الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ينظر أبداً إلى من دونه، ويفعل ما كان يفعله بعض القدماء، فإنه كان يحضر دار المرضى ليشاهد أنواع البلاء عليهم، ثم يتأمل صحته وسلامته، ويشاهد الجناة الذين يقتلون وتقطع أيديهم وأرجلهم ويعذبون، فيشكر الله على سلامته من تلك العقوبات، ويحضر المقابر، فيعلم أن أحب الأشياء إلى الموتى أن يردوا إلى الدنيا، ليتدارك من عصا عصيانه، وليزيد في الطاعة من أطاع، فإن يوم القيامة يوم التغابن، فإذا شاهد المقابر، وعلم أحب الأشياء إليهم، فليصرف بقية عمره في طاعة الله تعالى وشكره في الإمهال، بأن يصرف العمر إلى ما خلق لأجله، وهو التزود للآخرة.
ومما ينبغي أن تعالج به القلوب البعيدة عن الشكر أن يعرف أن النعمة إذا لم تشكر زالت.
كان الفضيل رحمه الله تعالى يقول: عليكم بمداومة الشكر على النعم، فقل نعمة زالت عن قوم فعادت إليهم.
11 ـ فصل في بيان اجتماع الصبر والشكر على وجه واحد
لعلك تقول: قد ذكرت أن لله تعالى في كل موجود نعمة، وهذا يشير إلى أن البلاء لا وجود له أصلاً، فما معنى الصبر، وإن كان البلاء موجوداً، فما معنى الشكر على البلاء؟ وكيف يجتمع الصبر والشكر؟! فإن الصبر يستدعى ألماً والشكر يستدعى فرحاً، وهما متضادان.
فاعلم أن البلاء موجود، كما أن النعمة موجودة، وأنه ليس كل بلاء يأمر بالصبر عليه، مثل الكفر، فإنه بلاء، ولا معنى للصبر عليه، وكذا المعاصي، إلا أن الكافر لا يعلم أن كفره بلاء، فيكون كمن به علة، وهو لا يتألم بها، بسبب غشيته، والعاصي يعرف عصيانه، فعليه ترك المعصية، وكل بلاء يقدر الإنسان على دفعه لا يأمن الصبر عليه، فلو ترك شرب الماء مع العطش حتى عظم ألمه، لم يأمر بالصبر على ذلك، بل يأمر بإزالة الألم، وإنما يكون الصبر على ألم ليس إلى العبد إزالته، فإذن يرجع الصبر في الدنيا إلى ما ليس ببلاء مطلق، بل يجوز أن يكون نعمة من وجهه، فلذلك يتصور أن يجتمع عليه وظيفة الشكر ووظيفة الصبر، فإن الغنى مثلاً يجوز أن يصير سبب هلاك الإنسان، حتى يقصد قتله بسبب ماله، والصحة أيضاً كذلك، فما من نعمة من نعم الدنيا إلا ويجوز أن تصير بلاء وقد يكون على العبد في بعض الأمور
بلاء وفيه نعمة.
مثال ذلك. جهل الإنسان بأجله، فإنه نعمة عليه، إذ لو عرفه تنغص عليه العيش، وطال بذلك غمه، وكذلك جهله بما يضمره بعض الناس له، إذ لو اطلع عليه لطال ألمه وحقده وحسده واشتغاله بالانتقام، وكذلك جهله بالصفات المذمومة من غيره، إذ لو عرف منه ذلك، أبغضه وآذاه، فكان ذلك وبالاً عليه.
ومن ذلك إبهام القيامة، وليلة القدر، وساعة الجمعة، وكل ذلك نعمة، لأن الجهل يوفر الدواعي على الطلب والاجتهاد، فهذه وجوه نعم الله تعالى في الجهل، فكيف في العلم؟!
وقد قلنا: إن لله سبحانه في كل موجود نعمة، حتى إن الآلام قد تكون نعمة في حق المتألم، وقد تكون نعمة في حق غيره، كألم الكفار في النار في الآخرة، فإنه نعمة في حق أهل الجنة، إذ لو لم يعذب قوم، ما عرف المتنعمون قدر نعيمهم، وإنما يتضاعف فرح أهل الجنة إذا ذكروا ألم أهل النار، ألا ترى أن أهل الدنيا لا يشتد فرحهم بنور الشمس، مع شدة حاجتهم إليها مع أنها عامة ومبذولة، ولا بالنظر إلى زينة السماء، وهى أحسن من كل نبت، لأنها عامة، فلذلك لم يشعروا بها، ولم يفرحوا بسببها، فإذا صح قولنا: إن الله تعالى لم يخلق شيئاً إلا وفيه حكمة ونعمة، إما على جميع العباد، أو على بعضهم، ففى خلق الله تعالى البلاء نعمة أيضاً، إما على المبتلى، أو على غيره، فيجتمع على العبد وظيفة الشكر والصبر في كل حالة لا توصف بأنها بلاء مطلق، ولا نعمة مطلقة، فإن الإنسان قد يفرح بالشيء الواحد من وجه، ويغتم به من وجه آخر، فيكون الصبر من حيث الاغتمام، والشكر من حيث الفرح.
واعلم: أن في كل فقر، ومرض، وخوف، وبلاء في الدنيا، خمسة أشياء ينبغي أن يفرح العاقل بها، ويشكر عليها:
أحدها: أن كل مصيبة ومرض يتصور أن يكون عليها أكثر منها، لأن مقدورات الله تعالى لا تتناهى، فلو أضعفها الله عز وجل على العبد، فما كان يمنعه؟ فليشكر إذ لم يكن أعظم.
