الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
{قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ} باستعمال الحواس فيما خلقت من أجله، وما: مزيدة، والجملة مستأنفة. {ذَرَأَكُمْ} خلقكم متكاثرين موزعين. {تُحْشَرُونَ} تجمعون للحساب والجزاء.
{مَتى هذَا الْوَعْدُ} أي الحشر أو إيقاع العذاب من الخسف والحاصب. {إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ} فيه أيها النبي والمؤمنون به. {إِنَّمَا الْعِلْمُ} العلم بوقته وبمجيئه. {عِنْدَ اللهِ} لا يطلع عليه غيره. {نَذِيرٌ مُبِينٌ} رسول منذر بيّن الإنذار.
{فَلَمّا رَأَوْهُ} رأوا الوعد الموعود به. {زُلْفَةً} أي ذا زلفة، أي قريبا منهم. {سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا} اسودّت وعلتها الكآبة وساءتها رؤية العذاب. {وَقِيلَ} قال لهم الخزنة.
{هذَا} العذاب. {تَدَّعُونَ} تطلبون وتستعجلون استهزاء واستنكارا. وهذه حكاية حال ستأتي، عبر عنها بلفظ الماضي للدلالة على تحقق وقوعها.
المناسبة:
بعد أن أورد الله تعالى البرهان الأول على كمال قدرته وهو تمكين الطيور من الطيران، وبّخ المشركين على عبادة الأصنام، وردّ على اعتقادهم شيئين أو أمرين: وهما القوة في الأعوان، وجلب الخير من الأصنام، ثم أورد تعالى برهانين آخرين على كمال قدرته: وهما خلق الناس وحواسهم، وتكاثر الخلق واستمرارهم وتوزيعهم في الأرض ثم حشرهم إليه. ثم ذكر شيئين قالهما الكفار لمحمد صلى الله عليه وسلم لما أمره ربه بتخويفهم بعذاب الله وهما مطالبته بتعيين وقت العذاب، ودعاؤهم عليه وعلى المؤمنين بالهلاك، وهذا الأخير موضع الفقرة التالية.
فتكون البراهين الثلاثة على كمال قدرة الله هي الاستدلال أولا بأحوال الطيور من الحيوانات، ثم الاستدلال بصفات الإنسان وهي السمع والبصر والعقل وحدوث ذاته، ثم الاستدلال بضمان تكاثر الخلق وحفظ النوع الإنساني وتوزيعه في أنحاء الأرض والحشر يوم القيامة.
التفسير والبيان:
يرد الله تعالى على المشركين الذين عبدوا معه غيره، يبتغون عندهم النصر
والرزق، فيقول منكرا عليهم ما اعتقدوه، ومخبرا أنهم لن يحصلوه على ما أمّلوه:
1 -
{أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ، إِنِ الْكافِرُونَ إِلاّ فِي غُرُورٍ} أي بل من هذا الجند أو العون الذي يعينكم ويمنعكم من عذاب الله إن أراد بكم سوءا؟! الواقع أنه ليس لكم من دون الله من ولي ولا واق، ولا ناصر لكم غيره، ولهذا فإن الكافرين هم في خداع وغرور عظيم من جهة الشيطان، غرهم بأن العذاب لا ينزل بهم.
والتعبير بقوله: {مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ} إشارة إلى أن بقاء الناس في الأرض مع كفرهم وظلمهم هو برحمة الرحمن الذي وسعت رحمته كل شيء.
والآية رد على الكفار الذين كانوا يمتنعون من الإيمان، ويعتمدون في زعمهم واعتقادهم المخطئ على القوة من جهة الإخوة والأعوان، مخبرا إياهم أنه لا ناصر لهم سوى الله سبحانه.
ثم رد الله تعالى على ادعائهم وجود رازق غير الله، وأن الأصنام مصدر جميع الخيرات لهم، ودفع كل الآفات عنهم، فقال:
2 -
{أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ؟ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ} أي بل من هذا الذي إذا منع الله عنكم رزقه، رزقكم بعده بالأمطار وغيرها؟ والمعنى أنه لا أحد يعطي ويمنع، ويرزق وينصر إلا الله عز وجل، وحده لا شريك له، وهم يعلمون ذلك، ومع هذا يعبدون غيره، لذا وصفهم تعالى بقوله:{بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ} أي بل تمادوا واستمروا في عناد واستكبار عن الحق، ونفور عنه، وتابعوا طريقهم في طغيانهم وإفكهم وضلالهم، ولم يعتبروا ولم يتفكروا.
