الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
{وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً، لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} أي وأوحي إلي أنه لو استقام الجن والإنس على طريقة الإسلام لأسقيناهم ماء كثيرا، ولآتيناهم خيرا كثيرا واسعا، لنختبرهم أي لنعاملهم معاملة المختبر، فنعلم كيف شكرهم على تلك النعم، فإن أطاعوا ربّهم أثبناهم، وإن عصوه عاقبناهم في الآخرة، وسلبناهم النعمة، أو أمهلناهم ثم أهلكناهم، كما أبانت الآية التالية:
{وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذاباً صَعَداً} أي ومن يعرض عن القرآن أو عن الموعظة، فلا يأتمر بالأوامر ولا ينتهي عن النواهي، يدخله عذابا شاقا صعبا لا راحة فيه.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
1 -
تغير الحال بعد البعثة النبوية عن الجن، فإنهم كعادتهم طلبوا بلوغ السماء واستماع كلام أهلها، فوجدوها ملئت حفظة، أي ملائكة، ورموا بالشهب: وهي الكواكب المحرقة لهم، منعا من استراق السمع.
قال الرازي: والأقرب إلى الصواب أن هذه الشهب كانت موجودة قبل المبعث، إلا أنها زيدت بعد المبعث، وجعلت أكمل وأقوى، وهذا هو الذي يدل عليه لفظ القرآن؛ لأنه قال:{فَوَجَدْناها مُلِئَتْ} وهذا يدل على أن الحادث هو الملء والكثرة، وكذلك قوله:{نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ} أي كنا نجد فيها بعض المقاعد خالية من الحرس والشهب، والآن ملئت المقاعد كلها
(1)
.
2 -
لم يفهم الجن القصد من تشديد الحراسة على أخبار السماء، فهل أراد الله بهذا المنع أن ينزل على أهل الأرض عذابا، أو يرسل إليهم رسولا؟ وهل المقصود من المنع من الاستراق هو إرادة الشر بأهل الأرض، أم الصلاح والخير؟!
(1)
تفسير الرازي: 158/ 30
3 -
أخبر الجن عن حقيقتهم قبل البعثة النبوية، فقال بعضهم لبعض لما دعوا أصحابهم إلى الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم: إنا كنا قبل استماع القرآن من الصالحون ومنا الكافرون، فكنا فرقا شتى، وأديانا مختلفة، وأهواء متباينة. والمعنى: لم يكن كل الجن كفارا، بل كانوا مختلفين: منهم كفار، ومنهم مؤمنون صلحاء، ومنهم مؤمنون غير صلحاء. قال سعيد بن المسيب: كنا مسلمين ويهودا ونصارى ومجوسا.
4 -
علم الجن وأيقنوا أنهم لن يعجزوا الله ولن يفوتوه أو يفلتوا منه، سواء أكانوا في الأرض أينما وجدوا فيها، أم صاروا هاربين منها إلى السماء.
5 -
بادر الجن عند سماع القرآن إلى الإيمان بالله تعالى، والتصديق بمحمد صلى الله عليه وسلم على رسالته. وهذا دليل على أنه صلى الله عليه وسلم كان مبعوثا إلى الإنس والجن.
قال الحسن البصري: بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم إلى الإنس والجنّ، ولم يبعث الله تعالى قطّ رسولا من الجنّ، ولا من أهل البادية، ولا من النساء، وذلك قوله تعالى:
{وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى} [يوسف 109/ 12]. و
في الصحيح: «بعثت إلى الأحمر والأسود»
(1)
أي الإنس والجن.
وجزاء الإيمان: أنه لا يخاف أن ينقص من حسناته، ولا أن يزاد في سيئاته.
6 -
كذلك كان الجن بعد استماع القرآن مختلفين، فمنهم من أسلم، ومنهم من كفر، فمن أسلم، فقد طلبوا لأنفسهم النجاة، وقصدوا طريق الحق وتوخّوه، ومن جار عن طريق الحق والإيمان، فإنهم في علم الله تعالى وقود جهنم.
(1)
تفسير القرطبي: 16/ 19