الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن". أخرجاه في "الصحيحين".
وفيهما من حديث أبى موسى أيضاً عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "إن في الجنة لخيمة من درة مجوفة، عرضها ستون ميلاً، في كل زاوية منها أهل ما يرون الآخرين، يطوف عليهم المؤمن".
واعلم: أن الله تعالى ذكر نعيم الجنة مبسوطاً في مواضع القرآن، ثم جمعه في آيات. منها قوله تعالى:{وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ} [الزخرف: 71]. وقوله: {لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا} [الكهف: 108] ثم زاد على ذلك بقوله: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ} [السجدة: 17].
صفات الجنة كثيرة اقتصرنا منها على هذا.
وأفضل ما ينال في الجنة رؤية الله تعالى. وفى "الصحيحين" من حديث أبى هريرة رضى الله عنه أنه قيل: يا رسول الله! هل نرى ربنا؟ فقال: "فهل تضامون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟ " قالوا: لا، قال:"فإنكم ترونه يوم القيامة كذلك"
35 ـ باب في ذكر سعة رحمة الله تعالى
نختم الكتاب بذكر سعة رحمة الله عز وجل، نرجو بذلك فضله، إذ ليس لنا أعمال نرجو بها العفو، لكن نرجو ذلك من رحمته وكرمه، قال الله تعالى:{قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر: 53].
وعن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لما قضى الله عز وجل الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش، إن رحمتي غلبت غضبى" أخرجاه في "الصحيحين".
وعن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "إن لله عز وجل مائة رحمة أنزل منها رحمة واحدة بين الإنس والجن والهوام والبهائم، فبها يتعاطفون، وبها يتراحمون، وبها تعطف الوحش على أولادها، وأخّر تسعاً وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة".
وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إن ربكم تبارك وتعالى رحيم، من همّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشر
حسنات إلى سبعمائة ضعف، ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له سيئة واحدة أو يمحوها الله، ولا يهلك على الله تعالى إلا هالك".
وعن أبى ذر رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "يقول الله عز وجل: من عمل حسنة فله عشر أمثالها أو أزيد، ومن عمل سيئة، فجزاء سيئة مثلها أو أغفر، ومن اقترب إلى شبراً اقتربت إليه ذراعاً، ومن اقترب إلى ذراعاً اقتربت منه باعاً، ومن أتاني يمشى أتيته هرولة".
وعن أبى هريرة رضى الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن رجلاً أذنب ذنباً فقال: أي رب! أذنبت ذنباً فاغفر لى، فقال تبارك وتعالى: علم عبدى أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به، فقد غفرت لعبدي. ثم مكث ما شاء الله، ثم أذنب ذنباً آخر فقال: أي رب! عملت ذنباً فاغفره لى، فقال عز وجل: علم عبدى أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به، قد غفرت لعبدى. ثم مكث ما شاء الله، ثم أذنب ذنباً آخر فقال: أي رب! عملت ذنباً فاغفره لى، فقال: علم عبدى أن له رباً يغفر الذنب، أشهدكم أني قد غفرت لعبدي، فليعمل ما شاء". هذه الأحاديث كلها صحاح.
وفى "الصحيحين" من حديث عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال: قدم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بسبيٍ، وإذا امرأة من السبى تسعى، إذا وجدت صبيا في السبى فأخذته، فألصقته ببطنها، فأرضعته، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:"أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار؟ " قلنا: لا والله. قال: "لله أرحم بعباده من هذه المرآة بولدها".
وفى "الصحيحين" من حديث أبى ذر رضى الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال:"ما من عبد قال: لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة". قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: "وإن زنى وإن سرق، وإن زنى وإن سرق! وإن زنى وإن سرق" ثم قال الرابعة: "على رغم أنف أبى ذر".
وفيهما من حديث عتبان بن مالك رضى الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال:"إن الله حرم النار على من قال: لا إله إلا الله، يبتغى بذلك وجه الله".
وفيهما من حديث أنس بن مالك رضى الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن قال:"يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، ثم يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير وزن برة، ثم يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن ذرة".
وعن أبى موسى رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إذا كان يوم القيامة لم يبق مؤمن إلا أتى بيهودي أو نصراني حتى يدفع إليه فيقال له: هذا مكانك من النار".
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إن الله عز وجل يستخلص رجلاً من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر عليه تسعة وتسعين سجلاً، كل سجل منها مد البصر، ثم يقول: أتنكر من هذا شيئاً؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ قال: لا يارب، فيقول: ألك عذر أو حسنة؟ فيبهت الرجل فيقول: لا يا رب فيقول: بلى، إن لك عندنا حسنة واحدة، لا ظلم عليك اليوم، فيخرج له بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، فيقول أحضروه، فيقول: ما هذه البطاقة مع هذه السجلات، فيقال: إنك لا تظلم، فتوضع السجلات في كفة، والبطاقة في كفة. قال: فطاشت السجلات وثقلت البطاقة، ولا يثقل شئ مع اسم الله عز وجل".
ونظر الفضيل بن عياض إلى تسبيح الناس وبكائهم يوم عرفة فقال: أرأيتم لو أن هؤلاء صاروا إلى رجل يسألونه دانقاً (1)، أكان يردهم؟ فقيل: لا فقال: والله المغفرة عند الله عز وجل أهون من إجابة رجل لهم بدانق!.
وعن إبراهيم بن أدهم قال: خلا لى الطواف في ليلة مظلمة شديدة المطر، فلم أزل أطوف إلى السحر، ثم رفعت يدي إلى السماء. فقلت: اللهم إنى أسألك أن تعصمني عن جميع ما تكره. فإذا قائل يقول في الهواء: أنت تسألني العصمة، وكل خلقي يسألني العصمة، فإذا عصمتك فعلى من أتفضل؟
فهذه الأحاديث مع ما ذكرناه في كتاب الرجاء، تبشرنا بكرم الله تعالى وسعة رحمته وجوده. ونحن نرجو من الله سبحانه أن لا يعاملنا بما نستحقه، وأن يتفضل علينا بما هو أهله. ونحن نستغفر الله عز وجل من أقوالنا التي تخالف أعمالنا ومن كل تصنع تزيناً به للناس، وكل علم وعمل قصدناه، ثم خالطه ما يكدره، فبكرمه نستشفع إلى كرمه، وبجوده نسأل من جوده، إنه قريب مجيب.
والحمد لله رب العالمين حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وكما ينبغي لكريم وجهه عز وجل.
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
(1) الدانق: سدس الدرهم.