الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
نَبْذَ الْعَهْدِ (قَبْلَ الْإِغَارَةِ عَلَيْهِمْ) ، لِلْآيَةِ.
(وَ) يَجِبُ (رَدُّ مَنْ بِدَارِنَا مِنْهُمْ إلَى مَأْمَنِهِ، وَيُسْتَوْفَى مَا عَلَيْهِمْ مِنْ حَقٍّ) كَغَيْرِهِمْ لِلْعُمُومَاتِ، (وَيُنْقَضُ عَهْدُ نِسَاءٍ) أَهْلِ هُدْنَةٍ (وَذُرِّيَتْ) هُمْ بِنَقْضِ رِجَالِهِمْ تَبَعًا لَهُمْ لِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم «قَتَلَ رِجَالَ بَنِي قُرَيْظَةَ حِينَ نَقَضُوا عَهْدَهُ، وَسَبَى ذَرَارِيَّهُمْ، وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ» وَلَمَّا نَقَضَ قُرَيْشٌ عَهْدَهُ بَعْدَ الْهُدْنَةِ لَهُمْ حَلَّ لَهُ مِنْهُمْ مَا كَانَ حَرُمَ عَلَيْهِ مِنْهُمْ وَلِأَنَّ عَقْدَ الْهُدْنَةِ مُؤَقَّتٌ يَنْتَهِي بِانْتِهَاءِ مُدَّتِهِ، فَيَزُولُ بِنَقْضِهِ وَفَسْخِهِ كَالْإِجَارَةِ، بِخِلَافِ الذِّمَّةِ
(وَإِنْ نَقَضَهَا)، أَيْ: الْهُدْنَةَ (بَعْضُهُمْ)، أَيْ: الْمُهَادَنِينَ، (فَأَنْكَرَ الْبَاقُونَ عَلَيْهِ)، أَيْ: عَلَى مَنْ نَقَضَ (بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ) إنْكَارًا (ظَاهِرًا أَوْ كَاتَبُونَا)، أَيْ: الَّذِينَ لَمْ يَنْقُضُوا (بِنَقْضِهِمْ)، أَيْ: بِنَقْضِ الْآخَرِينَ، (أُقِرُّوا)، أَيْ: الْبَاقُونَ عَلَى الْعَهْدِ (بِتَسْلِيمِ مَنْ نَقَضَ) الْهُدْنَةَ إذَا قَدَرُوا عَلَيْهِمْ (أَوْ) بِ (تَمْيِيزِهِ)، أَيْ: النَّاقِضُ (عَنْهُمْ) لِيَتَمَكَّنَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ قِتَالِهِمْ، (فَإِنْ أَبَوْا) التَّسْلِيمَ أَوْ التَّمْيِيزَ (مَعَ قُدْرَةٍ) عَلَى أَحَدِهِمَا، (انْتَقَضَ عَهْدُ الْكُلِّ) بِذَلِكَ قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ التَّمْيِيزِ أَوْ إسْلَامِ النَّاقِضِ صَارَ نَاقِضًا، لِأَنَّهُ مُنِعَ مِنْ أَخْذِ النَّاقِضِ، فَصَارَ بِمَنْزِلَتِهِ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ التَّمْيِيزُ لَمْ يُنْتَقَضْ عَهْدُهُ، لِأَنَّهُ كَالْأَسِيرِ وَفِي الْإِنْصَافِ " فِي آخِرِ أَحْكَامِ الذِّمَّةِ: وَكَذَا، أَيْ: فِي نَقْضِ الْعَهْدِ، مَنْ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ، أَوْ لَمْ يَعْتَزِلْهُمْ، أَوْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِمْ الْإِمَامُ وَفِي " الْمُنْتَهَى " كَالْمُصَنِّفِ خِلَافًا لَهُ، أَيْ: لِصَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ "، لِقَوْلِهِ: فَإِنْ امْتَنَعَ التَّمْيِيزُ لَمْ يُنْتَقَضْ عَهْدُهُ
[بَابُ عَقْدِ الذِّمَّةِ]
(بَابُ عَقْدِ الذِّمَّةِ) وَهِيَ لُغَةً: الْعَهْدُ وَالضَّمَانُ وَالْأَمَانُ، لِحَدِيثِ: " يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، مِنْ أَذَمَّهُ، يَذُمُّهُ: إذَا جَعَلَ لَهُ عَهْدًا وَمَعْنَى عَقْدِ الذِّمَّةِ إقْرَارُ الْكُفَّارِ عَلَى كُفْرِهِمْ بِشَرْطِ بَذْلِ الْجِزْيَةِ، أَوْ الْتِزَامِ أَحْكَامِ الْمِلَّةِ.
وَالْأَصْلُ
فِيهَا قَوْله تَعَالَى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ} [التوبة: 29] الْآيَةَ وَحَدِيثُ «الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ لِجُنْدِ كِسْرَى يَوْمَ نَهَاوَنْدَ: أَمَرَنَا نَبِيُّنَا رَسُولُ رَبِّنَا أَنْ نُقَاتِلَكُمْ حَتَّى تَعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ أَوْ تُؤَدُّوا الْجِزْيَةَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فَعَلَيْهِ، يَكُونُ عَقْدُ الذِّمَّةِ (وَاجِبًا لِكِتَابِيٍّ وَنَحْوِهِ) كَمَجُوسِيٍّ، (إذَا اجْتَمَعَتْ شُرُوطٌ) ، وَيَكُونُ اجْتِمَاعُهَا (بِبَذْلِ جِزْيَةٍ) مَأْخُوذَةٍ مِنْ الْجَزَاءِ، وَتَأْتِي (كُلَّ عَامٍ) هِلَالِيٍّ، (وَالْتِزَامِ أَحْكَامِنَا)، وَهُوَ: قَبُولُ مَا يُحْكَمُ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنْ أَدَاءِ حَقٍّ أَوْ تَرْكِ مُحَرَّمٍ، (مَا لَمْ تُخَفْ غَائِلَتُهُمْ)، أَيْ: غَدْرُهُمْ بِتَمْكِينِهِمْ مِنْ الْإِقَامَةِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ، فَلَا يَجُوزُ عَقْدُهَا لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ عَلَيْنَا (وَلَا يَصِحُّ) عَقْدُهَا (إلَّا مِنْ إمَامٍ أَوْ نَائِبِهِ) لِتَعَلُّقِ نَظَرِ الْإِمَامِ بِهِ، دِرَايَتُهُ بِجِهَةِ الْمَصْلَحَةِ، وَلِأَنَّهُ مُؤَبَّدٌ فَعَقْدُهُ مِنْ غَيْرِ الْإِمَامِ افْتِئَاتٌ عَلَيْهِ
(وَصِفَتُهُ) أَيْ: عَقْدِ الذِّمَّةِ قَوْلُ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ: (أَقْرَرْتُكُمْ بِجِزْيَةٍ وَاسْتِسْلَامٍ)، أَيْ: انْقِيَادٍ لِأَحْكَامِنَا (أَوْ يَبْذُلُونَ ذَلِكَ) مِنْ أَنْفُسِهِمْ، (فَيَقُولُ) إمَامٌ أَوْ نَائِبُهُ:(أَقْرَرْتُكُمْ عَلَيْهِ أَوْ نَحْوُهُمَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى عَقْدِهَا)، أَيْ: الْجِزْيَةِ، كَقَوْلِهِ: عَاهَدْتُكُمْ عَلَى الْإِقَامَةِ بِدَارِنَا بِجِزْيَةٍ، (وَلَا يُعْتَبَرُ ذِكْرُ قَدْرِ جِزْيَةٍ) فِي الْعَقْدِ (وَالْجِزْيَةُ مَالٌ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ)، أَيْ: الْكُفَّارِ (عَلَى وَجْهِ الصَّغَارِ) ، بِفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ، (وَ) هُوَ:(الذِّلَّةُ) وَالِامْتِهَانُ (كُلَّ عَامٍ) فِي آخِرِهِ (بَدَلًا عَنْ قَتْلِهِمْ وَ) عَنْ (إقَامَتِهِمْ بِدَارِنَا) ، فَإِنْ لَمْ يَبْذُلُوهَا لَمْ يَكُفَّ عَنْهُمْ، (وَفِي " الْفُنُونِ ") لِابْنِ عَقِيلٍ:(بَقَاءُ النَّفْسِ مَعَ الذُّلِّ لَيْسَ بِغَنِيمَةٍ) ، بَلْ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (وَمَنْ عَدَّ الْحَيَاةَ مَعَ الذُّلِّ نِعْمَةً فَقَدْ أَخْطَأَ طَرِيقَ الْإِصَابَةِ) ، وَلَا يَخْفَى مَا فِي هَذَا الْكَلَامِ مِنْ اللَّطَافَةِ وَحُسْنِ الِانْسِجَامِ
