الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سورة التكوير
مكية وآياتها تسع وعشرون آية ويقال لها سورة كورت، أو سورة إذا الشمس كورت
صلتها بما قبلها:
أنها شرحت حال يوم القيامة وبينت ما يقع فيها من أحداث عند قيام الساعة وبعد قيامها، وذلك ما تضمنته آخر السورة التي تقدمت عليها (سورة عبس).
أهم مقاصدها:
بدأت بتصوير الأحداث الهائلة التي تقع يوم القيامة، وما يصاحبها من انقلاب كوني، يشمل الشمس والنجوم، والجبال والبحار، والأَرض والسماء، والإنسان والحيوان، والجنة والنار حتى لا يبقى شيءٌ إلا وقد تغير وتبدل إيرازًا لمظاهر القدرة العظيمة (إذَا الشَّمس كُوِّرَت * وَإِذَا النُّجُوم انكَدَرتْ .. ) الآيات.
ثم أكدت بالقسم شَأْنَ القرآن الكريم، ونفت عنه الفرية، وبينت أنه منزل من رب العالمين، نزل به الروح الأمين جبريل عليه السلام الذي وصف بأنه ذو قوة عند ذي العرش مكين (فَلَا أُقْسِمُ بالخنس، الجوار الكنس .. ) الآيات.
ثم نزهت رسول الله صلى الله عليه وسلم عما يقوله المتقولون عليه كذبًا وبهتانًا، وأكدت بالقسم أنه صلى الله عليه وسلم رأى جبريل عليه السلام في صورته الملكية بالأفق الأعلى الواضح، ونفت عنه أن يكون مقصرًا أو متهمًا في تبليغ رسالة ربه التي أَداها بصدق وأمانة (وما صاحبكم بمجنون * ولقد رآه بالأفق المبين * وما هو على الغيب بضنين).
ثم كذبت مزاعم المشركين حول القرآن العظيم، وأبطلتها ببيان أنه موعظة من الله لعباده، ينتفع بها أهل الاستقامة، وهم بصنيعهم كمن ترك الطريق المستقيم الموصل للغاية، وسلك طريق المخاوف والمهالك (وما هو بقول شيطان رجيم * فأين تذهبون
…
) الآيات.
ثم ختمت السورة برد أمر الناس جميعًا لمشيئة الله (وما تشاءون إلا الله أن يشاء الله رب العالمين).
(بسم الله الرحمن الرحيم)
المفردات:
(كُوِّرَتْ): أي: لُفَّت، ويلزم ذلك ذهاب ضوئها المنتشر في الآفاق، ومنه تكوير العمامة أي: لفها على الرأس.
(انكَدَرَتْ): سقطت وتناثرت.
(وَإِذَا الْعِشَارُ): جمع عُشَرَاءَ، كنفاس جمع نُفساء، وهي الناقة التي مضى على حملها عشرة أشهر، وهذا اسمها إلى أن تضع لتمام السنة.
(عُطِّلَتْ) أي: أُهملت لاشتغالهم بأنفسهم وكانت موضع عنايتهم واهتمامهم لأنها أنفس أموالهم.
(حُشِرَتْ) أي: جمعت من كل جانب، وقال ابن عباس: حشرها: موتها.
(سُجِّرَتْ): مملئت نارًا، من سجر التنور: إذا ملأَه بالحطب.
(الْمَوْءُودَةُ): التي دفنت حية.
(كُشِطَتْ): نزعت وقلعت، يقال: كَشَطت جلد الشاة: إذا نزعته وفصلته عنها.
(سُعِّرَتْ): أُوقدت إيقادًا شديدًا.
(أُزْلِفَتْ): قربت وأُدنيت من المتقين.
التفسير
1 -
(إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ):
هذه الآية والآيات التالية لها تصوير لأَهوال القيامة ومباديها، وما يصاحب ذلك من شدائد وآلام، وما يعترى الكون والوجود من مظاهر التبديل التي صورت تصويرًا رائعًا، وبينت بيانًا واضحًا.
