني أقول غير وجل ولا واجف عنفاً ولا لوما، أنه من أهم أسباب انتعاش الشعر ويقظته من غفلته بل العامل الرئيسي في الانتقاض على الطرق القديمة البائرة، وهدم الصروح المتهدمة والميل إلى الابتكار والتفنن. وأنا منذ ما سالمناه ورضينا بصحبته واستكنا إلى قوانينه كانت نهضة مباركة، وخطوة جديدة سعيدة إلى الأمام. ومع أننا لسنا نرى في بوادر نضجها ما يحقق منها اليوم رجاء بعض آمالنا المتواضعة - مع إقرارنا ببعدنا الشاسع عن أمثال كورني وراسين وموليير بل لاروستان الابن وجان كوكتو - فأنا نبصر شعاعا منير من فجر ذلك اليوم المتلألئ ونرى جرثومة ذلك الصرح الفخم العتيد!.

ويجب ألا نغفل قط أن نشوء هذه الرغبة صدر من موطن الخيال ومهبط الوحي، أعني سورية ولبنان، فالآداب العربية أنعم عليها بنهضتها الحاضرة أبناء تلك البلاد فالمقتضي تطوراتها يتعرف في الحال أنه لم يتأت لها نهضة ما في جميع أطوار حياتها، منذ استيلاء عمر على القديس إلى يومنا ذا. إلا كان للشام

ص: 202

قسط عظيم بل شرارتها الأولى المنبعثة ما تتوقد به سورية من آمال وعواطف وأحاسيس عنيفة ملتهبة فأبناؤها كانوا الأوائل على

المدى حملة ألوية الشعر العربي ومعيار النبوغ فيه وبلاغته وسموه. وما أنوار هذه النهضة الباهرة إلا أثر من أثارهم الجليلة،؟ ونبعة من ابتكاراتهم. فهم أول من ابتعث فيه الحياة - وقد كاد يضمحل - في مختلف ألوانه وجاحد قولنا كر شروق النائرة صباح كل يوم. وقد شهد بضلعهم في العربية، الأوربيون جمعاء من بحثه وكتبه - ولا نقول علماء الاستشراق منهم - ممن نثروا شيئاً عن المشرق. كالكاتب الفحل لويس برتران مثلاً. إذ نعتهم في كتابه العظيم (سراب الشرق) بأنهم (ورثة الشعر العربي القديم) وقس على ذلك الكثير من الرواد الكتبة.

وكان القرن الخالي وفجر الحالي، ميداناً لتجلي هذه الموهبة إذ ظهرت الروايات التمثيلية العربية لأول مرة في سورية. وكان ابتداؤها بعناية المرحوم مارون نقاش اللبناني. ولكن نشوء التمثيل الجدي المفيد حين ظهر الحداد والجميل والمطران وسواهم وعكفوا على التأليف فكانت عطيل وتاجر البندقية والسيد وروميو وجوليت والسموأل الخ. وانكشف الميدان عن أفراس رهان.

أسعدت ديار سورية أن تختلج فيها هذه البادرة في القرن المحتضر، غير أنها ما عتمت أن انتقلت في عجزه إلى أرض النيل والهرم. أثر هجرة أحرار السوريين وتركهم وطنا تعساً عزيزاً، خيم عليه ديجور الظلم ورعته ذئاب النميمة الناهشة فنزحت مع أفئدتهم النابضة حياة وفتوة، وجنانهم النابع جرأة وابتكاراً نبعة الفن الجديد وروحة الحساس ثم ما لبثت أن عمت هذه الرغبة طائفة لا بأس بها من الكتاب السوريين والمصريين. فأتحفونا بشيء يتراوح بين الابتذال والإجادة وأنشئت الفرق التمثيلية وظهر في إشعاعها في القطر المصري المرحوم سلامة حجازي، أبي التمثيل العربي الغنائي. فراجت سوق الروايات ولما كان لا بد للنور من اسداف وإعتام. سنة الكون والوجود ظهر بينها ويا أسفاً! عدد ليس باليسير يدرن الأخلاق ويجرحن النفوس! ولمن تلبث أن امتلأت ديار مصر بهذه الحركة المباركة بل القدرة السعيدة نحو رفد الآداب العربية وتدعيمها بهذه الأسس التي كانت للإغريق والرومان، من أخلب وأحب

ص: 203

الفنون الفتانة.

