الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذى جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت".
وفى حديث آخر: "أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم أخلاقاً".
ومن حسن الخلق: احتمال الأذى، ففى "الصحيحين" أن أعرابياً جذب رداء النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى أثرت حاشيته في عاتقه صلى الله عليه وآله وسلم، ثم قال: يا محمد، مر لى من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم ضحك، ثم أمر له بعطاء.
وكان إذا آذاه قومه قال: "اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون".
وكان أويس القرني إذا رماه الصبيان بالحجارة يقول: يا إخوتاه، إن كان ولابد، فارموني بالصغار لئلا تدموا ساقي فتمعنوني من الصلاة.
وخرج إبراهيم بن أدهم إلى بعض البرارى، فاستقبله جندي فقال: أين العمران؟ فأشار إلى المقبرة، فضرب رأسه فشجه، فلما أخبر أنه إبراهيم، جعل يقبل يده ورجله، فقال: إنه لما ضرب رأسي سألت الله له الجنة، لأني علمت أنى أوجر بضربه إياي فلم أحب أن يكون نصيبي منه الخير، ونصيبه منى الشر.
وأجتاز بعضهم في سكة، فطرح عليه رماد من السطح، فجعل أصحابه يتكلمون. فقال: من استحق النار فصولح على الرماد، ينبغي له أن لا يغضب.
فهذه نفوس ذللت بالرياضة، فاعتدلت أخلاقهم، ونقيت عن الغش بواطنها، فأثمرت الرضى بالقضاء، ومن لم يجد من نفسه بعض هذه العلامات التي وجدها هؤلاء، فينبغي أن يداوم الرياضة ليصل، فإنه بعد ما وصل.
6 ـ فصل في رياضة الصبيان في أول النشوء
اعلم: أن الصبي أمانة عند والديه، وقلبه جوهرة ساذجة، وهى قابلة لكل نقش، فإن عود الخير نشأ عليه وشاركه أبواه ومؤدبه في ثوابه، وإن عود الشر نشأ عليه، وكان الوزر في عنق وليه، فينبغي أن يصونه ويؤدبه ويهذبه، ويعلمه محاسن الأخلاق، ويحفظه من قرناء السوء، ولا يعوده التنعم، ولا يحبب إليه أسباب الرفاهية
فيضيع عمره في طلبها إذا كبر.
بل ينبغي أن يراقبه من أول عمره، فلا يستعمل في رضاعة وحضانته إلا امرأة صالحة متدينة تأكل الحلال، فإن اللبن الحاصل من الحرام لا بركة فيه، فإذا بدت فيه مخايل التمييز وأولها الحياء، وذلك علامة النجابة وهى مبشرة بكمال العقل عند البلوغ، فهذا يستعان على تأديبه بحيائه.
وأول ما يغلب عليه من الصفات شره الطعام، فينبغي أن يعلم آداب الأكل، ويعوده أكل الخبز وحده في بعض الأوقات لئلا يألف الإدام فيراه كالحتم، ويقبح عنده كثرة الأكل، بأن يشبه الكثير الأكل بالبهائم، ويحبب إليه الثياب البيض دون الملونة والإبريسم ويقرر عنده أن ذلك من شأن النساء والمخنثين، ويمنعه من مخالطة الصبيان الذين عودوا التنعم، ثم يشغله في المكتب بتعليم القرآن والحديث وأحاديث الأخبار، ليغرس في قلبه حب الصالحين، ولا يحفظ من الأشعار التي فيها ذكر العشق.
ومتى ظهر من الصبي خلق جميل وفعل محمول، فينبغي أن يكرم عليه، ويجازى بما يفرح به، ويمدح بين أظهر الناس، فإن خالف ذلك في بعض الأحوال تغوفل عنه ولا يكاشف، فإن عاد عوتب سراً وخوف من اطلاع الناس عليه، ولا يكثر عليه العتاب، لأن ذلك يهون عليه سماع الملامة، وليكن حافظاً هيبة الكلام معه.
وينبغى للأم أن تخوفه بالأب، وينبغى أن يمنع النوم نهاراً، فإنه يورث الكسل، ولا يمنع النوم ليلاً ولكنه يمنع الفرش الوطيئة لتتصلب أعضاؤه.
ويتعود الخشونة في المفرش والملبس والمطعم.
ويعود المشي والحركة والرياضة لئلا يغلب عليه الكسل.
ويمنع أن يفتخر على أقرانه بشيء مما يملكه أبواه، أو بمطعمه أو ملبسه.
ويعود التواضع والإكرام لمن يعاشره.
ويمنع أن يأخذ شيئا من صبى مثله، ويعلم أن الأخذ دناءة، وأن الرفعة في الإعطاء.
ويقبح عنده حب الذهب والفضة.
ويعود أن لا يبصق في مجلسه ولا يتمخط، ولا يتثاءب بحضرة غيره، ولا يضع رجلا على رجل، ويمنع من كثرة الكلام.