المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌أهم مقاصد السورة: - التفسير الوسيط - مجمع البحوث - جـ ١٠

[مجموعة من المؤلفين]

فهرس الكتاب

- ‌سورة المجادلة

- ‌مدنية وآياتها ثنتان وعشرون

- ‌أهم مقاصدها:

- ‌أسماء هذه السورة:

- ‌مناسبتها لها قبلها:

- ‌سؤال هام وجوابه:

- ‌سورة الحشر

- ‌مدنية وعدد آياتها أربع وعشرون

- ‌وتسمى سورة بني النضير كما قال ابن عباس

- ‌مناسبتها لما قبلها:

- ‌أهم أغراض السورة:

- ‌سورة الممتحنة

- ‌مدنية وآياتها ثلاث عشرة آية

- ‌مناسبتها لما قبلها:

- ‌مقاصد هذه السورة الكريمة:

- ‌سورة الصف

- ‌مدنية وآياتها أربع عشرة

- ‌أَسماء هذه السورة:

- ‌مناسبتها لما قبلها:

- ‌أهم مقاصد السورة:

- ‌سورة الجمعة

- ‌مدنية وآياتها إِحدي عشرة

- ‌صلتها بما قبلها:

- ‌بعض مقاصد السورة:

- ‌أَذان الجمعة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عهد عثمان رضي الله عنه

- ‌المراد من السعي وذكر الله:

- ‌العدد الذي به تصح الجمعة

- ‌هل حضور الحاكم شرط في صحة الجمعة

- ‌القيام شرط في الخطبة

- ‌أَحكام مختلفة

- ‌أَركان الخطبة:

- ‌سورة المنافقون

- ‌مدنية وآياتها إحدي عشرة آية

- ‌صلتها بما قبلها:

- ‌مقاصد السورة:

- ‌سورة التغابن

- ‌هذه السورة الكريمة مدنية وآياتها ثماني عشرة آية

- ‌وسميت بهذا الاسم لورود كلمة التغابن في الآية التاسعة منها

- ‌مناسبتها لما قبلها:

- ‌بعض مقاصد هذه السورة:

- ‌سورة الطلاق

- ‌مدنية وآياتها اثنتا عشرة

- ‌مناسبتها لما قبلها:

- ‌أَهم أغراض السورة:

- ‌سورة التحريم

- ‌مدنية وآياتها اثنتا عشرة آية

- ‌مناسبتها للسورة التي قبلها وهي سورة الطلاق:

- ‌أغراض السورة:

- ‌سورة الملك

- ‌مكية وآياتها ثلاثون آية

- ‌مقاصدها:

- ‌صلة هذه السورة بما قلبها:

- ‌أسماء السورة وفضلها:

- ‌سورة القلم

- ‌ومناسبة سورة القلم للسورة السابقة (سورة الملك):

- ‌المعنى العام للسورة

- ‌سورة الحاقة

- ‌مناسبة هذه السورة لما قبلها:

- ‌بعض مقاصد السورة:

- ‌سورة المعارج

- ‌مكية وآياتها أربع وأربعون آية

- ‌صلة هذه السورة بما قبلها:

- ‌بعض مقاصد السورة:

- ‌سورة نوح

- ‌مكية، وهي ثمان وعشرون آية

- ‌وجه اتصالها بما قبلها:

- ‌أَهم مقاصد السورة:

- ‌سورة الجن

- ‌مكية وآياتها ثمان وعشرون آية

- ‌صلتها بما قبلها:

- ‌بعض مقاصد هذه السورة:

- ‌1 - الملائكة:

- ‌2 - الجن:

- ‌3 - الشياطين:

- ‌سورة المزمل

- ‌هذه السورة الكريمة مكيَّة وآياتها عشرون آية

- ‌مناسبتها لما قبلها:

- ‌بعض مقاصد هذه السورة:

- ‌ما جاء في سبب النزول:

- ‌سورة المدثر

- ‌مناسبتها لما قبلها:

- ‌أَول ما نزل من القرآن:

- ‌من مقاصد السورة:

- ‌سورة القيامة

- ‌مناسبتها لما قبلها:

- ‌بعض مقاصد السورة:

- ‌سورة الإِنسان

- ‌مناسبتها لما قبلها:

- ‌بعض مقاصدها:

- ‌سورة المرسلات

- ‌صلتها بما قبلها:

- ‌أَهم مقاصد السورة:

- ‌(هَذَا يَوْمُ لا يَنطِقُونَ (35) وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (36) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (37))

- ‌(هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالأَوَّلِينَ (38) فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (39) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (40))

- ‌سورة النبأ

- ‌مناسبتها لما قبلها:

- ‌مقاصد السورة:

- ‌سورة النازعات

- ‌مناسبتها لما قبلها:

- ‌أَهم مقاصد السورة:

- ‌سورة عبس

- ‌صلتها لما قبلها:

- ‌أهم مقاصد السورة:

- ‌سورة التكوير

- ‌صلتها بما قبلها:

- ‌أهم مقاصدها:

- ‌سورة الانفطار

- ‌صلتها بما قبلها:

- ‌بعض مقاصد السورة:

- ‌سورة المطففين

- ‌صلة هذه السورة بما قبلها:

- ‌بعض مقاصد السورة:

- ‌سبب نزول السورة:

- ‌سبب النزول:

- ‌سورة الانشقاق

- ‌مناسبتها لما قبلها:

- ‌بعض مقاصد السورة:

- ‌سورة البروج

- ‌مناسبتها لما قبلها:

- ‌أَهم مقاصد السورة:

- ‌سورة الطارق

- ‌صلتها بما قبلها:

- ‌أَهم مقاصد السورة:

- ‌سورة الأعلى

- ‌مناسبتها لما قبلها:

- ‌مقاصد السورة:

- ‌سورة الغاشية

- ‌مناسبتها لما قبلها:

- ‌مقاصد السورة:

- ‌سورة الفجر

- ‌مناسبتها لما قبلها:

- ‌أَهم مقاصدها:

- ‌سورة البلد

- ‌صلتها بما قبلها:

- ‌بعض مقاصد السورة:

- ‌سورة الشمس

- ‌صلتها بما قبلها:

- ‌بعض مقاصد هذه السورة:

- ‌سورة الليل

- ‌صلتها لما قبلها:

- ‌بعض مقاصد السورة:

- ‌سبب النزول:

- ‌سورة الضحى

- ‌صلتها لما قبلها:

- ‌بعض مقاصد السورة:

- ‌سبب النزول:

- ‌سورة ألم نشرح

- ‌مناسبتها لما قبلها:

- ‌أَهم مقاصد السورة:

- ‌سورة والتين

- ‌مناسبها لما قبلها:

- ‌أَهم مقاصدها:

- ‌سورة العلق

- ‌مناسبتها لما قبلها:

- ‌أَهم مقاصدها:

- ‌سورة القدر

- ‌مناسبتها لما قبلها:

- ‌أَهم مقاصدها:

- ‌سورة البينة

- ‌مناسبتها لما قبلها:

- ‌أَهم مقاصد السورة:

- ‌سورة الزلزلة

- ‌مناسبتها لما قبلها:

- ‌أَهم مقاصدها:

- ‌سورة العاديات

- ‌مناسبتها لما قبلها:

- ‌مقاصد السورة:

- ‌سورة القارعة

- ‌مناسبتها لما قبلها:

- ‌مقاصد السورة:

- ‌سورة التكاثر

- ‌مناسبتها لما قبلها:

- ‌مقاصد السورة:

- ‌سورة العصر

- ‌مناسبتها لما قبلها:

- ‌مقاصد السورة:

- ‌بعض ما جاء فيها:

- ‌(وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ):

- ‌سورة الهُمَزَة

- ‌مناسبتها لما قبلها:

- ‌مقاصد السورة:

- ‌سورة الفيل

- ‌مناسبتها لما قبلها:

- ‌مقاصد السورة:

- ‌سورة قريش

- ‌مناسبتها لما قبلها:

- ‌مقاصد السورة:

- ‌سورة الماعون

- ‌مناسبتها لما قبلها:

- ‌مقاصد السورة:

- ‌سورة الكوثر

- ‌مناسبتها لما قبلها:

- ‌مقاصد السورة:

- ‌سورة الكافرون

- ‌مناسبتها لما قبلها:

- ‌مقاصد السورة:

- ‌بعض فضائلها:

- ‌سورة النصر

- ‌مناسبتها لما قبلها:

- ‌مقاصد السورة:

- ‌سورة المسد

- ‌مناسبتها لما قبلها:

- ‌مقاصد السورة:

- ‌سورة الإخلاص

- ‌مناسبتها لما قبلها:

- ‌مقاصد السورة:

- ‌سبب نزول السورة:

- ‌بعض ما جاء في فضلها:

- ‌سورة الفلق

- ‌مناسبة السورة لما قبلها:

- ‌مقاصد السورة:

- ‌سورة الناس

- ‌مناسبتها لما قبلها:

- ‌مقاصد السورة:

الفصل: ‌أهم مقاصد السورة:

‌سورة النازعات

مكية وعدد آياتها ست وأربعون آية وكما تسمى النازعات تسمى أيضًا الساهرة، والطامة

‌مناسبتها لما قبلها:

قال ابن عباس: إِن أَولها يشبه أَن يكون قسمًا لتحقيق ما في سورة عَمَّ، أَو ما تضمنته كلها من بعث النَّاس وقيامهم للحساب والجزاء، وفي البحر: لما ذكر سبحانه في آخر ما قبلها الإِنذار بالعذاب يوم القيامة أَقسم عز وجل في هذه على البعث في ذلك اليوم الذي يقع الإنذار بالعذاب فيه.

‌أَهم مقاصد السورة:

افتتحت بالقسم بطوائف الملائكة الأَبرار على تحقيق البعث، تُزلزِل النفخة الأُولى جميع الكائنات، تتبعها النفخة الثانية لتهب الخلائق قيامًا للجزاءِ والحساب:(وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا * وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا) الآيات.

ثم تحدثت عن استبعاد المشركين للبعث والنشور ولا سيما بعد أَن بليت أَجسامه الموتى وتفتت عظامهم، وصاروا أَثرًا بعد عين، ثم ذكرت الرد عليهم بما يسقط حجتهم، ويبطل عجبهم أَمام القدرة العظيمة. (يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ

) إِلخ. ثم تناولت قصة فرعون الذي ادعى الأُلوهية، وتمادى في الطغيان والجبروت، فكانت عاقبته الدمار والهلاك وعذاب الآخرة والأَولى هو وقومه الذين كانوا أَعوانًا له في ظلمه وبغيه، وذلك لتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم عما يلقاه من أَهل مكة:(هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَي .. ) الآيات، ثم ذكَّرت الإِنسان بسعيه، وأَظهرت ما ينتظر الطغاة أَهل مكة، وما أُعد لمن خاف مقام ربه (فَإِذَا جَاءَتْ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى

) الآيات، ثم أَنكرت ونعت على منكري البعث تكذيبهم به، وهم في منطق الحق والواقع ليسوا بأَشد خلقًا من السماءِ والأَرض وتوابعهما من مظاهر القدرة البالغة (أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا .. ) الآيات.

ص: 1761

وضحت السورة بالحديث عن وقت الساعة، وأَن بيانه الله وحده، وأَمَّا وظيفة الرسول صلى الله عليه وسلم فهي الإِخبار -عن قربها، التذكير بها وبما يكون فيها من أَهوال لا يَعيَّن وقتها (يَسْأَلُونَكَ عَنْ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا

) الآيات.

كما أَشارت في الختام أَيضًا إِلى أَن ما أَصابهم من فزع، أَنساهم الزمن الذي مر بهم حتى حسبوا أَن الوقت بين إِنذارهم بالبعث إِلى قيامهم من قبورهم للجزاءِ، عشية أَو ضحى من يوم واحد (كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا .. ) الآية.

(بسم الله الرحمن الرحيم)

وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (1) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (2) وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا (3) فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا (4) فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (5) يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (6) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (7) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (8) أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ (9) يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ (10) أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً (11) قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ (12) فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (13) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (14))

المفردات:

(وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا) أَي: الملائكة التي تنزع أَرواح الكفار من أَقاصي أَجسامهم نزعًا بالغ الشدة، يقال: أَغرق في الشيءِ يغرق فيه: إِذا أَوْغَل وبلغ أَقصى غايته.

(وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا): الملائكة تنشط وتقبض أَرواح المؤمنين برفق ولين من النشط وهو الإِخراج بيسر وسهولة، ومنه بئر أَنشاط: قريبة القاع يُخْرج منها الدلو بجذبة واحدة.