والمعنى: أن الشمس قد أزيل نورها فأَظلمت حينما كورت بلفها، على أن المراد بذلك إما رفعها وإزالتها من مقرها، فإن الثوب إذا أُريد رفعه يلف ويطوي، ونحوه قوله تعالى:"يوم نطوي السماء" وإما يلف ضوئها بعد انتشاره وانبساطه في الآفاق، وقال مجاهد: كورت، أي: اضمحلت وذهبت، وذلك يحصل عند خراب العالم الذي يعيش فيه الحي حياته الدنيا، فإنه عالمه الآخر الذي ينقلب إليه لا يبقى فيه شيءٌ من هذه الأجرام.
2 -
(وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ):
أي: انتشرت وتساقطت، كقوله تعالى:"وإذا الكواكب انتشرت"(1) فذهب نورها، وانحمى لأْلاؤُها.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما لا يبقى يومئذ نجم إلا سقط في الأرض، أو تغيرت وانطمس ضوؤُها لما غشيها من كدرة وسواد.
(1) الانفطار، الآية رقم 2
3 -
(وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ):
أي: اقتلعت وأُبعدت عن أماكنها بالرجفة الأولى التي تنشق لها الأرض، وتضمحل، وتتزلزل زلزالًا شديدًا، فتتقطع أوصالها، وتفصل منها جبالها، قيل: تسير مقذوفة في الفضاء، وقد تمر على الرءُوس مع السحاب.
4 -
(وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ):
أي: أهملت وسيبت، وتركها أهلها بلا راع، تسير حيث تشاءُ مع أنها أَنفس أَموالهم وأكرمها؛ وذلك لاشتغالهم بأنفسهم لشدة الكرب، وعظم الهول، وقيل: العشار من السحائب فإن العرب تشبهها بالحوامل، ومنه وقوله تعالى:"فالحاملاتِ وقرًا"(1) وتعطيلها عدم إمطارها، وقال القرطبي: الكلام على التمثيل؛ إذ لا عشار حينئذ. والمعنى: أنه لو كانت عشار لعطلها أهلها واشتغلوا بأنفسهم.
5 -
(وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ):
أي: جمعت من كل ناحية كما قال تعالى: "وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَاّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ"(2) قال ابن عباس: حشرها: موتها وهلاكها. وقال قتادة: يحشر كل شيءٍ حتى الذباب للقصاص، فإذا قضى بينهما ردت ترابًا، وقال حجة الإِسلام الغزلي وجماعة: إنه لا يحشر غير الثقلين لعدم كونه مكلفًا ولا أهلا للكرامة بوجه، وليس هذا الباب نص من كتاب أو سنة معول عليه يدل على حشر غيرهما، ويقول الآلوسي: وإلي هذا القول أميل، ولا أجزم بخطأ القائلين بالأول وهو حشر الجميع لأن لهم ما يصلح مستندًا في الجملة، ويشير بذلك إلى الحديث الذي أخرجه مسلم والترمذي عن أبي هريرة في هذه الآية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجماءِ من الشاة
(1) الذرايات، الآية: 2
(2)
الأنعام، الآية: 38
القرناء" وزاد أحمد بن حنبل: "حتى الذرة من الذرة" ويقول، حجة الإسلام وجماعة: الحديث المروي عن مسلم والترمذي وإن كان صحيحا إلا أنه لم يخرج مخرج التفسير للآية، ويجوز أن يكون كناية عن العدل التام.
6 -
(وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ):
أي: ملئت بتفجير بعضها إلى بعض حتى يكون ملحها وعذبها بحرًا واحدًا، من سَجَرَ التنور: إذ ملأهُ بالحطب ليوقده، وقال ابن عباس وغير واحد: يرسل عليها الدَّبُور فتسعرها وتصير نارًا تأَجج لتعذيب أهل النار، وقيل: أحميت بالنار حتى تبخر ماؤُها وظهرت النَّار في مكانها، وقريب من هذا قول الضحاك وقتادة: غاص ماؤها فذهب ولم يبق منه قطر، وقال ابن عطية: يحتمل أن يكون المعنى مُلكت وقيد اضطرابها حتى لا يخرج عن الأرض من الهول، وأنسب المعاني لمقام الوعيد قول ابن عباس وغير واحد.
7 -
(وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ):
أي: قرنت كل نفس بشكلها: الصالح منها مع الصالح في الجنة، والطالح مع الطالح في النَّار، أخرج جماعة منهم الحاكم وصححه عن النعمان بن بشير عن عمر رضي الله عنه أنه مثل عن ذلك فقال: يقرن الرجل الصالح مع الرجل الصالح في الجنة، ويقرن الرجل السوء مع الرجل السوء في النار، فذلك تزويج، فلذلك تزويج الأَنفس.
