الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
صفحة من تاريخ أسر بغداد
بيت عراقي قديم
آل نظمي
ما كنا نتوقع أن تضع أخبار هذا المحيط الذي شغل إدارة العالم مدة بحيث لا نعرف من منشأ أسرة وما لحق بيوتاته من عز وضعة أو سعادة وشقا. - ولو قليلا - ويقنع بعضهم بصفحات عنهم كأمثال الصور المتحركة لنطلع عليها فنتعلل بهذه البقية أو نستضيء بهذه الشرارة. . .
انتبهنا فلم نجد ما يسد هذا الفراغ إلا قليلاً وحينئذ اضطررنا إلى تتبع الأخبار والتوصل إلى معرفة الحوادث عن اولائك الرجال ولو بشعلة ضئيلة. وقد مضني ما عليه من بلغ الجهد.
البيوتات البغدادية كثيرة في العلم والأدب والتاريخ والإدارة والتجارة والنقابة والمشيخة والزهد والتقوى قديماً وحديثاً وبقي من هذه ما بقي على رغم من المصائب الحائقة بهذا القطر من أوبئة وغرق ووقائع وبيلة ومؤلمة من حروب وسياسة. . . وهكذا إلى غيرها.
قد عدد السياهبوشي سنة 1239 جملة وافرة من الأسر المعروفة إلى الآن في قصيدة طويلة هجا بها أغلب هذه البيوتات، وتحامل عليها مما كان له اتصال بها، أو لم يخش بطشها ومكانتها. . . ولا يقال أنه حصرها أو استوعب الكلام عليها، فبين البيوتات المعروفة إذ ذاك، وله الفضل دون التفات إلى تحامله.
عرفت أسرا قديمة في العراق غير ما ذكره السياهبوشي خصوصاً في بغداد. وفي هذه العجالة أقدم لقراء (لغة العرب) الغراء بحثاً عن بيت عرف بالآداب والتاريخ من مدة أربعة عصور وعرف بهذا المحيط خير تعريف وتقلب في العلوم والسياسة والفتوى والنيابة إلى سنة 1271 من الهجرة واتصل بمصاهرة أكبر الأسر البغدادية المعروفة وأقدمها وأشرفها. أعني بها (آل المفتي).
هذه الأسرة عرفت بالتاريخ والأدب ثم بالعلوم الشرعية والفتوى فتمسكت بهذا اللقب الأخير
وأن كانت تسمى في الأول بآل شمسي البغدادية ثم آل نظمي البغدادية وبعدها بآل مرتضى وبعد ذلك كله بآل المفتي. واليوم تدعى بآل (محمد سليم جلبي) وهو آخر من اشتهر من هذه الأسرة. وهو والد صديقنا الفاضل طاهر جلبي أبن محمد سليم جلبي.
هذه الأسرة لم تخلق جدتها الأيام فلا يزال أبناؤها نافعي المجتمع، واليوم منها شخصيتان صاحبتا مكانة مهمة وهما: طاهر جلبي سليم، وعبد الله بك أبن عبد الله جلبي (ابن أخي طاهر جلبي).
فالأول أديب فاضل، مقل من نظم الشعر، ولكن روحه تنزع إليه وتميل. يحفظ منتخبة أحسنه وهو في إتقان المقام (الموسيقي) وأنواعه معروف وله أفضال عظيمة على غالب الأهليين فيكاد لا يرد له قول خصوصاً أثناء وقت الجندية وسحب القرعة وفي عضوية البلدية والتقديرات والإعانات. فلم يرهق الأهليين ما لا يطيقون، رؤوف بهم، ومحسن كل الإحسان إليهم، لا ينكر فضله ولا يهمل شأنه.
وأبن أخيه من الفضل بمكانة راقية، أتم دراسته في أميركة وأختص بفرع من فروع الزراعة فهو اختصاصي من نحو جديد، هو أبن خطته هذه. وقد أثر فيه دم آبائه وأجداده فمال إلى حب العلم والإطلاع. ركن إلى هذا النوع من العلوم فبرع فيه، والأمل فيه أن ينبغ كما نبغ أسلافه فيما اشتهروا به.
