الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(وَصَامَ) الَّذِي ظَهَرَ لَهُ أَنَّهُ رَمَضَانُ، (وَيُجْزِئُهُ) الصَّوْمُ (إنْ شَكَّ هَلْ وَقَعَ صَوْمُهُ قَبْلَهُ)، أَيْ: قَبْلَ رَمَضَانَ، (أَوْ) وَقَعَ (بَعْدَهُ) ، لِأَنَّهُ أَدَّى فَرْضَهُ بِاجْتِهَادٍ، وَلَا يَضُرُّ تَرَدُّدُهُ فِي النِّيَّةِ لِمَكَانِ الضَّرُورَةِ، (كَمَا لَوْ وَافَقَهُ)، أَيْ: رَمَضَانَ (أَوْ) وَافَقَ (مَا بَعْدَهُ)، أَيْ: بَعْدَ رَمَضَانَ كَذِي الْحِجَّةِ أَوْ مُحَرَّمٍ وَنَحْوِهِ كَالصَّلَاةِ، (لَا إنْ وَافَقَ) صَوْمُهُ رَمَضَانَ (الْقَابِلَ، فَلَا يُجْزِئُ) هـ (عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا)، أَيْ: الرَّمَضَانَيْنِ (اعْتِبَارًا بِنِيَّةِ التَّعْيِينِ) وَهُوَ الْمَذْهَبُ. (وَ) إنْ صَامَ شَوَّالًا أَوْ ذِي الْحِجَّةِ، فَإِنَّهُ (يَقْضِي مَا وَافَقَ عِيدًا أَوْ أَيَّامَ تَشْرِيقٍ) ، لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ صَوْمُهَا عَنْ رَمَضَانَ، (وَلَوْ صَامَ) مَنْ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الْأَشْهُرُ (شَعْبَانَ ثَلَاثَ سِنِينَ مُتَوَالِيَةً، ثُمَّ عَلِمَ) الْحَالَ، (قَضَى مَا فَاتَ) وَهُوَ رَمَضَانُ ثَلَاثَ سِنِينَ قَضَاءً، (مُرَتِّبًا شَهْرًا عَلَى إثْرِ شَهْرٍ) بِالْبَيِّنَةِ (كَصَلَاةٍ فَائِتَةٍ) نَصًّا، نَقَلَهُ مُهَنَّا. (وَيَتَّجِهُ: أَنَّ التَّرْتِيبَ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِلصِّحَّةِ) ، فَيَجُوزُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الشُّهُورِ وَالْأَيَّامِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُؤَخِّرُهُ عَنْ شَعْبَانَ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَمَنْ ظَنَّ أَنَّ الشَّهْرَ لَمْ يَدْخُلْ) فَصَامَ، لَمْ يُجْزِئْهُ وَلَوْ أَصَابَ، (أَوْ شَكَّ) أَنْ الشَّهْرَ لَمْ يَدْخُلْ (فَصَامَ، لَمْ يُجْزِئْهُ وَلَوْ أَصَابَ) كَمَا لَوْ تَرَدَّدَ فِي دُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ.
[فَصْلٌ عَلَيَّ مِنْ يَجِب الصَّوْم]
(فَصْلٌ)(وَيَجِبُ الصَّوْمُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ عَاقِلٍ بَالِغٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى:
{كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} [البقرة: 183] ، فَلَا يَجِبُ عَلَى كَافِرٍ، وَلَوْ أَسْلَمَ فِي أَثْنَائِهِ، لَمْ يَلْزَمْهُ مَا مَضَى مِنْ الْأَيَّامِ، لِحَدِيثِ ابْنِ مَاجَهْ فِي وَفْدِ ثَقِيفٍ «قَدِمُوا عَلَيْهِ فِي رَمَضَانَ، وَضَرَبَ عَلَيْهِمْ قُبَّةً بِالْمَسْجِدِ، فَلَمَّا أَسْلَمُوا صَامُوا مَا بَقِيَ مِنْ الشَّهْرِ» وَلِأَنَّ كُلَّ يَوْمٍ عِبَادَةٌ مُفْرَدَةٌ.