وقيل: تقرن نفوس المؤمنين بالحور العين، ونفوس الكافرين بالشياطين، وقيل: تقرن كل نفس بكتابها. وقيل: الأزواج بأزواجهم.
وقيل: بعملها. وأيًّا ما كان فالنفس بمعنى الذات، والتزويج بمعنى الاقتران، ويحصل الاقتران عند البعث.
8، 9 - (وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ):
كان من عادات بعض العرب الفاشية فيهم. أنه إِذا ولد لأحدهم بنت وأراد أن يستحييها ولا يقتلها أمسكها مهانة لها واستخفافا بها إلى أن تقدر على الرعي، ثم ألبسها جبة من
صوف أو شعر وأرسلها في البادية ترعى له إبله وغنمه، وإن أراد أن يقتلها تركها حتى إذا كانت سداسية (1) فيقول لأُمها: طيبيها وزينيها حتى أذهب بها إلى أحمائها (2)، وقد حفر لها بئرًا في الصحراء، فيبلغ بها البئر فيقول: انظري فيها، فيدفعها، من خلفها، ويهيل عليها التراب حتى تستوي البئر بالأرض، وقيل: كانت الحامل إذا أوشكت على الوضع حفرت حفرة، فتمخض على رأْس الحفرة، فإذا ولدت بنتًا رمت بها فيها، وإن ولدت ابنًا حسبته.
وكان الدافع لهم على تلك الجريمة الشنعاء، التي اقترفوا إثمها، وباءوا بقبحها، الدافع لهم خشية الإملاق، وخوف الاسترقاق لهن، وإنها لقسوة شديدة وغلظة بالغة، زينت لهم دفن فلذات أكبادهم أحياءً، وهن ينظرون إليهم نظرة ضراعة واستعطاف، ولكن هيهات للقلوب المتحجرة أن تلين، واستمروا مستمسكين بفعلتهم المنكرة إلى أَن جاءَ الإسلام قاقتلع عن قلوبهم بذور الشر والطغيان وملأَها رأْفة ورحمة. فما أَعظم نعمة الإسلام على الإنسانية بأسرها.
(سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ)
توجيه السؤَال لها دون وائدها مع أنه مقترف الذنب. لتسليتها، وإظهار كمال الغيظ منه والسخط عليه بإسقاطه عن درجة الخطاب مبالغة في تبكيته، فإن المجني عليه إذا سئل بمحضر الجاني عن الذنب الذي من أجله استحق هذه الجناية والعقاب الذي نزل به، كان ذلك باعثًا للجاني على التفكير في حال نفسه، وحال المجني عليه، فيرى براءَة ساحة المجني عليه وأنه هو المستحق للعقاب، وهذا نوع من الاستدراج وقع عن طريق التعويض.
وسؤَال الموءودة عن سبب القتل هو سؤَال تلطف، لتقول: قتلت بلا ذنب، أَو لتدل على قاتلها، أو التوبيخ ذلك القاتل يصرف الخطاب عنه تهديدًا له، فإذا سئل المظلوم فما بال الظالم؟!
(1) سداسة، أي: بلغت ست سنوات.
(2)
أقارب الزوج أو الزوجة.
قال ابن عباس: أطفال المشركين في الجنة فمن زعم أنهم في النار فقد كذب، يقول الله عز وجل:(وَإذَا الموءودة سئلت * بأي ذنب قتلت). أهـ.
10 -
(وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ):
أي: وإذا فتحت صحف الأَعمال؛ لأَن صحيفة كل إنسان تطوى عند موته ثم تنشر عند الحساب، فيعطى صحيفته بيمينه أو شماله وفق عليه الذي سجلته عليه الملائكة، وقيل: نشرت، أَي: فرقت بين أصحابها، وعن مرثد بن وداعة: إذا كان يوم القيامة تطايرت الصحف من تحت العرش فتقع صحيفة المؤمن في يده في جنة عالية، وتقع صحيفة الكافر في يده في سموم وحميم، أي: مكتوب فيها ذلك، وهي صحف غير صحف الأعمال كذا قيل.