(وَلَا تُعْقَدُ) الذِّمَّةُ (إلَّا لِأَهْلِ كِتَابٍ) مِنْ تَوْرَاةٍ وَأَنْجِيلٍ (هُمْ يَهُودٌ وَنَصَارَى وَمَنْ تَدَيَّنَ بِالتَّوْرَاةِ كَسَامِرَةَ) قَبِيلَةٌ مِنْ بَنْيِ إسْرَائِيلَ نُسِبَ إلَيْهِمْ السَّامِرِيُّ، وَيُقَالُ لَهُمْ فِي زَمَانِنَا سَمَرَةٌ، عَلَى وَزْنِ شَجَرَةٍ، وَهُمْ طَائِفَةٌ مِنْ الْيَهُودِ يَتَشَدَّدُونَ بِدِينِهِمْ وَيُخَالِفُونَهُمْ فِي بَعْضِ الْفُرُوعِ، (أَوْ تَدَيَّنَ بِالْأَنْجِيلِ كفرنج) وَهُمْ الرُّومُ، وَيُقَالُ لَهُمْ: بَنُو الْأَصْفَرِ، وَالْأَشْبَهُ أَنَّهَا مُوَلَّدَةٌ، نِسْبَةٌ إلَى فَرَنْجَةَ: بِفَتْحِ أَوَّله وَثَانِيه، وَبِسُكُونِ ثَالِثِهِ، وَهِيَ جَزِيرَةٌ مِنْ جَزَائِرِ الْبَحْرِ، وَالنِّسْبَةُ إلَيْهَا فِرِنْجِيٌّ، ثُمَّ حَذَفَ الْيَاءَ، (وَصَابِئِينَ) ، وَهُمْ جِنْسٌ مِنْ النَّصَارَى نَصًّا وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُمْ يَسْبِتُونَ، فَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْيَهُودِ وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُمْ بَيْنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَرُوِيَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: إنَّ الْفُلْكَ حَيٌّ نَاطِقٌ، وَإِنَّ الْكَوَاكِبَ السَّبْعَةَ آلِهَةٌ، فَحِينَئِذٍ فَهُمْ كَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ، وَقِيلَ: هُمْ قَوْمٌ بَيْنَ النَّصَارَى وَالْمَجُوس، وَأَصْلُ دِينِهِمْ دِينُ نُوحٍ عليه السلام، أَوْ: هُمْ عَبَدَةُ الْمَلَائِكَةِ، أَوْ مِنْ: صَبَأَ إذَا خَرَجَ مِنْ دِينٍ إلَى آخَرَ، أَوْ مِنْ صَبَأَ إذَا مَالَ، لِأَنَّهُمْ مَالُوا عَنْ سَائِرِ الْأَدْيَانِ إلَى مَا هُمْ فِيهِ، أَوْ مِنْ الْحَقِّ إلَى الْبَاطِلِ وَقِيلَ لَيْسُوا يَهُودًا وَلَا نَصَارَى، وَلَا دِينَ لَهُمْ وَلَا تُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهُمْ وَلَا تُنْكَحُ نِسَاؤُهُمْ. وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ حُكْمَهُمْ حُكْمُ مَنْ تَدَيَّنَ بِالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، أَوْ مَنْ لَهُ شُبْهَةُ كِتَابٍ كَمَجُوسِيٍّ «لِأَنَّ عُمَرَ لَمْ يَأْخُذْهَا مِنْهُمْ حَتَّى شَهِدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَخَذَهَا مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَإِنَّمَا قِيلَ: لَهُمْ شُبْهَةُ كِتَابٍ، لِأَنَّهُ رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ لَهُمْ كِتَابٌ فَرُفِعَ، فَصَارَ لَهُمْ بِذَلِكَ شُبْهَةٌ أَوْجَبَتْ حَقْنَ دِمَائِهِمْ، وَأَخْذَ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ، وَلَمْ تَنْهَضْ فِي إبَاحَةِ نِسَائِهِمْ وَحِلِّ ذَبَائِحِهِمْ (وَغَيْرُهُمْ) - أَيْ: غَيْرُ أَهْلِ الْكِتَابِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ فِي التَّدَيُّنِ بِالْكِتَابَيْنِ، وَمَنْ لَهُ شُبْهَةُ كِتَابٍ كَالْمَجُوسِ - (لَا يُقْبَلُ
مِنْهُمْ إلَّا الْإِسْلَامُ أَوْ الْقَتْلُ) ، لِحَدِيثِ:«أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» خَصَّ مِنْهُمْ أَهْلَ الْكِتَابِ وَمَنْ أُلْحِقَ بِهِمْ لِمَا تَقَدَّمَ، وَبَقِيَ مَنْ عَدَاهُمْ عَلَى الْأَصْلِ، فَأَمَّا أَهْلُ صُحُفِ إبْرَاهِيمَ وَشِيثٍ وَزَبُورِ دَاوُد، فَلَا تُقْبَلُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ، لِأَنَّهُمْ غَيْرُ أُولَئِكَ، وَلِأَنَّ هَذِهِ لَمْ يَكُنْ فِيهَا شَرَائِعُ، إنَّمَا هِيَ مَوَاعِظُ وَأَمْثَالٌ، كَذَلِكَ وَصَفَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم صُحُفَ إبْرَاهِيمَ وَزَبُورَ دَاوُد.