(قَادِرٍ) عَلَى صَوْمٍ لَا عَلَى عَاجِزٍ عَنْهُ لِنَحْوِ مَرَضٍ لِلْآيَةِ، وَلَا يَجِبُ عَلَى مَجْنُونٍ، وَلَا صَغِيرٍ، وَلَوْ مُرَاهِقًا، لِحَدِيثِ:«رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ» وَيَصِحُّ مِنْ مُمَيِّزٍ كَالصَّلَاةِ لَا مِنْ مَجْنُونٍ، (لَكِنْ عَلَى وَلِيِّ صَغِيرٍ مُطِيقٍ) لِلصَّوْمِ (أَمْرُهُ بِهِ، وَضَرْبُهُ عَلَيْهِ لِيَعْتَادَهُ) إذَا بَلَغَ كَالصَّلَاةِ إلَّا أَنَّ الصَّوْمَ أَشَقُّ فَاعْتُبِرَتْ الطَّاقَةُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُطِيقُ الصَّلَاةَ مَنْ لَا يُطِيقُ الصَّوْمَ.
(وَفِي " الْمُغْنِي " اعْتِبَارُهُ)، أَيْ: أَمْرِ الصَّغِيرِ بِالصَّوْمِ (بِالْعَشْرِ أَوْلَى)، لِأَمْرِهِ صلى الله عليه وسلم بِالضَّرْبِ عِنْدَهَا. (وَيَتَّجِهُ: أَنَّ تَفْصِيلَهُ) أَيْ: الْأَمْرِ بِالصَّوْمِ (كَ) تَفْصِيلِ الْأَمْرِ بَال (صَّلَاةِ) ، مِنْ أَنَّهُ يُؤْمَرُ بِهِ لِسَبْعٍ إنْ أَطَاقَهُ، وَحَدَّ الْإِطَاقَةَ ابْنُ أَبِي مُوسَى بِصَوْمِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَوَالِيَةٍ وَلَا يَضُرُّهُ، (فَهِيَ)، أَيْ: الصَّلَاةُ (آكَدُ مِنْهُ) ؛ لِأَنَّهَا لَا مَضَرَّةَ فِي مُدَاوَمَةِ الْمُمَيِّزِ عَلَيْهَا.
(وَلَا يُضْرَبُ) مُمَيِّزٌ عَلَى تَرْكِهِ (إلَّا لِعَشْرٍ) وَلَوْ أَطَاقَهُ؛ لِلْخِلَافِ فِي وُجُوبِهِ عَلَيْهِ إذَنْ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَمَنْ عَجَزَ عَنْهُ) أَيْ: الصَّوْمِ (لِكِبَرٍ) كَشَيْخٍ هَرِمٍ وَعَجُوزٍ يُجْهِدُهُمَا
الصَّوْمُ، وَيَشُقُّ عَلَيْهِمَا مَشَقَّةً شَدِيدَةً (أَوْ) عَجَزَ عَنْهُ (لِمَرَضٍ لَا يُرْجَى بَرْؤُهُ، أَفْطَرَ وَعَلَيْهِ) ، أَيْ مَنْ عَجَزَ عَنْهُ لِكِبَرٍ أَوْ مَرَضٍ لَا يُرْجَى بَرْؤُهُ، إنْ كَانَ فِطْرُهُ (لَا مَعَ) عُذْرٍ مُعْتَادٍ (نَحْوِ سَفَرٍ: عَنْ كُلِّ يَوْمٍ طَعَامُ مِسْكِينٍ مُدُّ بُرٍّ، أَوْ مُدَّانِ مِنْ غَيْرِهِ) ، لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْله تَعَالَى:{وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ} [البقرة: 184] لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ هِيَ لِلْكَبِيرِ الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ الصَّوْمَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمَعْنَاهُ: عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ مُعَاذٍ، وَلَمْ يُدْرِكْهُ، رَوَاهُ أَحْمَدُ. وَلِأَبِي دَاوُد بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى: حَدَّثَنَا أَصْحَابُنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: فَذَكَرَهُ وَأَلْحَقَ بِهِ مَنْ لَا يُرْجَى بَرْءُ مَرَضِهِ
، فَإِنْ كَانَ الْعَاجِزُ عَنْهُ لِكِبَرٍ أَوْ مَرَضٍ لَا يُرْجَى بَرْؤُهُ مُسَافِرًا فَلَا فِدْيَةَ لِفِطْرِهِ بِعُذْرٍ مُعْتَادٍ وَلَا قَضَاءَ لِعَجْزِهِ عَنْهُ فَيُعَايَا بِهَا.
(وَلَا يَسْقُطُ) الْإِطْعَامُ (بِعَجْزٍ) عَنْهُ (وَلَا يُجْزِئُ صَوْمُ غَيْرِهِ) أَيْ: الْمَعْذُورِ (عَنْهُ) كَالصَّلَاةِ.