11 -
(وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ):
أي: قطعت وأُزيلت كما يكشط الإهاب عن الذبيحة، والغطاء عن الشيء المستور به.
12 -
(وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ):
أي: أُوقدت إيقادًا شديدًا للكفار، وقال قتادة: سعرها غضب الله، وخطايا بني آدم.
13 -
(وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ):
أي: أُدنيت وقربت من المتقين، كقوله تعالى:"وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد"(1).
14 -
(عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ):
أي: تبين لكل نفس جميع ما عملته من خير وشر وذلك بإحضار تلك الأعمال مدونة في الصحف ويراد من إحضارها: اطلاع صاحبها عليها مفصلة في صحفها بحيث لا يشذ
(1) سورة ق، من الآية رقم 31
منها شيءٌ، كما ينبئُ عنه قوله - تعالى - حكاية عنهم -:"مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا"(1).
وقد يراد من إحضارها أنها تشاهدها على ما هي عليه في الحقيقة، فإن كانت صالحة على صورة أحسن مما كانت تدركها في الدنيا؛ لأن الطاعات لا تخلو فيها من نوع مشقة، وإن كانت سيئة تشاهدها على خلاف ما كانت عندها في الدنيا فإنها كانت مزينة لها موافقة لهواها.
والآية جواب (إذا الشمس كورت) وما عطف عليها: على أن المراد بها زمان ممتد يسع ما في سياقها وسياق ما عطف عليها من الخصال مبدؤه النفخة الأولى، ومنتهاه فصل الخطاب بين الخلائق، بمعنى أن علمها بما علمته وقع في جزء من هذا الزمن وهو وقت نشر الصحف، وإنما نسب علمها بذلك إلى زمان وقوع كل هذه الدواهي تهويلا للخَطْبِ، وتفظيعًا للحال.
ونسب الإخصار إلى النفس، مع أنها تحضر بأمر الله -تعالى- كما يؤذن به قوله تعالى:
"يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ"(2) لأنها لما عملتها في الدنيا، فكأَنها أحضرتها في الموقف.
وجوز أن يكون التعبير بقوله تعالى: (عملتْ نفسٌ .. ) بالتنكير .. الآية؛ للإشعار بأنه إذا علمت نفس من النفوس ما أحضرت عند قيام الساعة، وجب على كل نفس إصلاح عملها مخافة أن تكون هي التي عملت، أي: إن العاقل يجب عليه أن يتجنب أمرًا يخشى منه الندم والمؤاخذة.
(1) الكهف، من الآية رقم:49.
(2)
آل عمران، من الآية رقم:30.
فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (15) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (16) وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (17) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (18) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (19) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (20) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (21) وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (22) وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (23) وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (24) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (25) فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (26) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (27) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (28) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (29)}
المفردات:
(بِالْخُنَّسِ): جمع خانس. من خنس: إِذا رجع، بينما ترى النجم في آخر البرج، إذ ْكرَّ راجعًا إلى أوله، وقيل الخنوس: الانقباض والاستخفاء؛ لأن هذه النجوم عند طلوعها يكون ضوؤُها خافتًا، خنس إبهامه: كنصر وضرب، خنوسًا: قبضه.
(الْجَوَارِي): جمع جارية، وهي النجوم السيارة، من الجري وهو المر السريع.
(الْكُنَّسِ): جمع كانس وكانسة، وهي التي تستتر وتغيب تحت ضوء الشمس، يقال: كنس الظبي: دخل كناسه، وهي مستترة في الشجر الذي يأوي إليه.
(عَسْعَسَ): أقبل ظلامه أو أَدبر، والمعنَيان مأثوران.
(تَنَفَّسَ): أَقبل وأَضاءَ.
(لَقَوْلُ رَسُولٍ) الرسول: جبريل عليه السلام وقوله: تبليغه.
(بِضَنِينٍ): بكسر الضاد وفتحها - أي: ليس ببخيل، بمعنى أنه لا يبخل بالوحي، ولا يقصِّر في التبليغ والمراد به رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(رَجِيمٍ) أي: مطرود من رحمة الله، من الرجم: وهو الطرد، أَو مرجوم بالشهب، أي: أنه ليس بعض المتسرقة للسمع.
