الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قال: لئن رأيت محمدا يصلي لأطأن عنقه، فأنزل الله:{وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً} .
المناسبة:
بعد بيان أحوال الكفار والمؤمنين في الآخرة، ثبّت الله تعالى الرسول صلى الله عليه وسلم وشرح صدره، بسبب ما نسبوه إليه من كهانة وسحر، فذكر الله تعالى أن ذلك وحي من الله، ثم أمره بالصبر على أذى قومه، ثم ذكر أحوال هذين الفريقين في الدنيا، مقدّما بيان أحوال الطائعين وهم الرسول صلى الله عليه وسلم وأمته على أحوال الكفار العصاة.
التفسير والبيان:
امتن الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم بما أنزله عليه من القرآن العظيم مفرّقا منجّما، فقال:
{إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلاً} أي إنا نحن الإله الحق أنزلنا عليك أيها الرسول القرآن مفرّقا منجّما في الإنزال في مدى ثلاث وعشرين سنة، ولم ننزله جملة واحدة، ليسهل حفظه ووعيه والعمل به، وليتثبت المؤمنون في معالجة الحوادث، ولم تأت به من عندك كما يدّعيه المشركون.
والمراد من ذلك تثبيت قلب الرسول صلى الله عليه وسلم في مواجهة افتراءات المشركين الذين نسبوا إليه الكهانة والسحر، وإعلام الناس قاطبة أن ما جاء به وحي من الله تعالى، لا من عند محمد صلى الله عليه وسلم.
وبعد بيان هذه المقدمة، جاء الأمر بالصبر والنهي عن طاعة الكفار، فقال سبحانه:{فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ، وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً} أي كما أكرمتك بما أنزلت عليك من القرآن، فاصبر على قضاء الله وقدره في تأخير
نصرك على المشركين، إلى أجل اقتضته حكمته، وفي القيام بتبليغ رسالته ووحيه الذي أوحاه إليك، فلكل أجل كتاب، وسيتولاك ربك بحسن تدبيره، ولا تطع أحدا من الكافرين والمنافقين، المغالين في الكفر، أو مرتكبي الإثم والفجور والمعاصي إن أرادوا صدّك عما أنزل إليك، بل بلّغ ما أنزل إليك من ربّك، وتوكل على الله، فإن الله يعصمك من الناس. والآثم كما تقدم: هو مرتكب المعاصي، والكفور: هو جاحد النعمة، المغالي في الكفر، فكل كفور آثم، وليس كل آثم كفورا.
ومن أمثلة الآثم: عتبة بن ربيعة؛ لأنه كان متعاطيا لأنواع الفسوق، يروى أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ارجع عن هذا الأمر، حتى أزوّجك ولدي، فإني من أجمل قريش ولدا.
ومن أمثلة الكفور: الوليد بن المغيرة؛ لأنه كان شديد الشكيمة في الكفر،
روي أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أنا أعطيك من المال حتى ترضى، فإني من أكثرهم مالا، فقرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من أول {حم} السجدة إلى قوله:{فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ: أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ} [الآية 13] فانصرفا عنه، وقال أحدهما: ظننت أن الكعبة ستقع.
وبالرغم من أنه صلى الله عليه وسلم ما كان يطيع أحدا منهم، إلا أنه وجه النهي له؛ لأنه القدوة، وإشارة إلى أن الناس محتاجون دائما إلى مواصلة التنبيه والإرشاد، لوجود نزعة الشر والفساد في نفوسهم، فلو أن أحدا استغنى عن توفيق الله وإرشاده، لكان أحق الناس بذلك هو الرسول المعصوم صلى الله عليه وسلم، فوجب على كل مسلم أن يرغب إلى الله تعالى ويتضرع إليه في أن يصونه عن اتباع الأهواء والشهوات.