أرجع إلى أصل هذه الأسرة فأقول: أول ما عرفت - نظراً إلى ما وصل إلينا من سفر ألفه أحد أفرادها. وهو عهدي البغدادي ابن شمسي البغدادي وهذا الكتاب عرف أباه وأقاربه ومكانة أسلافه وأزال الغشاوة عن ظنون كانت تحوم حول تحقيق أمر هو أمر أكبر مؤرخ عراقي أي (مرتضى أفندي آل نظمي المعروف عند الترك بنظمي زاده) فأن هذا الكتاب أزال الإبهام عن مرتضى أفندي بتعريف نظمي أفندي واتصاله بهذا المؤلف فصحح أقوال كليمان هوار الفرنسي وأقوال الصديق الفاضل يعقوب أفندي نعوم سركيس وغيرهما.
وإليك أيها القارئ وصف هذا الكتاب:
كلشن شعرا
نسخة خطية عدد صفحاتها 297 مجدولة بمداد أحمر وفي كل صفحة منها 15 سطراً، وعناوين تراجمها بحبر أحمر أيضاً. طول الصفحة 17. 5 سنتيمترا في عرض 13. 5
على ورق خميس. وصفة كاتب جلبي في كشف الظنون بما نصه:
(تذكرة الشعراء تركي لأحمد بن شمسي المعروف بالعهدي البغدادي كتب المعاصرين من علماء الروم منذ قدم سنة 960 إلى خروجه سنة 71 ورتب على ثلاث روضات وسماه كلشن شعرا فصار أسمه تاريخاً لتأليفه) أه. وأقول أن روضاته أربع لا ثلاث كما ذكر، وأوله:(شكر وسباسي أول خالق منزهة كه الخ) والنسخة الموجودة بيدي مذكور في صدرها: (تذكرة الشعراء لملا عهدي بن شمسي البغدادي). وفي مقدمتها أنه صوفي ملازم لطريقة السالكين. سافر إلى بلاد الروم سنة 96 واتصل في طريقه بمختلف الطبقات من الناس واستطلع ما عندهم من علم وأدب وفضل. عاشر أنواع الناس من أرباب المشارب المتنوعة فلم يترك شيخاً إلا تحرى ما لديه، ولا شاباً إلا سبر نيانه ولا أرباب المناصب إلا أخذ من معارفهم، ولا أهل تصوف إلا اقتبس منهم فحصل من المعرفة صنوفاً ومن العلوم أنواعاً فوقف على ما عند أهل الدنيا وما في خزائن أهل الزهد والتقوى من رجال الآخرة.
ولما وصل إلى الآستانة رأى فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت ثم بين أنه لم يتمكن من تدوين كل ما رأى ولا عشرة بل لا واحداً من ألف مما رأى من فضل وأدب جم ومعرفة غزيرة. . . فكانت هذه - كما قال - عجالة سريعة ونزرا قليلاً ينبئ عن معين لا ينضب.
اكتسب ما أكتسبه من مجالسة الشعراء المجيدين والأمراء الكرام ومن معاشرة العلماء الأبرار ومصاحبة أهل الفصاحة والبلاغة من عنادل البيان ومن الإطلاع على أغاريدهم اللطيفة. كل ذلك بطريق المحادثة أو المطارحات الشعرية
أو المذكرات العلمية.
وفي كل هذه كان طالباً متتبعاً. لازم القوم حتى أتقن لغتهم وتمكن من أن يحذو حذرهم حتى صار كأحدهم بل صار فريداً في الشعر.
وفي سنة 971هـ دعاه داعي الوطن الذي حبه من الأيمان فقال في التشوق إلى بغداد:
دل أز طور بتان روم جون عهدي بريشانست هواي دين بغداد وخوبان عجم دارد
يقول أنه مغرم بالروم إلا أن هوى بغداد والتشوق إليها وإلى الجمال الفارسي ملك زمام لبه فمال به إليه إلى أن قال: أنني عزمت على العودة فدونت ما خطر لي من خواطر وما لي عن السلاطين العظام والعلماء الفخام وأرباب الدولة والشعراء الأخبار مما جرى في مجالسهم وما عرفته عنهم وما اقتبسته من صحبتهم فجعلته في أربع روضات اكتبها حسب
الطاقة وأجمعها من أوراق متفرقة وبعد أن أتممتها سميتها (تذكرة أرباب الصفا) أو ما يقال له ب (كلشن شعرا) ومعناها (روضة الشعراء).