التفسير
15، 16 - (فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِي الْكُنَّسِ):
شرع في بيان شأْن القرآن العظيم، والنبوة الخاتمة، بعد إثبات المعاد.
والمعنى: أنه -سبحانه- أقسم قسمًا مؤكدًا على صدق القرآن، وصحة رسالة محمد عليه الصلاة والسلام فقال:(فلا أُقْسِمُ) وهي عبارة من عبارات العرب يراد به تأكيد الخبر وتقريره، كأنه في ثبوته وظهوره لا يحتاج إلى قسم، ويقال إنه يؤتى بكلمة "لا" في القسم إذا أُريد تعظيم المقسم به.
(بِالْخُنَّسِ الْجَوَارِي الْكُنَّسِ) وهي النجوم الجواري التي تخنس بالنهار، أي: ترجع، ويختفي ضوؤُها فيه عن الأبصار مع طلوعها وكونها فوق الأُفق، وتكنس بعد ظهورها في الليل، أي: تستتر في مغيبها، وتخفى فيه، فتكون تحت الأُفق بعد أن كانت فوقه. كما تستتر الظباءُ في كُنُسِها، وهي مُسْتَتَرَهَا في الشجر الذي تأْوي إليه، فخنوس تلك النجوم: رجوعها وخفاؤُها بحسب الرؤية، وكنوسها: دخولها في المغيب بعد ظهورها نهارًا. قال القرطبي: النجوم تخنس بالنهار وتظهر بالليل وتكنس وقت غروبها، أي: تستتر.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الأمير -كرم الله وجهه- أنه قال: هي خمسة أنجم: زحل، والمشتري، والمريخ، والزهرة، وعطارد، وصفت بما ذكر في الآية لأنها تجري وتسير مع الشمس والقمر، وترجع حتى تختفي تحت ضوء الشمس، وتسمى المتحيرة لاختلاف أحوالها، وعن ابن مسعود: أنها بقر الوحش، وأخرج نحوه ابن أبي حاتم عن ابن عباس، وعبد بن حميد، وروى ذلك أيضًا عن ابن جرير والضحاك قالوا: الخَنَس تأخر الأنف مع ارتفاع قليل من الأرنبة وتوصف بقر الوحش والظباء.
وإنما أقسم - تعالى - بالخنس الجواري الكنس لدلالتها بهذه الأحوال المختلفة، والحركات المنسقة على عظيم قدرة مبدعها ومصرفها -عز شأنه- وإرشاد تلك الحركات على ما في الكون من بديع الصنع، وإحكام النظام.
17، 18 - (وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ * وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ):
عطف على القسم السابق، أَي: لا أُقسم بعظمة الليل إذا أَقبل ظلامه أَو أَدبر، فكلمة "عَسْعَسَ" من الأضداد، قال الفراء: أَجمع المفسرون على أَن معنى (عَسْعَسَ اللَّيْلُ): أَدبر وقيل: هي لغة قريش، وقيل المعنى: أقبل ظلامه، وذلك أَوفق للآية التالية، لما بين إقبال الليل وتنفس الصبح من المناسبة، (وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ) أي: لا أُقسم كذلك بعظمة الصبح إذا تبلج وأَضاءَ، وامتدَّ حتى صار نهارًا بيِّنا أَزال غمة الظلام التي كانت تغمر الأَحياء فاستقبلوا يومهم مستبشرين بحياة جديدة في يوم جديد.
والتعبير بقوله سبحانه: (تَنَفَّسَ) لأَن الصبح إذا أَقبل: أَقبل بإقبال روح ونسيم فجعل ما يصاحبه نفسًا له على المجاز.
19، 21 - (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ):
ذلك جواب القسم وهو المقسم عليه المراد توكيده وتقريره، أي: إن هذا القرآن العظيم الناطق بما ذكر من العظائم الهائلة (لقول رسول كريم) كرمة الله وعظمة، وهو جبريل عليه السلام كما قال ابن عباس وقتادة والجمهور، وقد قاله من جهة ربه سبحانه وتعالى وإنما أُسند قوله إليه، لأَنه حامله إلى النبي صلى الله عليه وسلم وناقله إليه من مراسل عز وجل (ذِي قُوَّةٍ) أي: قدرة على ما يكلف به لا يعجز ولا يضعف، كما قال سبحانه في سورة النجم:"شَدِيدُ القُوَى، ذُو مِرَّةٍ" بمعنى أَنه مع قوته يتصف بالحصانة في العقل والرأْي.