(وَمَنْ أَيِسَ) مِنْ بَرْئِهِ (ثُمَّ قَدَرَ عَلَى قَضَاءٍ لَمْ يَقْضِ) مَا أَفْطَرَهُ؛ لِأَنَّهُ كَمَعْضُوبٍ عَجَزَ عَنْ حَجٍّ، وَأَحَجَّ عَنْهُ، ثُمَّ عُوفِيَ، فَلَا يَلْزَمُهُ قَضَاءٌ اعْتِبَارًا بِوَقْتِ الْوُجُوبِ.
(وَيَتَّجِهُ: هَذَا) أَيْ: عَدَمُ وُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ (إنْ كَانَ قَدْ أَطْعَمَ) قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقَضَاءِ (لِئَلَّا يَجْمَعَ بَيْنَ بَدَلٍ وَمُبْدَلٍ) أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ أَطْعَمَ، فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ كَمَعْضُوبٍ عُوفِيَ قَبْلَ إحْرَامِ نَائِبِهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَسُنَّ فِطْرٌ وَكُرِهَ صَوْمٌ) لِمُسَافِرٍ (بِسَفَرِ قَصْرٍ) أَيْ: فِي أَثْنَائِهِ (وَلَوْ بِلَا مَشَقَّةٍ) لِحَدِيثِ «لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ وَزَادَ:«عَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللَّهِ الَّتِي رَخَّصَ لَكُمْ، فَاقْبَلُوهَا»
وَإِنْ صَامَ أَجْزَأَهُ نَصًّا؛ لِحَدِيثِ «هِيَ رُخْصَةٌ مِنْ اللَّهِ فَمَنْ أَخَذَ بِهَا، فَهُوَ حَسَنٌ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ، فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ.
(فَلَوْ سَافَرَ) مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الصَّوْمُ بِرَمَضَانَ (لِيُفْطِرَ) فِيهِ، (حَرُمَ) عَلَيْهِ (فِطْرٌ) أَمَّا السَّفَرُ فَلِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ إلَى الْفِطْرِ الْمُحَرِّمِ، وَأَمَّا الْفِطْرُ فَلِعَدَمِ الْعُذْرِ الْمُبِيحِ، وَهُوَ السَّفَرُ الْمُبَاحِ. (وَيَتَّجِهُ احْتِمَالٌ) قَوِيٌّ:(وَكَذَا) لَوْ سَافَرَ (لِيَقْصُرَ) الرَّبَاعِيَةَ (وَيَمْسَحَ ثَلَاثًا) ، فَيَحْرُمُ السَّفَرُ لِذَلِكَ، وَلَا يَسْتَبِيحُ الْمَسْحَ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَ) سُنَّ فِطْرٌ وَكُرِهَ صَوْمٌ (لِخَوْفِ مَرَضٍ بِعَطَشٍ أَوْ غَيْرِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185] وَلِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْمَرِيضِ بِتَضَرُّرِهِ بِالصَّوْمِ.
