الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الشيطان بإيراد الخواطر المتفرقة المذهلة عن ذكر الله تعالى، لو خلا عنه لم يخل عن غفلة وقصور في العلم بالله تعالى وصفاته وأفعاله، وكل ذلك نقص، ولا يسلم أحد من هذا النقص، وإنما الخلق يتفاوتون في المقادير، وأما أصل ذلك، فلا بد منه.
ولهذا قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "إنه ليغان على قلبي، فأستغفر الله في اليوم والليلة سبعين مرة". ولذلك أكرمه الله تعالى بقوله: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} [الفتح: 2] فأما غيره فكيف يكون حاله؟ ومتى اجتمعت شروط التوبة كانت صحيحة مقبولة، قال الله تعالى:{وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ} [الشورى: 25].
وفى الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر". والأحاديث في ذلك كثيرة.
1 ـ فصل في بيان أقسام الذنوب
أعلم: أن للإنسان أخلاقاً وأوصافاً كثيرة، لكن تنحصر مثارات الذنوب في أربع صفات:
أحدها: صفات ربوبية، ومنها يحدث الكبر والفخر، وحب المدح والثناء، والعز وطلب الاستعلاء ونحو ذلك، وهذه ذنوب مهلكات، وبعض الناس يغفل عنها، فلا يعدها ذنوباً.
الثانية: صفات شيطانية، ومنها يتشعب الحسد، والبغي والحيل والخداع والمكر، والغش والنفاق والأمر بالفساد ونحو ذلك.
الثالثة: الصفات البهيمية، ومنها يتشعب الشر والحرص على قضاء شهوة البطن والفرج، فيتشعب من ذلك الزنى واللواطة والسرقة، وأخذ الحطام لأجل الشهوات.
الرابعة: الصفات السبعية، ومنها يتشعب الغضب والحقد، والتهجم على الناس بالقتل والضرب، وأخذ الأموال، وهذه الصفات لها تدرج في الفطرة.
فالصفة البهيمية هي التي تغلب أولاً، ثم تتلوها الصفة السبعية ثانياً، فإذا اجتمعت هاتان، استعملتا العقل في الصفات الشيطانية، من المكر والخداع والحيل، ثم تغلب الصفات الربوبية.
فهذه أمهات الذنوب ومنابعها، ثم تتفجر الذنوب من هذه المنابع إلى الجوارح، فبعضها في القلب، كالفكر، والبدعة، والنفاق، وإضمار السوء، وبعضها في العين، وبعضها في السمع، وبعضها في اللسان، وبعضها في البطن والفرج، وبعضها في اليدين والرجلين، وبعضها على جميع البدن، ولا حاجة إلى تفاصيل ذلك فإنه واضح. ثم الذنوب تنقسم إلى ما يتعلق بحقوق الآدميين، وإلى ما بين العبد وبين ربه.
فما يتعلق بحقوق العباد، فالأمر فيه أغلظ، والذي بين العبد وبين ربه، فالعفو فيه أرجى وأقرب، إلا أن يكون شركاً والعياذ بالله، فذلك الذي لا يغفر.
وقد روى عن عائشة رضى الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "الدواوين عند الله عز وجل ثلاثة: ديوان لا يعبأ الله به، وديوان لا يترك الله منه شيئاً، وديوان لا يغفره الله. فأما الديوان الذي لا يغفره الله تعالى، فالشرك. قال الله تعالى {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ} [المائدة: 72]. وأما الديوان الذي لا يعبأ الله به شيئاً، فظلم العبد نفسه فيما بينه وبين الله عز وجل، يغفر ذلك، ويتجاوز إن شاء. وأما الديوان الذي لا يترك منه شيئاً، فظلم العباد بعضهم بعض، فالقصاص لا محالة".
قسمة أخرى:
اعلم: أن الذنوب تنقسم إلى صغائر وكبائر، وقد كثر الاختلاف فيها، واختلفت الأحاديث في عدد الكبائر.
والأحاديث الصحاح في ذكرها خمسة.
الأول: حديث أبى هريرة رضى الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال:"اجتنبوا السبع الموبقات. قالوا يا رسول الله: وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات".
الثاني: حديث ابن مسعود رضى الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، سئل أي الذنب أكبر؟ قال:"أن تجعل لله نداً وهو خلقك، قال: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك، قال: ثم أي؟ قال: أن تزاني حليلة جارك".
الثالث: حديث عبد الله بن عمر رضى الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال:"الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين".
الرابع: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر: قول الزور -أو قال- شهادة الزور".
الخامس: حديث أبى بكرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذكرت عنده الكبائر قال: "الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متكئاً فجلس، فقال: ألا وقول الزور، وشهادة الزور" فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت.
وقت اختلفت العلماء فيها على أقوال كثيرة، والأحاديث في الكبائر لا تدل على حصرها فيها، ولعل الشارع قصد الإبهام ليكون الناس على وجل من الذنوب، لكن يعرف من الأحاديث أجناس الكبائر، ويعرف أيضاً أكبر الكبائر.
فأما أصغر الصغائر، فلا سبيل إلى معرفته، وقد تكلم العلماء في عدد الكبائر، فروى عن ابن مسعود رضى الله عنه: وهي أربع:
وروى عن ابن عمر رضى الله عنهما أنه قال: هي سبع.
وكان ابن عباس رضى الله عنهما إذا بلغه قول عمر: إنها سبع، قال: هي إلى سبعين أقرب منها إلى سبع.
وقال أبو صالح عن ابن عباس: هي ما أوجب الحد في الدنيا.
وعن ابن مسعود أن الكبائر من فاتحة النساء إلى قولة: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ} [النساء: 31].
وقال سعيد بن جبير وغيره: هي كل ذنب أوعد الله عليه النار.
وقال أبو طالب المكي: الكبائر سبع عشرة جمعتها من جملة الأخبار. أربعة في القلب: الشرك، والإصرار على المعصية، والقنوط من رحمة الله، والأمن من مكر الله تعالى.