الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
{فَتَرَى الْقَوْمَ} إن كنت حاضرا في مهابها أو في الليالي والأيام. {صَرْعى} موتى مطروحين هالكين، جمع صريع. {أَعْجازُ نَخْلٍ} أصول نخل. {خاوِيَةٍ} ساقطة فارغة.
{مِنْ باقِيَةٍ} أي من نفس باقية. أو بقاء، أو بقية أو باق، والتاء للمبالغة.
{وَمَنْ قَبْلَهُ} من تقدّمه من الأمم الكافرة، وقرئ:{وَمَنْ قَبْلَهُ} أي أتباعه وجنوده.
{وَالْمُؤْتَفِكاتُ} المنقلبات وهي قرى قوم لوط، والمراد: أهلها. {بِالْخاطِئَةِ} بالخطإ، أو بالفعلة ذات الخطأ. {فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ} عصى كل أمة رسولها. {رابِيَةً} زائدة في الشدة، زيادة أعمالهم في القبح، من ربا الشيء: زاد.
{طَغَى الْماءُ} جاوز حده المعتاد، وارتفع وعلا فوق كل شيء من الجبال وغيرها زمن الطوفان. {حَمَلْناكُمْ} أي حملنا آباءكم وأنتم في أصلابهم. {الْجارِيَةِ} السفينة التي تجري في الماء، وهي التي صنعها نوح عليه السلاح بإلهام الله وتعليمه، ونجا بها هو ومن كان معه مؤمنا، وغرق الآخرون. {لِنَجْعَلَها لَكُمْ} لنجعل الفعلة، وهي إنجاء المؤمنين وإهلاك وإغراق الكافرين.
{تَذْكِرَةً} عظة. {وَتَعِيَها} وتحفظها. {أُذُنٌ واعِيَةٌ} حافظة لما تسمع، أي من شأنها أن تحفظ ما يجب حفظه لتذكره وإشاعته والتفكر فيه والعمل بموجبه. وتنكير كلمة {أُذُنٌ} للدلالة على قلتها.
التفسير والبيان:
افتتح الله سورة الحاقة بما يدل على تعظيم شأنها، وتفخيم أمرها، وتهويل يومها فقال:
{الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ، وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ} {الْحَاقَّةُ} هي القيامة، سميت بذلك؛ لأن الأمور تحقّ فيها، وتثبت وتقع من غير شك ولا ريب، و {الْحَاقَّةُ} يوم الحق؛ لأنها تظهر فيها الحقائق.
والمعنى: القيامة التي يتحقق فيها الوعد والوعيد، والساعة الواجبة الوقوع، الثابتة المجيء، أيّ شيء هي في حالها وصفاتها؟ فهي عظيمة الشأن، شديدة الهول، لا يدرك حقيقتها ولا يتصور أوصافها غير الله عز وجل. وأي شيء أعلمك بها أيها النبي الرسول؟ فهي خارجة عن دائرة علم المخلوقين، لعظم شأنها، وشدة هولها.
قال يحيى بن سلام: بلغني أن كل شيء في القرآن: {وَما أَدْراكَ} فقد أدراه إياه وعلمه، وكل شيء قال:{وَما يُدْرِيكَ} فهو مما لم يعلمه.
وقال سفيان بن عيينة: كل شيء قال فيه: {وَما أَدْراكَ} فإنه أخبر به، وكل شيء قال فيه:{وَما يُدْرِيكَ} فإنه لم يخبر به.
ثم ذكر الله تعالى نوع العقاب الذي أوقعه بالأمم السابقة التي كذبت بالقيامة تخويفا لأهل مكة وغيرهم، فقال:
- {كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ} أي كذبت قبيلة ثمود قوم صالح، وقبيلة عاد قوم هود بالقيامة وهي القارعة التي تقرع الناس بأهوالها، والمواد بالانفجار والانتثار. ثم فصل الله تعالى أنواع العقاب ونتائجه فقال:
{فَأَمّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ} أي فأما جماعة ثمود قوم صالح عليه السلام، فأهلكوا هلاكا تاما بالطاغية: وهي الصيحة أو الصاعقة أو الرجفة التي جاوزت الحد في الشدّة، كما قال تعالى:{وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ} [هود 67/ 11] أي الصاعقة، وقال سبحانه:{فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ، فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ} [الأعراف 91، 78/ 7] أي الزلزلة، فالألفاظ مختلفة، ولكن معانيها واحدة.
{وَأَمّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ، سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيّامٍ حُسُوماً} وأما قبيلة عاد قوم هود عليه السلام، فأهلكوا هلاكا ساحقا بريح شديدة الصوت، شديدة البرد، قاسية شديدة الهبوب، جاوزت الحد لشدة هولها، وطول زمنها وشدة بردها، عتت عليهم بغير رحمة ولا شفقة، وسلطها الله وأرسلها عليهم طوال مدة مستمرة هي سبع ليال وثمانية أيام لا تنقطع ولا تهدأ، وكانت تقتلهم بالحصباء، متتابعات، تحسمهم حسوما، أي تفنيهم وتذهبهم.
وكانت عادة القرآن تقديم قصة عاد على ثمود، إلا أنه قلب هاهنا؛ لأن قصة ثمود بنيت على غاية الاختصار، ومن عادتهم تقديم ما هو أخصر.
{فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى، كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ، فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ} ؟ أي فتشاهد إن كنت حاضرا أولئك القوم في ديارهم أو في تلك الأيام والليالي مصروعين بالأرض موتى، كأنهم أصول نخل ساقطة أو بالية، لم يبق منهم أحد، فهل تحس منهم من أحد من بقاياهم؟ بل بادوا عن آخرهم، ولم يجعل الله لهم خلفا، كما جاء في قوله تعالى:{فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلاّ مَساكِنُهُمْ} [الأحقاف 25/ 46].
وثبت في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «نصرت بالصّبا، وأهلكت عاد بالدّبور» .
{وَجاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكاتُ بِالْخاطِئَةِ} أي وأتى الطاغية فرعون ومن تقدمه من الأمم الكافرة وأهل المنقلبات قرى قوم لوط بالفعلة الخاطئة، وهي الشرك والمعاصي.
{فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ، فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً} أي فعصت كل أمة رسولها المرسل إليها، فأهلكهم الله ودمّرهم، وأخذهم أخذة أليمة شديدة زائدة على عقوبات سائر الكفار والأمم.
ونظير مطلع الآية قوله تعالى: {إِنْ كُلٌّ إِلاّ كَذَّبَ الرُّسُلَ، فَحَقَّ عِقابِ} [ص 14/ 38] وقوله سبحانه: {كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ، فَحَقَّ وَعِيدِ} [ق 14/ 50] ومن كذب برسول فقد كذّب الجميع، كما قال تعالى:{كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ} [الشعراء 105/ 26]{كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ} [الشعراء 123/ 26]{كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ} [الشعراء 141/ 26]{كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ} [الشعراء 160/ 26].