جاءَ في قوله أنه عليه السلام بعث إلى مدائن لوط، وهي أربع مدائن، في كل مدينة أربعمائة ألف مقاتل سوى الذراري، فحملها بمن فيها من الأرض السفلى، ثم هوى
بها فأَكلها، وقيل المراد: القوة في أَداء الطاعة لله تعالى وترك الإخلال بها. (عندَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ) أي: له مكان رفيعة، ومنزلة سامية، وشرف عظيم عند صاحب العرش جل شأْنه والعندية عندية تشريف وإكرام لا عندية مكان، ولما كانت حال المكانة على حسب حال المكين قال -سبحانه-:(عند ذي العرش مكين) ليدل على عظم منزلته ومكانته بما لا يدع مجالا لشك أَو مماراة (مطاع ثم أمين) أي: مطاع هنالك في العالم الإلهي بين الملائكة المقربين عليهم السلام يصدرون عن أمره، ويرجعون إلى رأْيه، وهو أمين على الوحي، لا يزيد فيه، ولا ينقص مما أمر بتبليغه، وفي رواية عنه عليه السلام قال:"أمانتي أني لم أُومَر بشيءٍ فَعَدَوْته إلى غيرِه"
22 -
(وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ)
صاحبهم هو نبينا صلى الله عليه وسلم نفى الله عنه الوصف بالجنون لأن بعض قريش كان يرميه بذلك عند ما يسمع منه غريب الخبر عن اليوم الآخر وغيره من مواضع العبر ما لم يكن معروفًا عندهم، ولا مأْلوفًا لعقولهم، والتعبير عنه بصاحبكم أبلغ في استدلال عليهم، فإنه صلى الله عليه وسلم نشأَ بينهم من صغره إلى كبره، وما عرفوا منه إلا كمال العقل، والتبريز في الفضل، وأنه كملهم وصفًا وأَصفاهم ذهنًا، فكيف يوصف بالجنون عندما تأْتيه الرسالة من ربه؟ ولا يصفه بذلك إلا من سفه نفسه وتملكه الحمق والجنون.
23 -
(وَلَقَدْ رَأَهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ):
أي: وبالله إن محمدًا صلى الله عليه وسلم قد رأى جبريل عليه السلام بالأفق الأعلى الواضح المُظهِر لما يُرى فيه (1) من جهة المشرق كما روي عن الحسن وقتادة ومجاهد وسفيان، وهي الرؤية الأولى بمكة، الواقعة في غار حراء، رآه بالصورة التي خلفه الله عليها، وعن مجاهد أنه صلى الله عليه وسلم رآه نحو جياد وهو مشرق مكة، وقيل غير ذلك.
وأخرج الطبراني وابن مردويه عن ابن عباس أنه قال في الآية: رآه بصورته عند سدرة المنتهى، والأفق - على هذا- بمعنى الناحية، أي: ناحيتها.
(1) الأفق بالضم وبضمتين: الناحية، والجمع: آفاق. أهـ: قاموس.
24 -
(وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ):
أَي: وما رسول الله صلى الله عليه وسلم ببخيل بما يأْتيه من الوحي، ولا بمقصر في تبليغه لكم وتعليمكم إياه.
وسمى الوحي غيبًا، لأَنه لا يعرفه، ولا يعلم حقيقته من البشر إلا الذي يوحي إليه، أو المعنى أنه صلى الله عليه وسلم ليس بمتهم على الغيب، بل هو صادق في كل ما أخبر به عن الله تعالى -وكما لم يعرف عنه الكذب في ماضي حياته، فهو غير متهم فيما يحكيه عن جبريل عليه السلام وذلك على قراءَة بظنين.
25 -
(وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ):
أي: ليس القرآن المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم بقول شيطان مسترق للسمع من الملأ الأعلى حتى تقولوا إنه كهانة، ولا يتأتى أن يكون كذلك، لأن صاحبكم قد عرف بصحة العقل وبالأمانة على الغيب، فلا يكون ما يحدثكم به من أخبار الآخرة، ومن الشرائع والأحكام قول شيطان رجيم؛ قال تعالى:(وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ * وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ * إِنَّهُمْ عَنْ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ)(1).