ص: 1762

(وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا): الملائكة تسرع بما أَمرت به، ومنه قيل للجواد المسرع: سابح.

(الرَّاجِفَةُ): النفخة الثانية التي تردف وتتبع الأُولى، وبها يبعث الموتى بأَمره تعالى، يقال: ردفه كسمع ونصر: إِذا أَتبعه كأَردفه.

(وَاجِفَةٌ): شديدة الاضطراب من الخوف والفزع يقال: وجف القلب يجف وجْفًا ووجيفاُ: إِذا اضطرب من شدة الفزع.

(أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ): يقال: رجع فلان في حافرته وعلى حافرته، أَي: طريقه التي جاءَ فيها.

(نَخِرَةً): بالية متفتتة، من نخر العظم ينخر من باب تعب: إِذا بلي وتفتت.

(خَاسِرَةٌ): أَي: رجعة غير رابحة من الكر وهو الرجوع.

(بِالسَّاهِرَةِ): وهي وجه الأَرض، والعرب تسميه ساهرة؛ لأَن فيه نوم الحيوان وسهره.

التفسير:

1 -

(وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا):

هذه أَولُ الطوائف الخمس من الملائكة الموكلين بأَعمال جسام بأَمره تعالى، وهم الذين أَقسم سبحانه على أَن الخلق لا بد أَن يبعثوا ويحاسبوا، وجواب القسم أَشار إِليه مضمرا، كأَنه قال: لتبعثن ولتحاسبن، وذلك لمعرفة السامعين بالمعنى، وقيل غير ذلك.

والطائفة الأُولى وهي ملائكة العذاب التي تنزع أَرواح الكفار بقسوة وشدة من أَقاصي أَجسامهم نزعًا بالغا غاية الصعوبة والعسر كما يشير إِلى ذلك قوله: (غَرْقًا) أَي: إِغراقًا ومبالغة فيما يؤلمهم ويؤذيهم، وتختص هذه الطائفة بأُولئك الكفار على ما أَخرجه سعيد بن منصور وابن المنذر وعن على -كرم الله وجهه- قال ابن مسعود: تنزع الملائكة روح الكافر من جسده من تحت كل شعرة، ومن تحت الأَظافر وأُصول القدمين، ثم تفرقها في جسده ثم تنزعها حتى إِذا كادت تخرج تردها في جسده وهكذا مرارًا.

ص: 1763

2 -

(وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا):

وهي ملائكة الرحمة التي تنشط أَرواح المؤمنين برفق ولين، وذلك مما يشير إِلى مسرعة الإِخراج وعدم حاجته إِلى معالجة وجهد، يقال: بئر أَنشاط، أَي: قريبة القاع يخرج منها الماء بجذبة واحدة.

فالمادة تدل على الرفق والسهولة.

3 -

(وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا):

الملائكة التي تنزل من السماءِ بأَمر الله ووحيه كالذي يسبح في الماءِ مسرعين لتنفيذ أَمره، وقال بعض السلف: همُ الملائكة يسلون أَرواح المؤمنين سلًّا رقيقًا، ثم يتركونها حتى تستريح رويدًا ثم يستخرجونها برفق ولطف، كالذي يسبح في الماء، فإِنه يتحرك برفق، فهم يرفقون في هذا الاستخراج لئلا يصل إِلى المؤمن أَلم وشدة.

4 -

(فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا):

الملائكة تَسبق بأَرواح المؤمنين إِلى الجنة بسرعة، قال الحسن: هي الملائكة التي سبقت إِلى الإِيمان والتصديق بالبعث.

5 -

(فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا):

الملائكة تدبر شئون الكون من السماءِ إِلى الأَرض بأَمره تعالى من الرياح، والأَمطار، والأَرزاق، والأَعمار، وغير ذلك من شئون الدنيا، وتنكير قوله:(أَمْرًا) للتهويل والتفخيم، وعطف الآيتين بالفاء للإِشارة إِلى ترتيبها على ما قبلها من غير مهلة، وقيل: إِن الإِقسام هو بِخَيْل الغزاة التي تنزع في أَعنتها نزعًا تفوق الأَعنة لطول أَعناقها لأَنها عراب، وبالتي تخرج من دار الإِسلام إِلى دار الحرب من قولك: ثورنا شط: إِذا خرج من بلد إِلى بلد، وبالتي تسبح في جريها فتسبق إِلى الغاية، فتدبر أَمر الغلبة والظفر، وإِسناد أَمر التدبير إليها لأَنها من أَسبابه.