ثم عقّب النهي بالأمر، فقال سبحانه:
{وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً، وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ، وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً} أي داوم على ذكر الله في جميع الأوقات بالقلب واللسان، وصلّ لربّك أول النهار وآخره، فأول النهار: صلاة الصبح، وآخره: صلاة العصر. وكذلك صلّ لربّك في الليل، وذلك يشمل صلاتي المغرب والعشاء، وتهجد له طائفة من الليل، كما قال تعالى:{وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ، عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً} [الإسراء 79/ 17]، وقال سبحانه:{يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلاّ قَلِيلاً، نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً، أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً} [المزمل 1/ 73 - 4].
وعلى هذا تكون كلمات الآية جامعة الصلوات الخمس، والتهجد. وبعد بيان حال الطائعين، أبان الله تعالى أحوال الكفار والمتمردين، وأنكر عليهم وعلى أشباههم حبّ الدنيا والإقبال عليها، وترك الآخرة وراء ظهورهم، فقال:
{إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً} أي إن هؤلاء كفار مكة وأمثالهم يحبون الدار العاجلة، وهي دار الدنيا، ويقبلون على لذاتها وشهواتها، ويتركون وراءهم ظهريا يوم القيامة ذا الشدائد والأهوال، فلا يستعدون له، ولا يعبؤون به. وسمي يوما ثقيلا: لما فيه من الشدائد والأهوال. والآية تتضمن توبيخ المتمردين واستحقارهم.
وهذا هو الخط الفاصل بين المؤمنين والكافرين، فالمؤمنون يعملون للدنيا والآخرة، والكفار يعملون للدنيا وحدها، وهي النظرة المادية والسلوك المادي النفع، مما يدل على أن الداعي لهم إلى الكفر هو حبّ العاجل.
ثم أوضح الله تعالى كمال قدرته، وأقام الدليل بالبداءة في الخلق على الرجعة والبعث، فقال:{نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ، وَإِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلاً} أي كيف يتغافل هؤلاء الكفار عن ربّهم وعن الآخرة، ونحن الذين
خلقناهم، وأحكمنا أعضاءهم ومفاصلهم وربطها بالعروق والأعصاب، ولو شئنا لأهلكناهم وجئنا بأطوع لله منهم.
ونظير الآية قوله تعالى: {إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النّاسُ، وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكانَ اللهُ عَلى ذلِكَ قَدِيراً} [النساء 133/ 4]، وقوله سبحانه:{إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ، وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ، وَما ذلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ} [إبراهيم 19/ 14].
وبعد بيان أحوال السعداء وأحوال الأشقياء في الدنيا، أرشد إلى فائدة القرآن فقال:
{إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ، فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً} أي إن هذه السورة بما فيها من مواعظ، وترغيب وترهيب، ووعد ووعيد، تذكرة للمتأملين، وتبصرة للمستبصرين، وعظة للعقلاء، فمن شاء الخير لنفسه في الدنيا والآخرة، اتّخذ طريقا للتقرب إلى ربّه بالإيمان والطاعة، واجتناب المعصية، ومن شاء اهتدى بالقرآن.
ثم أوضح الله تعالى أن مشيئة العبد في إطار مشيئة الله، ولكن دون قهر ولا جبر، فقال:
{وَما تَشاؤُنَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ، إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً} أي وما تشاؤون أن تتخذوا إلى الله سبيلا إلى النجاة، إلا بمشيئة الله، ولا يقدر أحد أن يهدي نفسه، ولا يدخل في الإيمان، ولا يجر لنفسه نفعا إلا بتوفيق الله، فالأمر إليه سبحانه، ليس إلى عباده، والخير والشر بيده، فمشيئة العبد وحدها لا تأتي بخير ولا تدفع شرا، إلا إن أذن الله بذلك، ولكن يثاب الإنسان على اختياره الخير، ويعاقب على اختياره الشر، وإن الله تعالى عليم بمن يستحق الهداية فييسرها له، ويقيّض له أسبابها، وعليم بمن يستحق الغواية، فيصرفه عن الهدى، وله الحكمة البالغة، والحجة الدامغة، فيضع الأشياء في محالّها.