الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ويستحب مثل دعاء نوح اقتداء به لجميع المؤمنين والمؤمنات من الأحياء والأموات.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
1 -
لا تجوز الشكوى إلا إلى الله عز وجل، ولذا شكى نوح قومه إلى ربه، وأنهم عصوه ولم يتبعوه فيما أمرهم به من الإيمان، بعد أن لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما، داعيا لهم، وهم على كفرهم وعصيانهم. قال ابن عباس: رجا نوح عليه السلام الأبناء بعد الآباء؛ فيأتي بهم الولد بعد الولد، حتى بلغوا سبعة قرون، ثم دعا عليهم بعد الإياس منهم، وعاش بعد الطوفان ستين عاما حتى كثر الناس وفشوا.
2 -
يقلد الناس في العادة قادتهم وكبراءهم، وقد اتبع قوم نوح رؤساءهم وأغنياءهم الذين لم يزدهم كفرهم وأموالهم وأولادهم إلا ضلالا في الدنيا وهلاكا في الآخرة؛ ومكروا مكرا عظيما بصرف الناس الأتباع عن الدين والإيمان، وبإغراء السفلة على قتل نوح عليه السلام.
3 -
أصرّ قوم نوح على الكفر والعناد والتمرد وعبادة الأصنام، وتواصوا بعبادة الأوثان وترك عبادة الله، ولا سيما عبادة ودّ وسواع ويغوث ويعوق ونسر، وهي أصنام وصور، كان قوم نوح يعبدونها، ثم عبدتها العرب.
4 -
أكد نوح عليه السلام في شكواه أنه أضل كبراء قومه كثيرا من أتباعهم، لذا دعا عليهم بقوله: ولا تزد الظالمين الكافرين إلا عذابا
(1)
وخسرانا وضلالا عن
(1)
كما جاء في قوله تعالى: إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ [القمر 47/ 54] والضلال هنا: العذاب.
طريق أهل الجنة، أو ضلال مكرهم. وإنما دعا نوح عليهم بالضلال غضبا عليهم حين عرف بالقرائن المفيدة للجزم أنهم لا يكادون يؤمنون.
5 -
إن خطايا وذنوب قوم نوح هي السبب في الإغراق بالطوفان ودخول نار جهنم بعد إغراقهم، فلم يجدوا حينئذ أحدا يمنعهم من عذاب الله.
6 -
استدل بعض أهل السنة وهو القشيري بآية {أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً} على إثبات عذاب القبر؛ لأن إدخال النار حصل عقيب الإغراق، فلا يحمل على عذاب الآخرة، وإلا بطلت دلالة الفاء على التعقيب، ولأنه قال:
{فَأُدْخِلُوا} على سبيل الإخبار عن الماضي، وهذا إنما يصدق لو وقع ذلك.
ورد الرازي بأن الذي قالوه ترك للظاهر من غير دليل؛ لأن المعنى صاروا مستحقين دخول النار، وأما التعبير بقوله:{فَأُدْخِلُوا} فهو عن المستقبل بلفظ الماضي، لتأكد وقوعه وصحة وجوده
(1)
.
7 -
قوله تعالى: {فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْصاراً} حجة على كل من عول على شيء غير الله تعالى؛ لأن الآية تعريض بالمشركين الذين واظبوا على عبادة الأصنام، لتكون دافعة للآفات عنهم، جالبة للمنافع إليهم، فلما جاءهم عذاب الله لم ينتفعوا بتلك الأصنام، وما دفعت عنهم شيئا من عذاب الله.
8 -
دعا نوح على الكفار بالدمار والهلاك بعد أن يئس من اتباعهم إياه، وبعد أن أوحى الله إليه:{أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاّ مَنْ قَدْ آمَنَ} [هود 36/ 11] فأجاب الله دعوته وأغرق أمته. وهذا
كقول النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، وهازم الأحزاب، اهزمهم وزلزلهم» .
قال ابن العربي: دعا نوح على الكافرين أجمعين ودعا النبي صلى الله عليه وسلم على من
(1)
تفسير الرازي: 145/ 30
تحزب على المؤمنين وألّب عليهم. وكان هذا أصلا في الدعاء على الكافرين في الجملة، فأما كافر معين لم تعلم خاتمته فلا يدعى عليه؛ لأن مآله عندنا مجهول، وربما كان عند الله معلوم الخاتمة بالسعادة. وإنما خص النبي صلى الله عليه وسلم بالدعاء عتبة وشيبة وأصحابهما؛ لعلمه بمآلهم وما كشف له من الغطاء عن حالهم، والله أعلم
(1)
.
9 -
دعا نوح أيضا لنفسه ولوالديه، وكانا مؤمنين، ولكل من دخل منزله مؤمنا، أو دخل مسجده ومصلاه مصليا مصدقا بالله تعالى، ولجميع المؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات عامّة إلى يوم القيامة.
ثم دعا أيضا على الكافرين في مقابلة أهل الإيمان بقوله: {وَلا تَزِدِ الظّالِمِينَ إِلاّ تَباراً} أي لا تزد الكافرين إلا هلاكا، وهذا عام في كل كافر ومشرك.
(1)
أحكام القرآن: 1848/ 4 وما بعدها.