26 -
(فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ):
بتهمهم بالضلال واعتبارهم ضلال فيما يسلكونه في أمر القرآن العظيم، أي: فأي مسلك تسلكون، وقد قامت عليكم الحجة بوضوح آياته، وسطوع براهينه، وأَحاط بكم الحق من كل جوانبكم، وذلك كما يقال لتارك الجادة اعتسافًا أو ذهابًا في بنيات (2) الطريق: هذا الطريق الواضح، فأَين تذهب؟! مثلث حالهم في تركهم الحق مع وضوحه وظهوره، وعدولهم عنه إلى الباطل مع قبحه ومقته، بحالة من ارتكب شططًا في سيره. وقيل: فأَين تذهب عقولكم في تكذيبكم بهذا القرآن مع ظهوره ووضوحه، وبيان كونه من عند الله
(1) الشعراء، الآيات: 210 - 212.
(2)
وهي الطرق الصغيرة المتفرعة المتشعبة من الجادة.
عز وجل - كما قال الصديق رضي الله عنه لوفد بني حنيفة حين قدموا مُسْلِمين، وأَمرهم فَتَلَوْا عليه شيئًا من قرآن مسيلمة الكذاب الذي هو في غاية الهذيان والركاكة. فقال: ويحكم أين يذهب بعقولكم؟! والله إن هذا الكلام لم يخرج من إله. وقال قتادة: (فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ) أي: عن كتاب الله وعن طاعته، وقال الزجاج: معناه فأَي طريق تسلكونه أَبْين من هذه الطريقة التي بينت لكم، وقال الجنيد: فأَين تذهبون عنا وإن من شيء إلَّا عندنا.
27، 28 - (إِنْ هُوَ إِلَاّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ * لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ) /
أي: ما هذا القرآن إلَّا ذكر لجميع الناس يتذكرون به ما وقر في قلوبهم من الميل إلى الخير، وإنما أنساهم ذكره ما طرأ على طباعهم من أَنواع السوء التي تحدثها أَمراض التقلب في الحياة (لِمَن شَاءَ منِكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ) بدل من العالمين، أَي: إنه ذكر يتذكر به من وجه إرادته للاستقامة على الجادة الواضحة، بملازمة الحق والعدل، وتحري الصواب، وأما من صرف نفسه عن ذلك ولم يرد إلَّا الاعوجاج والانحراف، فذلك الذكرُ لا يؤَثر فيه، ولا يخرجه عن غفلته هذا، وقد فرض الله على المكلف أَن يوجه فكره نحو الحق ليطلبه وأن يحفز عزمه إلى الخير ليكسبه.
29 -
(وَمَا تَشَاءُونَ إِلَاّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ):
روي عن سليمان بن موسى والقاسم بن مخيمرة أنه لما نزلت (لمن شاء منكم أن يستقيم) قال أبو جهل: جعل الأمر إلينا، وإن شئنا استقمنا، وإن شئنا لم نستقم، فأنزل الله تعالى:(وما تشاءون .. ) الآية.
أي: وما تشاءُون الاستقامة مشيئة نافعة لسبب من الأسباب، أو في وقت من الأوقات إلا أن يشاء الله تلك المشيئة المستتبعة للاستقامة، فإن مشيئتكم لا تستتبع الاستقامة بدون مشيئة الله تعالى، فهو سبحانه خلق العبد وأحاط علمه بكل ما يصدر عنه ويضمره من خير وشر، واستقامة وضلال وفق اختياره، وبدافع من مشيئته واستعداده فإن فعل
بسبب ذلك خيرًا أعانه الله عليه، وإن كان شرًّا لم يُعِنْهُ وتركه للشياطين يضلونه، ولهواه يتحكم فيه، ولهذا يكون مسئولا عن كل ما يفعله لأنه فعله مختارًا حسب استعداده الذي عَلِمَهُ الله فيه عند خلقه، كما قال تعالى:"أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ"(1).
وهو سبحانه: (رَبُّ العَالَمِينَ) أي: مالك الخلق ومربيهم، ومانحهم كل ما يتمتعون به من القوى والقُدَرِ، وصاحب السلطان عليهم، تبارك اسمه، وعلا علوًّا كبيرًا، والله أعلم.
(1) سورة الملك، الآية:14.