هدانا إلى هذه التوطئة ما خالجنا من عواطف عنيفة أثر وقوع نسخة إلينا من الرواية التمثيلية التي شاءت مخيلة (أمير الشعراء!) أحمد شوقي بك، أن تتحف بها العربية، والتي

دلت دلالة ظاهرة أن مبدعها، يهمه رقي الآداب عن نهج فنون، هي منها بمثابة الجوهر من العرض وعلمنا حقاً أننا عكفنا جداً على التوغل في تذليل الصعاب، وإقامة رواسخ البنيان على أجود الأصول، في حين أيقنا أن إبداع شاعرنا في جوانبها وغمراتها كفيل له بنيل الغفران، وأعذاره عن تباطؤه وجموده في صددها إلى حيننا هذا.

قرأناها، فخلتنا حتى أوهمتنا أو كادت. أننا نمر قصة من روائع القصص التمثيلية الغربية. ولولا تلك الروح الشرقية - التي لا مرد لسؤددها وتعنتها - تعبث بسطرها، لجزمنا بذلك: وقد كشف لنا هذه القصة عن نفسية شوقي الحقيقية وشاعريته المستترة. نقول مستترة لأن شاعرنا (أبو (أمير الشعراء) على رواية أدبائنا!) لم تظهر شاعريته من قبل، حيث يلذ له كثيراً الاستدراء وراء حواجز واقامات لا تناسبه. فيرسل قصائد مزججة بإضراب الألفاظ الوقعية، فتعكس رسمه وتشوه صورته. وأننا نجهر أن نبين ما أظهره حتى الآن من أشعار طائفة عظيمة لا نميل لقراءتها، إذ نحملها على التصنع والتجمل فماله في شعره من مزالق ومعاثر، هي ذلك التقليد الشائن الذي يحاول إجادة سبكة جهده وأن نجد وهو يقول بالتجديد، يتشبث بمذهب القدماء. في رن الألفاظ وزقزقة العبارات، دون كبير التفات إلى تسلسل المعاني، فالتكلف أظلم بلاغته وضرب عليها أستارا حالكة كئيبة. فاضطربت مبانيه وارتجت مشيداته الرملية بفعل المد والجزر النقدي.

قد يحمل بعض عشاق منظوم شوقي إشارتنا البريئة هذه على غير مبناها - إذ هي طبعاً عرضتة للمظان - فيغررون أننا نتعنت لغاية في النفس. ومن إدراك أنهم لا يدعون أننا من الجمود والركود أيضاً، نؤثر الأساليب العتيقة ونشذب التجديد في التلميح والتشبيه والاستعارات؟ في حين أننا لا نذخر وسعاً في

ص: 204

أن ننهض بالتبعة الطريقة من التداخيل في اللغة. ولا نألو - والله يعلم - جهداً ولا نذخر مضاء في الثورة على القديم، وبعثة إلى اسفل سافلين: إذا كان هنالك فائدة تنتج أيضاً بغلونا أحياناً في الدعوة للتجديد!.

ولست اخالني افجأك بإدلائي أن لشوقي مزلق الصبوة إلى المعارضات، وأشباهها، التي هي من شأن طلاب المدارس أكثر مما هي من منازع الشعراء الفطاحل. إذ هي الرجعية بذاتها، الرجعية بما فيها من مثالب ومساقط. ومادة الشعر العصري يجب تشييدها من باعثات الإحساس النفسي وما تنشئه الذكريات من شجون ويدفعه الوجدان من مثيرات، لا

ما يستوحي من قريحة أخرى ويستعار بن تأوهات، إذ يغدو ما يضمه الشعر عند ذاك ليس سوى عواطف مرئية. منافقة خداعة تستلب حلل غيرها، لتسمو بها وتخدع مبصريها بألوانها القزحية ولا أظنك تجهل يا قارئي العزيز، معارضات شوقي لقصيدة الحصري ولسينية البحتري في التشوق إلى مصر، ولبردة البوصيري في (نهج البردة) وغيرها. وخذ هذا مثالاً ناصعاً:

يا بنت ذي اللبد المحمي جانبه

ألقاك في الغاب أم ألقاك في الاطم؟

فالشطر الأول يوهمك أنه مأخوذ من شطر مطالع قصيدة أبن هانئ الشهيرة:

يا بنت ذي البرد الطويل نجادة. . .