جعل الروضة الأولى في بيان صفات السلطان العادل وأبنائه ذوي الخصائل الجميلة والروضة الثانية في علماء زمانه العظام والموالي الكرام والمدرسين النبلاء والروضة الثالثة في الأمراء والدفتريين ومنتخبات أشعارهم والروضة الرابعة في مشاهير الشعراء. مرتين على ترتيب حروف الهجاء مع ذكر نتف من أشعارهم. .
وفي هذه الروضات أورد مقدار وافراً من شعره سواء في المناجاة أم في نعت الرسول (ص) أم ذكر السلطان سليمان وأولاده من سليم وغيره. ثم أنه قدم كتابه إلى السلطان فقال:
جمع أيدوب أرباب نظمي أيتدم أول سلطانه عرض عادت أو لمشدر صونر بنده شه دورانه عرض
خاكسا يندن بتر مقصودي أرباب دلك
نوله صونسه خالبايه عهدي فرزانه عرض
ثم مضى إلى ذكر محامد السلطان ومناقب أولاده وهكذا راعى ترتيب روضاته أن المؤلف لم يكتف بذكر رجال الروم وعلمائها بل تعرض أيضاً للبغداديين الذين توطنوا تلك الأنحاء وسكنوا الأستانة أو ما جاورها ممن نبغ في أدب أو علم وزيادة على ذلك ذكر ترجمة والده شمسي البغدادي وبعض من لهم به لحمة نسب وترجم بغداديين كثيرين ممن لا يزالون في خفاء عنا أو لا نعلم شيئاً كثيراً عنهم.
وسيأتي الكلام على بعض التراجم ممن لهم علاقة بالمؤلف استقصاء الأحوال هذه الأسرة بقدر الإمكان وقد ذكر ترجمة نظمي أفندي بصورة مفصلة ليس أوسع منها في كتاب فيذكر ولادته ووفاته وما قيل فيه الخ.
وفي هذا الكتاب مغمز واحد هو أنه ترجم نظمي أفندي في حين أنه ولد في السنة التي توفي فيها عهدي والظاهر أن المترجم له هو مرتضى أفندي أو أخوه فأنه ترجم أباه وأضاف ترجمته إلى التراجم المذكورة في الكتاب أما بصورة حاشية وأما بصورة تعليق ثم أدمجت بالمتن. ومما يدل على ذلك أن ختم مرتضى أفندي مختوم في آخر هذا الكتاب. وهذا الختم - وأن كان لا يقرأ لأول وهلة وبصورة واضحة - ظاهر للمتأمل.
وقد قال صاحب قاموس الأعلام عن عهدي بما تعريبه. (أن عهدي لقب ثلاثة من شعراء
القرن العاشر أحدهم أحمد عهدي وهو بغدادي. وجد في الأستانة كثيراً وله تذكرة الشعراء ترجم فيها شعراء عصره وله أيضاً البيت التالي:
عهدي ديار رومه كلوب أيده لي نظر كورنمز أو لدى كوزمة ملك عجم بنم
انتهى وفي سجل عثماني أو تذكرة مشاهير عثمانية: (أن عهدي جلبي هو نجل شمس الدين البغدادي. شاعر توفي سنة 1002 من الهجرة) أه.
ومجمل القول: لا يصح أن يقال عنه أنه شاعر ويكتفي بذلك بل هو مؤرخ أيضاً عرف أسرته وجمعاً من العراقيين. أما إطلاعه على التركية، وكون لسانه أدبي الأسلوب فمما لا نزاع فيه. وكذلك قل عن تضلعه من الفارسية لكنه لم يتعرض لاطلاعه على العربية ولا لأدبه فيها والسبب واضح هو أن الأديب لا يكون أديباً