الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لا تصدهم عن طريق الله تعالى لقوتهم فيها، ويرفعون أنفسهم عن درجة الأنبياء، لأن الأنبياء عليهم السلام كانوا يبكون على خطيئة واحدة سنين.
وأصناف غرور أهل الإباحة لا تحصى، وكل ذلك أغاليط ووساوس، خدعهم الشيطان بها، لاشتغالهم بالمجاهدة قبل إحكام العلم، من غير اقتداء بشيخ صاحب علم ودين صالح للاقتداء به.
ومنهم فرقة أخرى جاوزوا هذه الطريق، واشتغلوا بالمجاهدة، وابتدؤوا بسلوك الطريق وانفتح لهم باب المعرفة، فلما استنشقوا مبادئ ريح المعرفة، تعجبوا منها وفرحوا بها وأعجبهم غريبها، فتقيدت قلوبهم بالالتفات إليها والتفكر فيها، وكيفية انفتاح بابها عليهم وانسداده عن غيرهم، وكل ذلك غرور، لأن عجائب طريق الله سبحانه وتعالى ليس لها نهاية. ولو وقف مع كل أعجوبة وتقيد بها، قصرت خطاه وجره الوصل إلى القصد، وكان مثاله مثال من قصد ملكاً، فرأى على بابه روضة فيها أزهار لم يكن رأى مثلها، فوقف ينظر إليها حتى فاته الوقت الذي يمكن فيه لقاء الملك.
الصنف الرابع: أرباب الأموال:
وهم فرق:
ففرقة منهم يحرصون على بناء المساجد والمدارس والرباطات والقناطر وما يظهر للناس ويكتبون أسماءهم عليها ليتخلد ذكرهم، ويبقى بعد الموت أثرهم، ولو كلف أحدهم أن ينفق ديناراً ولا يكتب اسمه في الموضع الذي أنفق عليه لشق عليه، ولولا أنه يريد وجه الناس لا وجه الله، لما شق عليه ذلك، فإن الله يطلع عليه، سواء كتب اسمه أو لم يكتبه.
وبعضهم يصرف المال في زخرفة المساجد، وتزيينه بالنقوش التي هي منهي عنها وشاغلة للمصلين، فإن المقصود من الصلاة الخشوع وحضور القلب، وذلك يفسد قلوب المصلين.
فأما إن كان المال الذي صرفه في ذلك حراماً، كان أشد في الغرور.
قال مالك بن دينار رحمه الله: أتى رجل مسجداً، فوقف على الباب وقال، مثلى لا يدخل بيت الله، فكتب في مكانه صديقاً.
فبهذا ينبغي أن تعظم المساجد، وهو أن يرى تلويث المسجد بدخوله فيه بنفسه
جناية على المسجد، لا أن يرى تلويث المسجد بالحرام، أو بزخرف الدنيا منه على الله تعالى، فغرور هذا من حيث أنه يرى المنكر معروفاً.
وفرقة أخرى يحفظون الأموال ويمسكونها بخلاً، ثم يشتغلون بالعبادات البدنية التي لا تحتاج إلى نفقة المال، كالصيام والصلاة وختم القرآن، وهم مغرورون لأن البخل مهلك، وقد استولى على قلوبهم، فهم محتاجون إلى قمعه بإخراج المال، فقد اشتغلوا عنه بفضائل لا تجب عليهم.
ومثالهم مثال من دخلت في ثوبه حية، فاشتغل عنها بطبخ السكنجبين لتسكن به الصفراء.
ومنهم من لا تسمح نفسه إلا بأداء الزكاة فقط، فيخرج الرديء من المال، أو يعطى من الفقراء من يخدمه، ويتردد في حاجاته، أو من يحتاج إليه في المستقبل أو من له فيه غرض.
ومنهم من يسلم من ذلك إلى بعض الأكابر ليفرقه، لينال بذلك عنده منزلة ويقوم بحوائجه، وكل ذلك مفسد للنية وصاحبه مغرور، لأنه يطلب بعبادة الله تعالى عوضاً عن غيره.
