الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وفسر الزمخشري قوله تعالى: {وَما يَذْكُرُونَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ} بقوله:
يعني إلا أن يقسرهم على الذكر، ويلجئهم إليه؛ لأنه مطبوع على قلوبهم، معلوم أنهم لا يؤمنون اختيارا
(1)
. وهذه طريقته على مبدأ المعتزلة في مثل هذه الآيات، وهو أن الله ترك الإيمان والكفر لاختيار العبد الذي هو مناط الثواب والعقاب، ولكن مشيئة الله قادرة على جعل العبد مؤمنا بالقهر والإلجاء أو الإكراه.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
1 -
كل نفس مرتهنة يوم القيامة بكسبها، مأخوذة بعملها، إما خلّصها وإما أوبقها، إلا أهل اليمين الذين يعطون كتبهم بأيمانهم، فإنهم لا يرتهنون بذنوبهم. قال الحسن البصري وابن كيسان: هم المسلمون المخلصون، ليسوا بمرتهنين؛ لأنهم أدّوا ما كان عليهم.
2 -
يكون أهل اليمين يوم القيامة في جنات (بساتين) يسألون عن المشركين: ما الذي أدخلكم في سقر؟ والمقصود من السؤال زيادة التوبيخ والتخجيل
(2)
.
فيذكر أهل النار أربعة أسباب هي: ترك الصلاة، وترك الصدقة، ومخالطة أهل الباطل في باطلهم، كإيذاء أهل الحق، وكل ما لا يعني المسلم، والتكذيب بيوم القيامة، يوم الجزاء والحكم، إلى أن أتانا الموت. قال العلماء:
يجب أن يحمل هذان الأمران الأوليان على الصلاة والصدقة الواجبتين، وإلا لم يجز العذاب على تركهما. وقد يستدل بالآية على أن الكفار معذبون بفروع
(1)
الكشاف: 291/ 3
(2)
تفسير الرازي: 211/ 30
الشريعة، كما يعذبون بأصولها، كالتكذيب بيوم الدين، وإنما أخر؛ لأنه أعظم الذنوب، أي إنهم بعد ذلك كله يكذبون بهذا الأصل، كقوله:{ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا} [البلد 17/ 90]
(1)
.
3 -
وبخ الله تعالى أهل مكة وأمثالهم بسبب إعراضهم وتوليهم عما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من التذكرة والعظة بالقرآن الكريم. قال مقاتل: الإعراض عن القرآن من وجهين:
أحدهما-الجحود والإنكار.
والثاني-ترك العمل بما فيه.
4 -
شبه الله سبحانه المعرضين بتشبيه مهين مستقبح، وهو تشبيههم بالحمر الوحشية إذا نفرت وهربت من الأسد. قال ابن عباس: المراد الحمر الوحشية، شبههم تعالى بالحمر مذمّة وتهجينا لهم
(2)
. وقال أيضا كما تقدم: الحمر الوحشية إذا عاينت الأسد وهربت، كذلك هؤلاء المشركون إذا رأوا محمدا صلى الله عليه وسلم هربوا منه، كما يهرب الحمار من الأسد. والقسورة: هي الأسد بلسان الحبشة
(3)
.
5 -
طلب المشركون (أبو جهل وجماعة من قريش) أن يعطوا كتبا مفتوحة لكل واحد منهم، مكتوب فيها: إني قد أرسلت إليكم محمدا. وقال ابن عباس: كانوا يقولون: إن كان محمد صادقا، فليصبح عند كل رجل منا صحيفة فيها براءته وأمنه من النار
(4)
.
(1)
غرائب القرآن للنيسابوري: 99/ 28
(2)
البحر المحيط: 380/ 8
(3)
تفسير الرازي: 212/ 30
(4)
تفسير القرطبي: 90/ 19
6 -
لم يجب الله تعالى مطلبهم لتعنتهم ومما حكتهم وإنما زجرهم عن اقتراح الآيات، وأبان صفة القرآن والسبب الأصلي في عدم التذكرة، بقوله:{كَلاّ} أي ليس يكون ذلك، ولا أعطيهم ما يتمنون؛ لأنهم لا يخافون الآخرة؛ اغترارا بالدنيا، وحقا إن القرآن تذكرة، فمن شاء اتعظ به؛ ولكن ما يتعظون ولا يقدرون على الاتعاظ والتذكرة إلا بمشيئة الله ذلك لهم، والله الجدير بأن يتقيه عباده ويخافوا عقابه، فيؤمنوا ويطيعوا، والحقيق بأن يغفر لهم ما سلف من كفرهم إذا آمنوا وأطاعوا.