(وَ) سُنَّ فِطْرٌ وَكُرِهَ صَوْمٌ (لِخَوْفِ مَرِيضٍ وَحَادِثٍ بِهِ فِي يَوْمِهِ ضَرَرًا بِزِيَادَتِهِ أَوْ طُولِهِ) أَيْ: الْمَرَضِ، (وَلَوْ بِقَوْلِ) طَبِيبٍ غَيْرِ مُسْلِمٍ (ثِقَةٍ) مَا لَمْ يَكُنْ الْمَرِيضُ طَبِيبًا، وَلَوْ فَاسِقًا كَإِفْتَاءِ فَاسِقٍ نَفْسَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184] . إلَى قَوْلِهِ: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185] وَ (لَا) يُبَاحُ فِطْرٌ (لِمَنْ) أَيْ: مَرِيضٍ (لَمْ يَتَضَرَّرُ بِهِ) أَيْ: الصَّوْمِ (كَمَنْ بِهِ جَرَبٌ أَوْ وَجَعُ ضِرْسٍ أَوْ أُصْبُعٍ أَوْ دُمَّلٌ وَنَحْوُهُ)، قِيلَ لِأَحْمَدَ: مَتَى يُفْطِرُ الْمَرِيضُ؟ قَالَ: إذَا لَمْ يَسْتَطِعْ، قِيلَ: مِثْلُ الْحُمَّى؟ قَالَ: وَأَيُّ مَرَضٍ أَشَدُّ مِنْ الْحُمَّى؟ (وَيُبَاحُ فِطْرٌ بِقَوْلِهِ) أَيْ: الطَّبِيبِ الثِّقَةِ: (إنَّ الصَّوْمَ مِمَّا يُمَكِّنُ الْعِلَّةَ، أَوْ) بِقَوْلِهِ: إنَّ الصَّوْمَ (لَا يَنْفَعُ مَعَهُ تَدَاوٍ) كَمَنْ بِهِ (نَحْوُ مَرَضٍ) يَضُرُّهُ تَرْكُ التَّدَاوِي، (وَرَمَدٍ) يُخْشَى زِيَادَتُهُ بِتَرْكِ الِاكْتِحَالِ
(وَجَائِفَةٍ وَمَأْمُومَةٍ) كَذَلِكَ (وَقَالَ) أَبُو بَكْرٍ (الْآجُرِّيُّ: مَنْ صَنْعَتُهُ شَاقَّةٌ فَإِنْ خَافَ) بِالصَّوْمِ (تَلَفًا، أَفْطَرَ وَقَضَى) إنْ ضَرَّهُ تَرْكُ الصَّنْعَةِ، (فَإِنْ لَمْ يَضُرَّهُ تَرْكُهَا أَثِمَ) بِالْفِطْرِ وَيَتْرُكُهَا، (وَإِلَّا)، أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَنْتَفِ الضَّرَرُ بِتَرْكِهَا، (فَلَا) إثْمَ عَلَيْهِ بِالْفِطْرِ لِلْعُذْرِ
(وَمَنْ قَاتَلَ عَدُوًّا أَوْ أَحَاطَ الْعَدُوُّ بِبَلَدِهِ، وَالصَّوْمُ يُضْعِفُهُ) عَنْ الْقِتَالِ، (سَاغَ لَهُ الْفِطْرُ) بِدُونِ سَفَرٍ (نَصًّا) فَعَلَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَأَمَرَ بِهِ لَمَّا نَازَلَ الْعَدُوُّ دِمَشْقَ لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ
(وَإِنْ نَوَى حَاضِرٌ صَوْمَ يَوْمٍ) بِرَمَضَانَ (وَسَافَرَ فِي أَثْنَائِهِ) أَيْ: الْيَوْمِ طَوْعًا أَوْ كُرْهًا، (فَلَهُ الْفِطْرُ) لِظَاهِرِ الْآيَةِ وَالْأَخْبَارِ كَالْمَرَضِ الطَّارِئِ وَلَوْ بِفِعْلِهِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهَا حَيْثُ وَجَبَ إتْمَامُهَا لَمْ تَقْصُرْ، لِآكَدِيَّتِهَا، وَعَدَمِ مَشَقَّةِ إتْمَامِهَا، (إذَا فَارَقَ بُيُوتَ قَرْيَتِهِ) الْعَامِرَةَ وَنَحْوَهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّهُ قَبْلَهُ لَا يُسَمَّى مُسَافِرًا، (وَالْأَفْضَلُ) لِحَاضِرٍ نَوَى صَوْمًا، وَسَافَرَ فِي أَثْنَائِهِ (عَدَمُهُ)، أَيْ: عَدَمِ الْفِطْرِ خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ.