وما أشبه الشطر الثاني بعجز هذا البيت من قصيدة أبن هانئ أيضاً:

. . . وفي وادي الكرى أم واديك؟

وهنا يا صاح وقفة أخرى لا تقل غرابة، وأغراباً في التقليد عن سابقتها، إذ تكاد تحدثك تلاوة هذه الأبيات، من صدر قصيدة له:

قفي يا أخت يوشع خبرينا!

أحاديث القرون الغابرينا

وقصي من مصارعهم علينا

ومن أخبارهم ما تعلمينا

فمثلك من روى الأخبار طراً

ومن نسب القبائل اجمعينا

ويا لك هرة أكلت بنيها

وما ولدوا وتنظر البنينا

فتهيج أشجانك وقد تمر على ذهنك سحابة الذكرى، فتخالك تستعرض عقلك عما علق بذاكرتك من قصيدة عمرو بن كلثوم: والتي توهمك بتشابه مطلعها:

ص: 205

قفي قبل التفرق يا ظعينا!

نحدثك اليقين وتخبرينا

قفي نسألك هل أحدثت صرما

لوشك البين أو خنت اليمينا

أفلا تشعر بالريح الهوجاء العاصف، تهب بك من منحاها بدوية جاهلية، أو بدوية مخضرمة إذا شئت وهو يسأل نسب القبائل ووحشية السنانير؟ أفلا تهاجم منافسك روائح الصحراء الوحشية الكريهة وتستوسطك مواقحة؟ أما والله لأبصرنك تخاتلها وتحاول استدبارها من كل جانب، كي تجد لك مخرجاً لطيفاً أو كي ترى بين أوارها وجدانا واضطراما عصرياً فإذا مخالجها ومباعثها كألفاظها وترسلها جفاوة وقساوة وخشونة. وأنك إذا ما صابرتها

اشتدت في أثرك فأرهقتك واغتالتك!.

ولكم تجده في غير هذه يحاول أن يقتفي أثر الجاهلية أو الخضرمة في ذكري البان والعلم والوقوف على الطلول. وبكاء العهود الخالية ونحوها من مواقف الشعر البائدة، كقوله مثلاً:

ريم على القاع بين البان والعلم

أحل سفك دمي في الأشهر الحرم

رمن القضاء بعيني جؤذر أسداً!

يا ساكن القاع أدرك ساكن الأجم!

ولعمرك ما شر الوجود غير تغلب عواطف بربرية على اختلاجات خفيفة مدنية واستبطانها مشاعر عصرية يافعة أشاختها بيبوستها وعجفها! عبثاً يحاول وباطلاً يطلب، فأن رجلا رقيقاً متمدناً، لن يتمكن قط من الشعور أو التوسل إلى عرض حاسياته، على استار شعر هجين الوطأة حوشي المنطق ولن يرسم شعره جفاوة الصحراء إنما تكتنزه من رائحة الجمال والنياق والبعر والوبر كما يرسلها أعرابي جلف خشن إبرته رمضاء البادية وابلته رمالها، ومحال أن تتآخى المتناقضان: المدنية والتوحش. ويمل القارئ العصري المجد، أن يمر على تلك الهياكل المنشأة من مقالع عفت حجارتها الطيبة، أو أن يحول بين أجداث قصائد بادية التعفن والنتن. وإذا أردت فلا ضربن لك مثلاً أيضاً من نثره، كي لا تنالني بقارصة ولا بتهمة باطلة. فالمس السجع لم تطلق قيوده وخيمت عليه إطناب العرب فأنزله بعليائه إلى موطأة وليس للسجع العصري من لذة ومحاسن سوى إحراج المتوسل لقارئه والتفوق على مخارجه!! وهاكها مجلوة من بقية (الوطن).

ص: 206

(الوطن موضع الميلاد، ومجمع أوطار الفؤاد ومضجع الأباء والأجداد الدنيا الصغرى وعتبة الدار الأخرى الموروث الوارث الزائل عن حارث إلى حارث مؤسس لبان وغارس لجان وحي من فان دواليك حتى يكسف القمران وتسكن هذه الأرض من دوران. . .).

