الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثم ذكر الله تعالى عقابه في الدنيا أو الآخرة، فقال:
{سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ} أي سنجعل له وسما بالسواد على أنفه، فإنه قاتل يوم بدر، فخطم بالسيف في القتال، قال المبرد: الخرطوم هاهنا الأنف. وعبر به إذلالا له واستخفافا به وإهانة له؛ لأن السمة على الوجه أو الأنف شين. وقال جماعة: {سَنَسِمُهُ} سمة أهل النار، يعني نسود وجهه يوم القيامة، وعبر عن الوجه بالخرطوم، فيسود وجهه بالنار قبل دخولها، فيكون له عليه أو على أنفه علامة.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
1 -
نهى الله تعالى نبيّه-والنهي يقتضي التحريم-ومثله المؤمنون، عن ممايلة المشركين المكذبين لرسالته، وكانوا يدعونه إلى أن يكفّ عنهم ليكفّوا عنه، فبيّن الله تعالى أن مما يلتهم كفر.
2 -
تمنى الكفار ملاينة النبي صلى الله عليه وسلم ومصانعتهم ومجاملتهم في أديانهم، فيلينون له في دينه، فإنهم طلبوا أن يعبد آلهتهم مدة، ويعبدوا إلهه مدة، ولكن الله نهاه عن ذلك.
3 -
خصص الله من بين المكذبين النهي عمن اتصف بصفات عشر: هي الحلاف: الكثير الحلف، المهين: الحقير الرأي والتمييز والتفكير، الهمّاز: الذي يذكر الناس في وجوههم، وهو غير اللماز: الذي يذمهم في مغيبهم، النمام: الذي يمشي بالنميمة بين الناس ليفسد بينهم، المناع للخير: للمال أن ينفق في وجوهه، ويمنع الناس عن الإسلام، المعتدي: أي الظالم، المتجاوز الحد، صاحب الباطل، الأثيم: الكثير الإثم والذنوب، العتلّ: الغليظ الجافي الشديد في كفره،
الشديد الخصومة بالباطل، الزنيم: الملصق بالقوم الدّعي، وكان الوليد بن المغيرة المخزومي دعيّا في قريش، ليس من أصلهم، ادّعاه أبوه بعد ثماني عشرة سنة من مولده، كما تقدم، [الطاغية المفتري].
4 -
وبّخ الله الوليد على مقابلته الإحسان والنعمة بالإساءة، فقد أنعم الله عليه بالمال والبنين، فكفر واستكبر. ويكون تقدير الآية:{أَنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ} : ألأن كان ذا مال وبنين يكفر ويستكبر؟ ويجوز أن يكون التقدير:
ألأن كان ذا مال وبنين تطيعه؟ ويجوز أن يكون التقدير: ألأن كان ذا مال وبنين يقول: {إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ: أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ} .
5 -
هدد الله الوليد بالوسم على أنفه في الدنيا، وبالعلامة الظاهرة على أنفه في الآخرة. قال ابن عباس:{سَنَسِمُهُ} : سنخطمه بالسيف، وقد خطم الذي نزلت فيه يوم بدر بالسيف، فلم يزل مخطوما إلى أن مات. وقال قتادة:
سنسمه يوم القيامة على أنفه سمة يعرف بها، وقد قال تعالى:{يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ، وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} [آل عمران 106/ 3] فهذه علامة ظاهرة. وقال تعالى:
{وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً} [طه 102/ 20]، وهذه علامة أخرى ظاهرة.
فأفادت هذه الآية: {سَنَسِمُهُ.} . علامة ثالثة وهي الوسم على الأنف بالنار.
والراجح لدي أن هذا الوسم كان في الدارين.
وهذا كله نزل في الوليد بن المغيرة. ولا نعلم أن الله تعالى بلغ من ذكر عيوب أحد ما بلغه منه؛ فألحقه به عارا، لا يفارقه في الدنيا والآخرة؛ كالوسم على الخرطوم
(1)
.
قال ابن العربي بمناسبة قوله تعالى: {سَنَسِمُهُ} : كان الوسم في الوجه لذي المعصية قديما عند الناس، حتى إنه روي أن اليهود لما أهملوا رجم الزاني،
(1)
تفسير القرطبي: 237/ 18.