ص: 1764

وقيل: إِن الإِقسام بالنجوم السيارة التي تنزع من المشرق إِلى المغرب، أَي: تسير، وإِغراقها في النزع: أَن تقطع الفلك كله على ما يبدو للناس حتى تخط في أَقصى الغرب، وبالتي تنشط، أَي: تخرج من برج إِلى برج، وبالتي تسبح في الفلك فتسبق، فندبر أَمرًا نيط بها كاختلاف الفصول، وتقدير الأَزمنة، وظهور مواقيت العبادات، والمعاملات المؤجلة إِلى غير ذلك، وقيل غير ما ذكر، إِلَاّ أَن القسم بطوائف الملائكة هو ما عليه أَكثر المفسرين بل قال ابن عطية: لا أَحفظ خلافا في أَنها الملائكة، وليس في تفسير شيء مما ذكر خبر صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أَعلم. ويقول الآلوسي: وما ذكرته أَولا الإِقسام بالملائكة هو المرجع عندي نظرًا للمقام.

6، 7 - (يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ):

أي: لتبعثن يوم تتحرك الراجفة رجفة شديدة تهتز وترجف عندها الأَجرام الثانية كالأَرض والجبال، وبها يختل الأَمر، ويضطرب النظام، ويصعق كل شيءٍ بَأمره تعالى، وهي النفخة الأَولى (تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ) أَي: الواقعة والصيحة التي تردف الأُولى.

وإِسناد الرجف إِليها على أَنها فاعلته إِسناد مجازي وجوز أَن التفسير الراجفة بالمحركة ويكون ذلك حقيقة، لأَن (رجف) يكون بمعنى حرك وتحرك كما في القاموس.

وتتبعها وهي النفخة الثانية التي بها يسرع الخلق قيامًا من قبورهم ينتظرون الجزاءَ والحساب والمراد لتبعثن في اليوم الذي تقع فيه النفخة الأُولى حال كون النفخة الثانية تابعة لها لا قبلها باعتبار امتداد ذلك اليوم لاحتواء النفختين واعتبار امتداده مع أَن البعث لا يكون إِلا عند وقوع النفخة الثانية لتهويل اليوم ببيان كونه موقعًا لداهيتين عظيمتين، لا يبقى عند وقوع الأُولى حيَّ إِلَاّ مات، ولا عند وقوع الثانية ميت إِلا بعث، وقيل المعنى: لتبعثن، كأنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: اذكر لهم يوم النفختين فإِنه وقت بعثهم.

8، 9 - (قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ * أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ):

أَي: قلوب منكري البعث في ذلك اليوم مضطربة خائفة وجلة، وعند السدي: زائلة من أَماكنها كما في قوله تعالى: "إِذْ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ"(1) يعني نزول من مكانها لتصل إِلى الحناجر.

(1) غافر، من الآية:18.

ص: 1765

(أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ) أَي: أَبصار أَصحاب هذه القلوب ذليلة حسيرة مما عانت من الأَهوال والشدائد، وقد أُريد من وجيف القلوب شدة الخوف الواقع بأَربابها فهي كناية عنهم.

10 -

(يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ):

حكاية لما يقوله المنكرون للبعث المكذبون بالآيات الناطقة به إِثر بيان وقوعه بطريق التوكيد القسمى، وذكر مقدماته الهائلة، وما يعرض عند وقوعها القلوب والأَبصار.

والمعنى: إِن منكري البعث يقولون -إِنكارًا له، واستبعادًا لوقوعه إِذا قيل لهم في الدنيا إنكم مبعوثون:(أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ) يعنون الحياة التي كانوا عليها أَول الأَمر قبل موتهم يقال لمن كان في أَمر فخرج منه ثم عاد إِليه: رجع في حافرته، أَي: في طريقه التي جاءَ منها فحفرها، بمعنى أَثر فيها بمشيه، وتسميتها حافرة مع أَنها محفورة، لنسبتها إِلى الحفر، أَو على المجاز كما في قوله تعالى:"فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ"(1) أَي: منسوبة إِلى الرضا، أو على المجاز وقيل: إنه -تعالى شأْنه- لما أَقسم على البعث، وبين ذُلَّهم وخوْفَهم ذكر هنا إقرارهم بالبعث، وردهم إِلى الحياة بعد الموت، فالاستفهام لاستغراب ما شاهدوه بعد الإِنكار والجملة استئناف لبيان ما يقولون إِذ ذاك.