وفرقة أخرى من أرباب الأموال وغيرهم، اغتروا بحضور مجالس الذكر، وظنوا أن نفس الحضور يغنيهم عن العمل والاتعاظ، وليس كذلك، لأن مجلس الذكر إنما فضل لكونه مرغباً في الخير، وكل ما يراد لغيره إذا لم يوصل إلى ذلك الغير فلا وقع له، وربما سمع أحدهم التخويف، فلا يزيد على قوله: يا سلام سلم، أو أعوذ بالله، ويظن أنه قد أتى المقصود.
ومثال هذا كمثل مريض يحضر عند الأطباء فيسمع ما يجرى، أو الجائع يحضر عند من يصف له الأطعمة اللذيذة، ثم ينصرف فلا يغنى ذلك عنه. فكذلك سماع وصف الطاعات دون العمل بها، فكل وعظ لم يغير منك صفة تتغير بها أفعالك، فهو حجة عليك.
فإن قيل: فما ذكرته من مداخل الغرور أمر لا يكاد يخلص منه.
فالجواب: أن مدار أمر الآخرة على معنى واحد، وهو تقويم القلب، ولا يعجز
عن ذلك إلا من لم تصدق نيته، فإن الإنسان لو اهتم بأمر الآخرة كما يهتم بأمر الدنيا لنالها. وقد فعل ذلك السلف الصالح ومن تبعهم بإحسان.
ويستعان على التخلص من الغرور بثلاثة أشياء.
العقل: وهو النور الأصلي الذي يدرك به الإنسان حقائق الأشياء.
والمعرفة: التي يعرف بها الإنسان نفسه وربه ودنياه وأخرته.
وفى كتاب المحبة، وشرح عجائب القلب، والتفكر، وكتاب الشكر إشارات إلى وصف النفس، ووصف جلال الله سبحانه.
ويستعين على معرفة الدنيا والآخرة بما ذكر في كتاب "ذم الدنيا" وكتاب "ذكر الموت"، فإذا حصلت هذه المعارف، ثار من القلب بمعرفة الله تعالى حب الله، وبمعرفة الآخرة حب شدة الرغبة فيها، وبمعرفة الدنيا شدة الرغبة عنها، فيصير أهم أموره إليه ما يوصله إلى الله تعالى، وينفعه في الآخرة، وإذا غلبت هذه الإرادة على قلب، صحت نيته في الأمور كلها، واندفع عنه كل غرور.
فإذا غلب حب الله تعالى على قلبه لمعرفته به وبنفسه، واحتاج إلى الأمر الثالث وهو العلم، ونعنى به العلم بكيفية سلوك الطريق إلى الله تعالى وآفاتها، والعلم بما يقربه منه ويهديه، وجميع ذلك في كتابنا هذا.
فيعرف من ربع العبادات والعادات ما هو محتاج إليه، وما هو مستغن عنه، ويتأدب بأدب الشرع.
ويعرف من ربع المهلكات جميع العقبات المانعة من طريق الله تعالى، وهى الصفات المذمومة في الخلق.
ويعرف من ربع المنجيات الصفات المحمودة التي لابد أن توضح خلفاً من المذمومة بعد محوها، فإذا أحاط بجميع ذلك، أمكنه الحذر من الأنواع التي أشرنا إليها من الغرور، والله أعلم.
وإذا فعل جميع ذلك ينبغي أن يكون خائفاً أن يخدعه الشيطان، ويدعوه إلى الرياسة ويخاف عليه أيضاً من الأمن من مكر الله تعالى.
ولذلك قيل: والمخلصون على خطر عظيم (1).
وقال الإمام احمد رحمه الله للشيطان حين قال له عند الموت: فُتَّني. فقل: لا بعد.
فلا ينبغي أن يفارق الخوف قلوب الأولياء أبداً. نسأل الله تعالى السلامة من الغرور، وحسن الخاتمة، إنه قريب مجيب. آخر الغرور.
وبه تم ربع المهلكات، ونشرع الآن في ربع المنجيات.
(1) قطعة من خبز موضوع طالما تردد على ألسنة القصاص الذين لا يكفون عن الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولفظه بتمامه كما أورده العجلوني في "كشف الخفاء":"الناس كلهم موتى، إلا العالمون، والعالمون كلهم هلكى إلا العاملون، والعاملون كلهم غرقى إلا المخلصون، والمخلصون على خطر عظيم" وبعضهم يرويه: هلكى في الكل، ونقل عن الصغاني قوله: وهذا حديث مفترى ملحون.