(وَيَتَّجِهُ: لُزُومُ تَبْيِيتِ نِيَّةِ) الصَّوْمِ (مِمَّنْ نَوَى السَّفَرَ نَهَارًا) ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَحْدُثُ لَهُ عَائِقٌ عَنْ السَّفَرِ، وَهَذَا الِاتِّجَاهُ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ؛ إذْ مِنْ الْمَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أَنَّهُ لَا يَسُوغُ الْفِطْرُ لِلْمُسَافِرِ إلَّا إذَا فَارَقَ بُيُوتَ قَرْيَتِهِ الْعَامِرَةَ
(وَجَازَ وَطْءٌ لِمَنْ بِهِ مَرَضٌ يَنْتَفِعُ بِهِ)، أَيْ: الْوَطْءِ (فِيهِ)، أَيْ: الْمَرَضِ، كَالْمُدَاوَاةِ (وَمَنْ بِهِ شَبَقٌ يَخَافُ تَشَقُّقَ نَحْوِ ذَكَرِهِ) - كَأُنْثَيَيْهِ إنْ لَمْ يَطَأْ، (وَلَمْ تَنْدَفِعْ شَهْوَتُهُ بِدُونِ وَطْءٍ كَاسْتِمْنَاءٍ بِيَدِهِ، أَوْ يَدِ زَوْجَتِهِ) كَسُرِّيَّتِهِ -، (جَامَعَ، وَلَا كَفَّارَةَ) نَقَلَهُ الشَّالَنْجِيُّ، فَإِنْ انْدَفَعَتْ شَهْوَتُهُ بِدُونِهِ لَمْ يَجُزْ؛ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ (وَيَقْضِي) عَدَدَ مَا أَفْسَدَهُ مِنْ الْأَيَّامِ،
لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184](مَا لَمْ يَتَعَذَّرْ) عَلَيْهِ (قَضَاءٌ لِشَبَقٍ فَيُطْعِمُ) لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا، (كَكَبِيرٍ) عَاجِزٍ عَنْ صَوْمٍ، (وَمَتَى لَمْ يُمْكِنْهُ) الْوَطْءُ لِدَفْعِ الشَّبَقِ (إلَّا بِإِفْسَادِ صَوْمِ مَوْطُوءَةٍ) ، بِأَنْ لَمْ تَنْدَفِعْ شَهْوَتُهُ بِاسْتِمْنَاءٍ بِيَدِ زَوْجَتِهِ أَوْ جَارِيَتِهِ، وَلَا بِمُبَاشَرَةٍ دُونَ الْفَرْجِ، (جَازَ) لَهُ الْوَطْءُ (ضَرُورَةً) أَيْ لِدُعَاءِ الضَّرُورَةِ إلَيْهِ كَأَكْلِ مُضْطَرٍّ مَيِّتَةً، فَإِنْ كَانَ حَائِضٌ وَصَائِمَةٌ طَاهِرٌ مِنْ زَوْجَةٍ وَسُرِّيَّةٍ (فَ) وَطْءُ طَاهِرٍ (صَائِمَةٍ أَوْلَى مِنْ) وَطْءِ (حَائِضٍ) ، لِنَهْيِ الْكِتَابِ عَنْ وَطْءِ الْحَائِضِ، وَتَعَدِّي ضَرَرِهِ.
(وَتَتَعَيَّنُ) لِلْوَطْءِ (مَنْ لَمْ تَبْلُغْ) مِنْ زَوْجَةٍ وَأَمَةٍ مُبَاحَةٍ (كَمَجْنُونَةٍ وَكِتَابِيَّةٍ) لِتَحْرِيمِ إفْسَادِ صَوْمِ الْبَالِغَةِ بِلَا ضَرُورَةٍ إلَيْهِ.
(وَكُرِهَ صَوْمُ حَامِلٍ وَمُرْضِعٍ خَافَتَا عَلَى أَنْفُسِهِنَّ أَوْ) خَافَتَا عَلَى (الْوَلَدِ) كَالْمَرِيضِ، وَأَوْلَى، (وَيَقْضِيَانِ لِفِطْرٍ) عَدَدَ أَيَّامِ فِطْرِهِمَا لِقُدْرَتِهِمَا عَلَى الْقَضَاءِ (وَيَلْزَمُ مَنْ يُمَوِّنُ الْوَلَدَ إنْ خِيفَ عَلَيْهِ فَقَطْ) مِنْ الصَّوْمِ (إطْعَامُ مِسْكِينٍ فَوْرًا) لِوُجُوبِهِ كَذَلِكَ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهَذَا أَقْيَسُ (لِكُلِّ يَوْمٍ) أَفْطَرَتْهُ حَامِلٌ أَوْ مُرْضِعٌ خَوْفًا عَلَى الْوَلَدِ (مَا) أَيْ: طَعَامًا (يُجْزِئُ فِي كَفَّارَةٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} [البقرة: 184] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " كَانَتْ رُخْصَةٌ لِلشَّيْخِ الْكَبِيرِ وَالْمَرْأَةِ الْكَبِيرَةِ، وَهُمَا يُطِيقَانِ الصِّيَامَ أَنْ يُفْطِرَا وَيُطْعِمَا مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا، وَالْحُبْلَى وَالْمُرْضِعُ إذَا خَافَتَا عَلَى أَوْلَادِهِمَا، أَفْطَرَتَا وَأَطْعَمَتَا، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَلِأَنَّهُ فِطْرٌ بِسَبَبِ نَفْسٍ عَاجِزَةٍ مِنْ طَرِيقِ الْخِلْقَةِ، فَوَجَبَتْ بِهِ الْكَفَّارَةُ، كَالشَّيْخِ الْهَرِمِ.