فدلت الآيتان على أنه لا ناصر ينصر من عذاب الله، ولا رازق يرزق غير الله إن حجب رزقه عن مخلوقاته.
ثم ضرب الله مثلا للمؤمن والكافر أو الموحد والمشرك، فقال:
{أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى، أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ؟} أرأيتم حال المؤمن والكافر، فالكافر مثله فيما هو فيه كمثل من يمشي مكبّا على وجهه، أي يمشي متعثرا في كل وقت، منحنيا غير مستو، لا يدري أين يسلك، ولا كيف يذهب، بل هو تائه حائر ضال.
أهذا أهدى أم ذلك المؤمن الذي مثله كمن يسير معتدلا ناظرا أمامه على طريق مستو، لا اعوجاج به ولا انحراف فيه، فهو في نفسه مستقيم، وطريقه مستقيمة، سواء في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا إذ يسير على منهج الله يكون على هدى وبصيرة، وفي الآخرة يحشر على طريق مستقيم يؤدي به إلى الجنة. وهذا الاستفهام لا تراد حقيقته، بل المراد منه أن كل سامع يجيب بأن الماشي سويا على صراط مستقيم أهدى.
ثم ذكر الله تعالى البرهان الثاني الدال على كمال قدرته قائلا:
{قُلْ: هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ، وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ، قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ} أي قل أيها الرسول لهؤلاء المشركين: إن الله ربكم هو الذي ابتدأ خلقكم بعد أن لم تكونوا شيئا مذكورا، وأوجد لكم حاسة السمع لسماع المواعظ به، وحاسة البصر لنظر بدائع خلق الله، والقلوب والعقول للتأمل والتفكير في مخلوقات الله وإدراك حقائق الأشياء، ولكن قلّما تستعملون هذه القوى التي أنعم الله بها عليكم في طاعته وامتثال أوامره، وترك زواجره، وفيما خلقت لأجله من الخير، وذلك هو الشكر الحقيقي لهذه الطاقات، لا مجرد ترداد الشكر باللسان، وملازمة العصيان؛ لأن شكر نعمة الله تعالى: هو أن يصرف تلك النعمة إلى وجه رضاه، فإذا لم تستعمل هذه القوى في طلب مرضاة الله، فأنتم ما شكرتم نعمته مطلقا.
فقوله تعالى: {قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ} إشارة إلى أنه تعالى أعطاهم هذه القوى العظيمة، ولكنهم ضيّعوها في غير ما خلقت لأجله.
وإنما خصت هذه الجوارح بالذكر؛ لأنها أداة العلم والفهم.
ثم ذكر الله تعالى البرهان الثالث على كمال قدرته، فقال:
{قُلْ: هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} أي وقل لهم أيضا: إن الله هو خلقكم وبثكم ووزعكم في أنحاء الأرض، مع اختلاف ألسنتكم في لغاتكم، واختلاف ألوانكم وأشكالكم، ثم إليه تجمعون بعد هذا التفرق والشتات، فهو يجمعكم كما فرقكم، ويعيدكم كما بدأكم للحساب والجزاء.
وبعد أمر الله محمدا صلى الله عليه وسلم بتخويف الكفار بعذاب الله، ذكر مقالة الكفار ومطالبتهم بتعيين وقت البعث استهزاء واستنكارا، فقال:
{وَيَقُولُونَ: مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ؟} أي ويقول المشركون لمحمد والمؤمنين تهكما واستهزاء: متى يقع ما تعدنا به من القيامة والحشر والعذاب والنار في الآخرة، والخسف والحاصب في الدنيا، إن كنتم يا محمد والمؤمنون به صادقين فيما تدعونه؟ فأخبرونا به، أو فبيّنوه لنا.
فأجابهم الله بقوله:
{قُلْ: إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللهِ، وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ} أي قل لهم أيها النبي:
إنما علم ذلك عند الله، فلا يعلم وقت الساعة والعذاب على التعيين إلا الله عز وجل، لكنه أمرني أن أخبركم أن هذا كائن وواقع لا محالة، فاحذروه، وإنما أنا منذر لكم، أنذركم وأخوّفكم عاقبة كفركم، فعليّ البلاغ وقد أديته لكم.
ثم وصف تعالى حال أولئك الكفار عند رؤية العذاب، فقال: