الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثم دعوا ربهم أن يعوضهم عما حلّ بهم، فقالوا:
{عَسى رَبُّنا أَنْ يُبْدِلَنا خَيْراً مِنْها، إِنّا إِلى رَبِّنا راغِبُونَ} أي لعل الله ربّنا أن يعطينا بدلا خيرا من جنتنا، فإنا راجون العفو والخير منه. قال مجاهد: إنهم تابوا فأبدلوا خيرا منها.
ثم ذكر الله تعالى العبرة من القصة، فقال:
{كَذلِكَ الْعَذابُ، وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ} أي مثل ذلك العذاب الذي بلونا به أهل الجنة من الحرمان، وأهل مكة من القحط والقتل عذاب الدنيا، وهو عذاب كل من خالف أمر الله، وبخل بما آتاه الله وأنعم به عليه، ومنع حق المسكين والفقير، وإن عذاب الآخرة أشد وأعظم وأشق من عذاب الدنيا، فلو كان المشركون يعلمون ذلك، لعادوا إلى رشدهم، وبادروا إلى الإيمان بدعوة النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم، وأقلعوا عن الغي والضلال، ولكنهم لا يعلمون. وهذا دليل على غفلتهم وجهلهم وبعدهم عن الحق والصواب.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلّت قصة أصحاب الجنة على ما يأتي:
1 -
الدنيا دار ابتلاء واختبار، فقد ابتلى الله تعالى أصحاب الجنة (البستان) وابتلى أهل مكة، بأن أعطاهم ربّهم أموالا ليشكروا، لا ليبطروا، فلما بطروا، وعادى المشركون محمدا صلى الله عليه وسلم، ابتلاهم بالجوع والقحط، كما ابتلى (اختبر) أهل الجنة المعروف خبرها عندهم؛ لأنهم من أهل اليمن القريبة منهم، على بعد ستة أميال من صنعاء.
2 -
قال بعض العلماء: على من حصد زرعا أو جدّ ثمرة أن يواسي منها من حضره، وذلك معنى قوله تعالى:{وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ} [الأنعام 141/ 6]
وأنه غير الزكاة، لذا نهي عن الحصاد في الليل، لا خشية الحيّات وهوّام الأرض؛ لأن عقوبة أصحاب الجنة كانت بسبب ما أرادوه من منع المساكين، كما ذكر الله تعالى.
3 -
دلّ قوله تعالى: {إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ} على أن العزم مما يؤاخذ به الإنسان؛ لأنهم عزموا على أن يفعلوا، فعوقبوا قبل فعلهم. ونظير هذه الآية:{وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ، نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ} [الحج 25/ 22].
وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار، قيل: يا رسول الله، هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصا على قتل صاحبه» .
4 -
إن الإنسان ضعيف القوة والتدبير والرأي، فلقد أحكم أصحاب الجنة الخطّة، وصمموا على صرام الزرع والثمر أو العنب في الصباح الباكر قبل أن ينتشر المساكين في البساتين، وذهبوا جادين مسرعين، متسارّين، أي يخفون كلامهم ويسرّونه لئلا يعلم بهم أحد قائلين: لا يدخل علينا مسكين، أي لا تمكنوه من الدخول، وعزموا على حرمان المساكين، مع كونهم قادرين على نفعهم، وهم يظنون أنهم تمكنوا من مرادهم، ففوجئوا بتدمير الله وإحراقه الحرث وإتلافه الغلة والثمر.
5 -
ولما رأوا الجنة محترقة لا شيء فيها، قد صارت كالليل الأسود وأضحت كالرماد، شكوا فيها، وقالوا: ضللنا الطريق إلى جنتنا، ثم لما تيقنوا منها قالوا: بل نحن محرومون، أي حرمنا جنتنا بما صنعنا. وهذا دليل على أن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل.
6 -
كان أوسطهم، أي أمثلهم وأعدلهم وأعقلهم قد أمرهم بالاستثناء وهو سبحان الله أي تنزيها لله عز وجل، فقال لهم: هلاّ تسبّحون الله؛ أي تقولون:
سبحان الله وتشكرونه على ما أعطاكم، وتعلقون الأمر بمشيئة الله، وتتوبون إليه من خبث نيّتكم، فإن الله ينتقم من المجرمين، ولكنهم لم يطيعوه.
ثم تذكروا قوله، واعترفوا بالمعصية، ونزّهوا الله عن أن يكون ظالما فيما فعل، وإنما هم الظالمون أنفسهم في منعهم المساكين.
7 -
لام بعضهم بعضا في تدبير الخطة، كشأن كل جماعة تخيب في أمرها، فقال أحدهم لغيره: أنت أشرت علينا بهذا الرأي، وقال الآخر: أنت خوّفتنا بالفقر، وقال الثالث: أنت الذي رغبتني في جمع المال.
8 -
أكد أصحاب الجنة اعترافهم بالمعصية، فقالوا:{يا وَيْلَنا إِنّا كُنّا طاغِينَ} أي عاصين بمنع حق الفقراء وترك الاستثناء، وكان استثناؤهم تسبيحا كما قال مجاهد وغيره، وهو في موضع:«إن شاء الله» لأن المعنى تنزيه الله عز وجل أن يكون شيء إلا بمشيئته. والخلاصة في رأي الأكثرين أن معنى قوله: {لَوْلا تُسَبِّحُونَ} هلا تستثنون، فتقولون: إن شاء الله.
9 -
أعلن أصحاب الجنة توبتهم وأخلصوا نيّتهم في رأي الأكثرين، حين قالوا:{عَسى رَبُّنا أَنْ يُبْدِلَنا خَيْراً مِنْها إِنّا إِلى رَبِّنا راغِبُونَ} فإنهم تعاقدوا وتعاهدوا وقالوا: إن أبدلنا الله خيرا منها لنصنعن كما صنعت آباؤنا، فدعوا الله وتضرعوا، فأبدلهم الله، من ليلتهم تلك، ما هو خير منها. والإبدال: رفع الشيء ووضع آخر مكانه. قال مجاهد: إن هذه كانت توبة منهم، فأبدلوا خيرا منها.
10 -
هدد الله المكلفين من أهل مكة وغيرهم بقوله: {كَذلِكَ الْعَذابُ} أي عذاب الدنيا وهلاك الأموال، والمعنى: مثلما فعلنا بهؤلاء أصحاب الجنة، نفعل بمن تعدّى حدودنا في الدنيا. ثم خوّف تعالى الكفار بعذاب أشد وهو عذاب الآخرة في قوله:{وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ، لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ} .