الثاني: أن المصيبة لم تكن في الدين.
قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: ما ابتليت ببلاء إلا كان لله تعالى علىّ فيه أربع
نعم، إذ لم يكن في ديني، وإذ لم يكن أعظم، وإذ لم أحرم الرضا به، وإذ أرجو الثواب عليه.
قال رجل لسهل بن عبد الله: دخل اللص بيتي وأخذ متاعي، فقال: اشكر الله تعالى، لو دخل الشيطان قلبك فأفسد إيمانك، ماذا كنت تصنع؟ ومن استحق أن يضربك مائة سوط، فاقتصر على عشرة فهو مسحق للشكر.
الثالث: أن ما من عقوبة إلا كان يتصور أن تؤخره إلى الآخرة، ومصائب الدنيا يتسلى عنها فتخفف، ومصيبة الآخرة دائمة، وإن لم تدم، فلا سبيل إلى تخفيفها، ومن عجلت عقوبته في الدنيا لم يعاقب ثانياً، كذا ورد في الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وفى "صحيح مسلم": "إن كل ما يصاب به المسلم يكون كفارة له، حتى النكبة ينكبها، والشوكة يشاكها".
الرابع: أن هذه المصيبة كانت مكتوبة عليه في أم الكتاب، ولم يكن بد من وصولها إليه، فقد وصلت واستراح منها، فهي نعمة.
الخامس: أن ثوابها أكثر منها، فإن مصائب الدنيا طرق إلى الآخرة، كما يكون المنع من أسباب اللعب نعمة في حق الصبى، فإنه لو خلى واللعب، لكان يمنعه، ذلك من العلم والأدب، فكان يخسر طول عمره، وكذلك المال والأهل والأقارب والأعضاء، قد تكون سبباً لهلاكه، فالملحدون غداً يتمنون أن لو كانوا مجانين وصبياناً، ولم يتصرفوا بعقولهم في دين الله تعالى، فما من شئ من هذه الأسباب يوجد من العبد، إلا ويتصور أن يكون له في ذلك خبرة دينية، فعليه أن يحسن الظن بالله عز وجل، ويقدر الخيرة فيما أصابه، ويشكر الله تعالى عليه، فإن حكمة الله تعالى واسعة، وهو أعلم بمصالح العباد منهم، وغداً يشكره العباد على البلاء إذا رأوا ثوابه، كما يشكر الصبي بعد البلوغ أستاذه وأباه على ضربه وتأديبه، إذ رأى ثمرة ما استفاد من التأديب.
والبلاء تأديب من الله تعالى، ولطفه بعباده أتم وأوفى من عناية الآباء بالأولاد ..
وفى الحديث: "لا يقضى الله للمؤمن قضاء إلا كان خيراً له".
وأيضاً، فاعلم أن رأس الخطايا المهلكة حب الدنيا، ورأس أسباب النجاة التجافي بالقلب عنها، ومواتاة النعم على وفق المراد من غير امتزاج ببلاء ومصيبة تورث
طمأنينة القلب إلى الدنيا والأنس بها، فإذا كثرت المصائب انزعج القلب عن الدنيا ولم يسكن إليها، فصارت سجناً له، فكانت نجاته منها غاية المراد كخلاص المسجون من السجن.
وأما التألم فهو ضروري وذلك يضاهى فرحك بمن يحجمك أو يسقيك دواء نافعاً بلا أجر فإنك تتألم وتفرح، فتصبر على الألم، وتشكر على سبب الفرح، فمن عرف هذا تصور منه أن يشكر على البلاء، ومن لا يؤمن أن ثواب المصيبة أكثر منها لم يتصور منه الشكر على المصيبة.
وقد روى أن أعرابياً عزى ابن عباس رضى الله عنه بأبيه فقال:
اصبر نكن بك صابرين فإنما
…
صبر الرعية عند صبر الرأس
خير من العباس صبرك بعده
…
والله خير منك للعباس
فقال ابن عباس رضى الله عنهما: ما عزاني أحد أحسن من تعزيته.
وقد سبق ذكر أنواع البلاء، وثواب الصبر عليها.
فإن قال قائل: الأخبار الواردة في فضل الصبر تدل على أن البلاء في الدنيا خير من النعيم، فهل لنا أن نسأل الله عز وجل البلاء؟
فالجواب: أنه لا وجه لذلك، فإن في الحديث من رواية أنس، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عاد رجلاً من المسلمين صار مثل الفرخ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:"هل كنت تدعو بشيء أو تسأله؟ " قال: نعم، كنت أقول: اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة، فعجله لى في الدنيا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:"سبحان الله لا تطيقه ولا تستطيعه، فهلا قلت: اللهم آتتا في الدنيا حسنة وفى الآخرة حسنة وقنا عذاب النار".
ومن حديث أنس رضى الله عنه أيضاً، أن رجلاً قال: يا نبى الله: أي الدعاء أفضل؟ قال: "سل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة" ثم أتاه الغد، فقال يا رسول الله، أي الدعاء أفضل؟ قال:"سل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة" ثم أتاه اليوم الثالث، فقال:"سل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة، فإن أعطيت العفو والعافية في الدنيا والآخرة فقد أفلحت".
وفى "الصحيحين" انه صلى الله عليه وآله وسلم قال: "تعوذوا بالله من جهد