الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فيه شبهة فليحترز عن أخذه.
وقد تقدم في كتاب الحلال والحرام درجات الشبهة، وما يجب اجتنابه، وما يستحب.
وأما غرض المعطى، فلا يخلو، إما أن يكون طلباً للمحبة، وهو الهدية، فلا بأس بقبولها إذا لم تكن رشوة ولم يكن فيها منة.
الثاني: أن يكون غرض المعطى الثواب، وهو الزكاة والصدقة، فعليه أن ينظر في صفات نفسه، هل هو مستحق أم لا؟ فان اشتبه عليه فهو محل شبهة، وإن كان صدقة، فكان المعطى إنما يعطيه لدينه، فلينظر إلى باطنه، فإن كان مقارناً لمعصية في السر، يعلم أن المعطى لو علم بذلك، لنفر طبعه ولما تقرب إلى الله بالصدقة عليه، لم يأخذه كما لو أعطاه لظنه أنه عالم لم يكن.
الثالث: أن يكون غرض المعطى الشهرة والرياء والسمعة، فينبغي أن يرد عليه قصده الفاسد، ولا يأخذه، لأنه إذا قبله يكون معينا له على قصده الفاسد. وأما غرضه في الأخذ، فلينظر أهو محتاج إليه أو مستغن عنه؟ فان كان مستغنياً لم يأخذه، وإن كان محتاجاً إليه، وقد سلم من الشبة والآفات التي ذكرناها، فالأفضل له الأخذ، لما روى عن عمر رضى الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال:"ما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل، فخذه، ومالا فلا تتبعه نفسك" أخرجاه في "الصحيحين".
وفى حديث آخر: "من جاءه من أخيه معروف من غير إسراف ولا مسألة، فليقبله ولا يرده، فإنما هو رزق ساقه الله إليه".
4 ـ فصل في بيان تحريم السؤال من غير ضرورة وآداب الفقير المضطر في السؤال
اعلم: أنه قد ورد في السؤال أحاديث في النهى عنه، وفى الترخيص فيه.
أما الترخيص: فكقوله صلى الله عليه وآله وسلم: "للسائل حق وإن جاء على
فرس" (1): وفى بعض الأحاديث: "ردوا السائل ولو بظلف محرق". ولو كان السؤال حراماً، لما جاز إعانة المعتدى على عدوانه، والإعطاء إعانة.
وأما أحاديث النهى عن السؤال: فروى ابن عمر رضى الله عنهما: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله عز وجل وليس في وجهه مزعة لحم" أخرجاه في "الصحيحين".
وفيهما أيضاً: أنه صلى الله عليه وآله وسلم ذكر التعفف عن المسألة فقال: "اليد العليا خير من اليد السفلي". واليد العليا المعطية، والسفلي السائلة.
وفى حديث ابن مسعود رضى الله عنه: أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال:" من سأل وله ما يغنيه، جاءت مسألته يوم القيامة خدوشاً أو كدوحاً في وجهه" إلى آخره.
وهو حديث حسن، وفى المعنى أحاديث كثيرة.
وكشف الغطاء في هذا أن نقول: السؤال في الأصل حرام، لأنه لا ينفك عن ثلاثة أمور:
أحدها: الشكوى.
والثاني: إذلال نفسه، وما ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه.
والثالث: إيذاء المسؤول غالباً.
وإنما يباح السؤال في حال الضرورة والحاجة المهمة القريبة من الضرورة، أما المضطر، فهو كسؤال الجائع عند خوفه على نفسه موتاً أو مرضاً، وكسؤال العاري الذي ليس له ما يواريه.
وأما المحتاج حاجة مهمة فهو كمن له جبة ولا قميص تحتها في الشتاء، فهو يتأذى بالبرد تأذيا لا ينتهي إلى حد الضرورة، فكذلك من يقدر على المشي لكن بمشقة، يجوز له أن يسأل أجرة يكترى بها للركوب، وتركه أولى، ومن وجد الخبز وهو محتاج إلى الأدم، فله أن يسأل مع الكراهة، وكذلك إذا سأل المحمل من هو قادر على الراحلة.
وينبغى في مثل هذه المسألة أن يظهر الشكر لله تعالى، ولا يسأل سؤال محتاج،
(1) أخرجه أحمد (1730) وأبو داود (1665) وفي سنده يعلى بن أبي يحيى لم يوثقه غير ابن حبان، ومع ذلك فقد جود إسناده الحافظان العراقي والسخاوي وغيرهما، وانظر "ذيل القول المسدد" 68، 70، فقد بسط القول في الكلام عليه.