(وَتُجْزِئُ) كَفَّارَةٌ (لِ) مِسْكِينٍ (وَاحِدٍ جُمْلَةً) وَاحِدَةً، قَالَ فِي " الْمُحَرَّرِ ": إنْ أَتَى بِهِ مَعَ الْقَضَاءِ جَازَ؛ لِأَنَّهُ كَالتَّكْمِلَةِ لَهُ (وَمَتَى قَبِلَ
رَضِيعٌ ثَدْيِ غَيْرِهَا) أَيْ أُمِّهِ (وَقَدَرَ وَلِيُّهُ يَسْتَأْجِرُ لَهُ، لَمْ تُفْطِرْ أُمُّهُ) ؛ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ، (وَظِئْرٌ) أَيْ: مُرْضِعَةٌ لِوَلَدِ غَيْرِهَا (كَأُمٍّ) فِي إبَاحَةِ الْفِطْرِ إنْ خَافَتْ عَلَى نَفْسِهَا، أَوْ الرَّضِيعِ، فَإِنْ وَجَبَ إطْعَامٌ فَعَلَى مَنْ يُمَوِّنُهُ، (فَلَوْ تَغَيَّرَ لَبَنُهَا) أَيْ الظِّئْرِ الْمُسْتَأْجَرَةِ لِلْإِرْضَاعِ (بِ) سَبَبِ (صَوْمِهَا أَوْ نَقَصَ) لَبَنُهَا بِصَوْمِهَا، (فَلِمُسْتَأْجَرِ) هَا (الْفَسْخُ) لِلْإِجَارَةِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ.
(وَتَأْثَمُ) مُرْضِعَةٌ صَامَتْ (بِقَصْدِ إضْرَارِ) مُرْتَضِعٍ (وَتُجْبَرُ) أَيْ: يُجْبِرُهَا الْحَاكِمُ بِطَلَبِ مُسْتَأْجِرٍ (عَلَى فِطْرٍ إنْ تَأَذَّى رَضِيعٌ) بِصَوْمِهَا، فَإِنْ قَصَدَتْ الْأَضْرَارَ أَثِمَتْ، ذَكَرَهُ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ.
(وَيَجِبُ فِطْرٌ عَلَى مَنْ احْتَاجَهُ) أَيْ: الْفِطْرَ (لِإِنْقَاذِ آدَمِيٍّ مَعْصُومٍ مِنْ مَهْلَكَةٍ كَغَرَقٍ وَنَحْوِهِ) ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ تَدَارُكُ الصَّوْمِ بِالْقَضَاءِ، بِخِلَافِ الْغَرِيقِ وَنَحْوِهِ.
(وَ) إنْ جُعِلَ لِمُنْقِذِ مَعْصُومٍ ضَعُفَ فِي نَفْسِهِ بِسَبَبِ إنْقَاذِهِ فَأَفْطَرَ، فَ (لَا يَفْدِي) هُوَ وَلَا الْمَعْصُومُ، كَالْمَرِيضِ، (وَإِنْ قَدَرَ) الْمُنْقِذُ عَلَى الْإِنْقَاذِ (بِدُونِ فِطْرٍ) وَجَبَ عَلَيْهِ وَ (حَرُمَ) الْفِطْرُ، لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ، (فَإِنْ دَخَلَ الْمَاءُ حَلْقَهُ لَمْ يُفْطِرْ) لِأَنَّهُ لَا صُنْعَ لَهُ بِذَلِكَ.
(وَيَتَّجِهُ كَآدَمِيٍّ) فِي وُجُوبِ إنْقَاذِهِ، وَوُجُوبِ الْفِطْرِ عَلَى مُضْطَرٍّ إلَيْهِ لِإِنْقَاذِ (حَيَوَانٍ مُحْتَرِمٍ) تَخْلِيصًا لَهُ مِنْ الْمَهْلَكَةِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَيَصِحُّ صَوْمُ مَنْ خَافَ تَلَفًا) بِصَوْمِهِ (وَيُكْرَهُ)، قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ (وَاخْتَارَ جَمْعٌ) مِنْهُمْ: صَاحِبُ " الِانْتِصَارِ " وَ " فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ " وَ " الْحَاوِيَيْنِ " وَ " الْفَائِقِ " وَغَيْرِهِمْ: (يَحْرُمُ) صَوْمُهُ قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَلَمْ أَجِدْهُمْ ذَكَرُوا فِي الْإِجْزَاءِ خِلَافًا، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ فِي صَوْمِ الظِّهَارِ: يَجِبُ فِطْرُهُ بِمَرَضٍ مَخُوفٍ.