فيالله! أابن ساعده جديد؟ وماذا من هذه الثرثرة المملة؟ أو ما يكفيك الآن ما أرسلناه لك من أمثلة وبراهين أم لا تزال تطالبنا بمزيد غير قانع بتأييدنا أو غير راضخ لإحكامنا رضيخة تسليم أو تظننا على غير إمكان بإعداد لك سفرة مكتظة الدوافع الثابتة أجل ففي يدنا ما تشاء وأني أعيذها منك نظرات صادقة أن تخفق في تفنيدها وتنقيبها، بعد لجك وحك. . . آه!. لو أردت تعداد جميع محاكاته ومماحكاته ومعارضاته وإضرابها لهذه الأساليب والمرافق البدوية البائدة لا مللتك، وأحرجتك من لجاجك بل أقسمت وجدتك صائحا بي، أن

هل مرادي من هذا المبحث المنحي المسئم الكئيب أو ليس سواها مسهدي!. نعم هنالك جم منها. فما لنا ولها: وكفانا جزؤها المبسوط. فقد أطلنا الشرح يا صاح، فحسبنا أذن من روائح نكرة ما لدينا وحسبنا من شعرائنا هذا الاستخفاف بعواطفنا المنتفضة عياء وتعباً وإلا فما ذنبنا إليهم إذا نبذناهم نبذ النواة واحتقرناهم كأحقر العبيد، عبيد العادات المنقرضة!.

لقد أطلنا الترسل في بسط قضايانا، فهلم نتفحص هذه الرواية التمثيلية. فشوقي أحب أن يخلد في العربية ذكرى ملكة كانت لها على مصر صولة وسؤدد زمناً ليس باليسير. فحبك إطراف قصة، وتنميقها جهده مغدقاً عليها من حلل الشعراء أكثرها فضفصة واسماها زهواً. وأنه والحق يقال أجاد غاية الإجادة في جمعها (دون تعرض (للنظرات التحليلية) ولنا إليها عودة) وتنسيقها هذا التنسيق البديع ولست اغتابه فأقول أني لم أقرأ لشوقي هذا شعراً أشد نطقاً بشاعريته وأمتن إفصاحا عما يكنه فؤاده من المشاعر الحية الراقية كهذه الفاجعة الشعرية البليغة. وأنت أن تقلبها يأخذك هذا التفنن البادي عليها ويعجبك تأنقه البالغ فيها - وأن تكن غير خالية من مزالق سيأتي الكلام على شيء منها -

ص: 207

ولا يسعني إلا أن أقدم لك مثالاً ناطقاً في مناجاة أنطوان لروما وقد احتاط به اليأس فجبن وهمدت همته الحربية وخانته تلك الحميا التي كانت له وهو يخطب جماهير الرومانيين أمام جدث يوليوس قيصر. وقف ينظر إلى (أمه روما) وهو على قصوة منها فيتحسر على ملك ضاع وعز زال ومجد باد. ويعجبك هذا التعانق في العواطف النافضة المتباينة وتستهديك تلك الاستصراخات الحوار تكلها وتزينها ولا غرو أن انطوان في ساعة يأسه الحقيقية تتنازعه أمثال هذه العوامل اليائسة. وإلا ما لجأ إلى حكم الموت الفاصل. وأن الباحث النفساني في وقائع الانتحار يكشف كثيراً من نزعات مضطربة تجانسها في نبضاتها الهاتفة. فالمنتحر وهو يقدم على فعلته النكراء ترعاه سكرات متباينة يضع في تيارها ولجتها تعكس عليه النور ظلاماً ديجوراً قد لا يجد له منفذاً سوى شبابه وإلا ما انتحر:

روما حنانك واغفري لفتاك

أواه منك! وآه ما اقساك!

روما سلام من طريد شارد

في الأرض وطن نفسه لهلاك!

اليوم يلقي الموت لم يهتف به

ناع ولا ضجت عليه بواكي

أن الذي أعطاك سلطان الثري

لم تنعمي لرفاته بثراك

أن الذي بالأمس زنت جبينه

بالغار، عقك جهده وعصاك

الأمهات قلوبهن رقيقة

ما بال قلبك لم يلن لفتاك؟

أعرضت غضبي في الحياة فرحمة!

لا تحرمني في الممات رضاك!

أن كان موتي كل ما تبغينه

فهناك! هأنذا أموت هناك!

البقية للتالي

بركات (السودان): ميشيل سليم كميد

ص: 208