(وَإِذَا اخْتَارَ كَافِرٌ لَا تُعْقَدُ لَهُ) الذِّمَّةُ كَوَثَنِيٍّ دِينًا مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَدْيَانِ، بِأَنْ تَنَصَّرَ أَوْ تَهَوَّدَ أَوْ تَمَجَّسَ، وَلَوْ بَعْدَ بَعْثِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أُقِرَّ عَلَى ذَلِكَ، وَعُقِدَتْ لَهُ الذِّمَّةُ كَالْأَصْلِيِّ، وَلَوْ كَانَ اخْتِيَارُهُ ذَلِكَ الدِّينَ (بَعْدَ التَّبْدِيلِ، أَوْ) كَانَ اخْتِيَارُهُ (الْآنَ وَلَهُ حُكْمُ الدِّينِ) الَّذِي انْتَقَلَ إلَيْهِ فِي جِزْيَةٍ " لِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقْبَلُهَا مِنْهُمْ مِنْ غَيْرِ سُؤَالٍ " وَلَوْ اخْتَلَفَ الْحُكْمُ بِذَلِكَ لَسَأَلَ عَنْهُ، وَلَوْ وَقَعَ لَنُقِلَ، وَ (لَا) يَكُونُ لَهُ حُكْمُ الدِّينِ الَّذِي انْتَقَلَ إلَيْهِ فِي (غَيْرِهَا)، أَيْ: الْجِزْيَةِ (مِنْ حِلِّ ذَبِيحَةٍ وَمُنَاكَحَةٍ) إذَا لَمْ يَكُنْ أَبَوَاهُ كِتَابِيَّانِ، وَحُكْمُهُ (كَمَنْ جُهِلَ حَالُهُ) وَلَمْ يَعْلَمْ عَلَى أَيْ دِينٍ هُوَ كِتَابِيٌّ أَوْ غَيْرُهُ، (وَادَّعَى أَنَّهُ كِتَابِيٌّ) ، فَيُقِرُّ فِي الْجِزْيَةِ فَقَطْ، (خِلَافًا لَهُ)، أَيْ: لِصَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ "(هُنَا)، أَيْ: فِي هَذَا الْمَحَلِّ، فَإِنَّهُ جُعِلَ لَهُ حُكْمُ الدِّينِ الَّذِي انْتَقَلَ إلَيْهِ مِنْ إقْرَارِهِ بِالْجِزْيَةِ وَغَيْرِهِ (تَبَعًا لِجَمَاعَةٍ) ، وَالْمَذْهَبُ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ.
(وَلَوْ عُقِدَتْ) الذِّمَّةُ (لِ) لِكُفَّارٍ، (زَاعِمِ) ينَ أَنَّهُمْ أَهْلُ (كِتَابٍ، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُمْ عَبَدَةُ أَوْثَانٍ) أَوْ نَحْوُهُمْ، (فَ) هُوَ (عَقْدٌ بَاطِلٌ) ، لِفَوَاتِ شَرْطِهِ وَمَنْ وُلِدَ بَيْنَ أَبَوَيْنِ لَا تُقْبَلُ مِنْ أَحَدِهِمَا الْجِزْيَةُ قُبِلَتْ مِنْهُ، لِعُمُومِ النَّصِّ، وَلِأَنَّهُ اخْتَارَ أَفْضَلَ الدِّينَيْنِ وَأَقَلَّهُمَا كُفْرًا
(وَنَصَارَى الْعَرَبِ وَيُهَوِّدهُمْ وَمَجُوسِهِمْ مِنْ بَنِي تَغْلِبَ) ، بِفَتْحِ التَّاءِ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ وَكَسْرِ اللَّامِ، وَظَاهِرُهُ: حَتَّى حَرْبِيٌّ مِنْهُمْ، لَمْ يَدْخُلْ
فِي صُلْحِ عُمَرَ، خِلَافًا لِمَا قَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " وَتَبِعَهُ فِي " الْإِقْنَاعِ " وَكَانَ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنْ يُشِيرَ إلَى ذَلِكَ (وَغَيْرُهُمْ كَمَنْ تَنَصَّرَ مِنْ تَنُوخ) ، قَبِيلَةٌ سُمُّوا بِذَلِكَ، لِأَنَّهُمْ اجْتَمَعُوا فَأَقَامُوا فِي مَوَاضِعِهِمْ، يُقَالُ: تَنَخَ بِالْمَكَانِ أَقَامَ بِهِ، (وَبَهْرَاءَ) ، بِفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْهَاءِ وَفَتْحِ الرَّاءِ، بَعْدَهَا أَلْفٌ، وَزَانَ حَمْرَاءَ: قَبِيلَةٌ مِنْ قُضَاعَةَ، (أَوْ تَهَوَّدَ مِنْ كِنَانَةَ) ، بِكَسْرِ الْكَافِ، (وَحِمْيَرَ) ، بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، (أَوْ تَمَجَّسَ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ وَمُضَرَ لَا جِزْيَةَ عَلَيْهِمْ، وَلَوْ بَذَلُوهَا) ، لِأَنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ مُؤَبَّدٌ، وَقَدْ عَقَدَهُ عُمَرُ مَعَهُمْ هَكَذَا
(وَيُؤْخَذُ عِوَضُهَا)، أَيْ: الْجِزْيَةُ (زَكَاتَانِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ مِمَّا فِيهِ زَكَاةٌ)" لِأَنَّ عُمَرَ ضَعَّفَ عَلَيْهِمْ مِنْ الْإِبِلِ فِي كُلِّ خَمْسٍ شَاتَانِ، وَمِنْ كُلِّ ثَلَاثِينَ بَقَرَةً تَبِيعَانِ، وَمِنْ كُلِّ عِشْرِينَ دِينَارًا دِينَارٌ، وَمِنْ كُلِّ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ، وَفِيمَا سَقَتْ الْمَاءُ الْخُمُسُ، وَفِيمَا سُقِيَ بِنَضْحٍ أَوْ غَرْبٍ أَوْ دُولَابٍ الْعُشْرُ "(حَتَّى مِمَّنْ لَمْ تَلْزَمْهُ جِزْيَةٌ) كَالصَّغِيرِ وَالنِّسَاءِ وَالْمَجَانِينِ وَالزَّمْنَى وَالْعُمْيِ وَالشُّيُوخِ وَنَحْوِهِمْ لِأَنَّ اعْتِبَارَهَا بِالْأَنْفُسِ سَقَطَ وَانْتَقَلَ إلَى الْأَمْوَالِ بِتَقْرِيرِهِمْ، فَتُؤْخَذُ مِنْ كُلِّ مَالٍ زَكَوِيٍّ، سَوَاءٌ كَانَ صَاحِبُهُ مِنْ أَهْلِ الْجِزْيَةِ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَلِأَنَّ نِسَاءَهُمْ وَصِبْيَانَهُمْ صِينُوا عَنْ السَّبِيِّ بِهَذَا الصُّلْحِ وَدَخَلُوا فِي حُكْمِهِ فَجَازَ أَنْ يَدْخُلُوا فِي الْوَاجِبِ بِهِ كَالرِّجَالِ الْعُقَلَاءِ، وَلِهَذَا لَا تُؤْخَذُ مِنْ فَقِيرِهِمْ وَلَوْ مُعْتَمَلًا، وَلَا مِمَّنْ لَهُ مَالٌ دُونَ نِصَابٍ، أَوْ غَيْرِ زَكَوِيٍّ كَالْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ لِغَيْرِ التِّجَارَةِ، لِظَاهِرِ الْخَبَرِ (وَمَصْرِفُهَا)، أَيْ: الزَّكَاةُ الْمُضَعَّفَةُ (كَ) مَصْرِفِ (جِزْيَةٍ) ، لِأَنَّهَا عِوَضُهَا، (لَا كَ) مَصْرِفِ (زَكَاةٍ) ، لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ مُشْرِكٍ، فَكَانَ جِزْيَةً، وَغَايَتُهُ أَنَّهُ جِزْيَةٌ مُسَمَّاةٌ بِالصَّدَقَةِ، وَلِهَذَا قَالَ عُمَرُ:" هَؤُلَاءِ حَمْقَى رَضُوا بِالْمَعْنَى وَأَبَوْا الِاسْمَ "
(وَحَرُمَ تَجْدِيدُ جِزْيَةٍ عَلَيْهِمْ)، أَيْ: الْمَذْكُورِينَ، (لِأَنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ مُؤَبَّدٌ، وَقَدْ عَقَدَهُ عُمَرُ) بْنُ الْخَطَّابِ (رضي الله عنه هَكَذَا،