11 -

(أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً):

تأْكيد لإِنكار البعث بذكر حالة منافية لحصوله أَي: أَئذا كنا عظاما بليت وتفتت واختلطت بتراب الأَرض نُرد ونُبعث مع كون تلك الحالة أَبعد شيءٍ من الحياة، ذلك أَمر بعيد الحصول.

وفرق بين العظام الناخرة والنخرة -حيث إِن النخرة فسرت بالأَشد بِلي، قال عمرو بن العلاءِ: النخرة: التي بليت، والناخرة التي لم تنخر بعدُ، ونقل اتحاد المعنى عن غيره.

(1) الحاقة، آية 21. والقارعة آية: 7

ص: 1766

12 -

(قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ):

حكاية لكفر آخر من منكري البعث متفرع عن كفرهم السابق الذي أَنكروا فيه البعث، أَي: قالوا بطريق الاستهزاء مشيرين إِلى ما أَنكروه من الرد في الحافرة مشعرين بغاية بعده عن الوقوع: (تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ) أَي: رجعة ذات خُسْر، أَو خاسر أَهلها، بمعنى إِذا صحت تلك الرجعة وعدنا إِلى ما كنا عليه من الحياة فنحن خاسرون لتكذيبنا بها، وأَبرزوا ما قطعوا بانتفائه واستحالته في صورة ما يغلب على الظن وقوعه لمزيد من الاستهزاءِ والسخرية.

13 -

(فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ):

تقليل لإِنكارهم إِحياء الموتى الذي عبروا عنه الكرَّة ولما كان مدار إِنكارهم للكرَّة استصعابهم لها، رد عليهم سبحانه بالآية الكريمة: لا تحسبوا تلك الكَّرةَ صعبة على الله عز وجل فإِنها سهلة هينة لأَنها ما هي إِلا صيحة واحدة تحصل بها الرجعة وتتحقق، وهي النفخة الثانية، وعبر عنها بالزجرة تنبيها على كمال اتصالها بها كأَنها عينها، وبهذه النفخة التي ينفخها إسرافيل عليه السلام في الصور يبعث الله الأَولين والآخرين فإِذا هم قيام بين يدي الرب عز وجل ينظرون، كما قال سبحانه:(يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَاّ قَلِيلًا)(1) وكما قال جل وعلا: "وَمَا أَمْرُنَا إِلَاّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ"(2).

14 -

(فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ):

بيان لترتيب الرجعة على الزجرة مفاجأَة، أَي: فإِذا هم حضور في الموقف على وجه الأَرض بعدها كانوا أَمواتًا في جوفها، قال ابن عباس: الساهرة: الأَرض كلها، وكذا قال سعيد بن جبير وقتادة، وحكى الراغب في الساهرة قولين: الأَول: أَنها وجه الأَرض، والثاني أنها أَرض القيامة، وفي الكشاف: الأَرض البيضاء التي لا نبات فيها المستوية، سميت

(1) الإسراء، من الآية:52.

(2)

سورة القمر، الآية:50.

ص: 1767

بذلك لأَن السراب يجري فيها من قولهم: عين ساهرة: جارية الماء، وفي ضدها: عين نائمة، أَي: أَن سالكها لا ينام خوف الهلكة، إِلى غير ذلك من الأَقوال التي ذكرها المفسرون.

(هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (15) إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى (16) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (17) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (18) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (19) فَأَرَاهُ الآيَةَ الْكُبْرَى (20) فَكَذَّبَ وَعَصَى (21) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (22) فَحَشَرَ فَنَادَى (23) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى (24) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى (25) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى (26))

المفردات:

(بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ): الوادي المطهر المبارك.

(طُوًى): اسم للوادي المقدس على الصحيح.

(إِنَّهُ طَغَى): جاوز الحد في الظلم والطغيان.

(إِلَى أَنْ تَزَكَّى): إِلى أَن تسلم وتطيع وتطهر من الذنوب.

(الآيَةَ الْكُبْرَى): هي قلب العصا حيَّة، أَو هي اليد البيضاء.

(ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى): ثم تولى وأَعرض عن الإِيمان مجدًّا في معارضته.

(فَحَشَر): فجمع السحرة من المدائن، أَو الجند، أَو هما معًا (فَحَشَر): من الحشر، وهو إِخراج الجماعة من مقرهم، وتوجيههم إِلى الحرب ونحوها.

ص: 1768

(نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى): وهو عذاب الآخرة بالإِحراق، وعذاب الأُولى بالإِغراق، والنكال: مصدر بمعنى التنكيل.

التفسير:

15 -

(هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى):

بخير الله تعالى رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم عن عبده موسى عليه السلام أَنه ابتعثه إِلى فرعون، وأَيده بالمعجزات البينات، ومع ذلك استمر عدو الله على كفره وعصيانه سادرًا في بغيه وظلمه حتى أَخذه الله أَخذ عزيز مقتدر، وكذلك عاقبة من خالفك، وكذب بما جئت به، وفي هذا تسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم من تكذيب قومه، وتهديدهم له بأَن يصيبهم مثل ما أَصاب من كان أَقوى منهم وأَعظم. ولهذا قال سبحانه في آخر القصة:(إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى) والاستفهام في الآية لحمل رسوله صلى الله عليه وسلم أَن يستمع إِلى أَمر يعرفه قبل ذلك، كأَنه قيل: أَليس قد أَتاك حديث موسى عليه السلام؟! أَو الاستفهام ترغيب لسماع القصة إِن اعتبر أَن هذا أَول ما أَتاه من حديثه عليه السلام كأَنه قيل: هل أَتاك حديثه؟ أَنا أَخبرك به، والأَول هو المتبادر.

16 -

(إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى):

أَي: كَانَ حديث موسى في الوقت الذي: ناداه ربه سبحانه بالوادي المبارك المطهر وهو واد في أَسفل جبل طور سيناء من برية الشام، (طُوًى): اسم لذلك الوادي المقدس مرة بعدة أُخرى.

17 -

(اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى):

على إِرادة القول، أَي: قائلا له: (اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ) الآية، أَو تفسير للنداء، أَي: ناداه (اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ)

إِلخ. (إِنَّهُ طَغَى): جاوز الحد في الطغيان على رعيته من بني إِسرائيل، وعلا في الكبر والعظمة ظنًّا منه أَن هذا من مظاهر الأُلوهية، والجملة تعليل للأَمر بالذهاب إِليه، أو لوجود الأَمر بالامتثال بما أَمر به.

ص: 1769

18 -

(فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى):

أَي: فقل له: هل لك رغبة في أَن تتطهر من دنس الكفر والعصيان، ورذائل الأَخلاق والعادات؟ وهو استفهام يقصد به العرض والطلب، وهو أَفضل أَنواعه، وأَوفقها باللطف والأَدب في الدعوة. وقدَّم طلب التطهر على طلب الهداية في الآية التالية، لأَنها تخلية، وهي مقدمة على التحلية.

19 -

(وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى):

أَي: وهل تحب أَن أَدلك وأَرشدك إِلى معرفة ربك فتعرفه؟ (فَتَخْشَى): بأَن يصير قلبك خاضعًا لله مطيعًا بعد ما كان قاسيًا خبيثًا بعيدًا عن الخير، وبأَن يمتلئ علمًا بجلاله وعلو شأْنه كما قال تعالى:"إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ"(1) فمن اتقاه أَمن عقابه، والخشية: ملاك الأَمر، وغاية الهداية، ومن تمسك بها أَتى منه كل خير، ومن تركها اجترأَ على كل شر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الترمذي عن أَبي هريرة:"مَنْ خافَ أَدلجَ (2) ومَن أَدلجَ بلغَ المنزلَ" وعن بعض الحكماءِ: اعرف الله، فمن عرف الله لم يقدر أَن يعصيَهُ طرفهَ عين.

20 -

(فَأَرَاهُ الآيَةَ الْكُبْرَى):

أَي: لما لم يقتنع فرعون بالدليل القولي، أَظهر -سبحانه- له آية ودليلا يراه بعينه بعدما جرى بين موسى عليه السلام وبينه من المحاورات إِلى أَن:"قَالَ إِنْ كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنتَ مِنْ الصَّادِقِينَ"(3) والمراد بالآية الكبري على ما روي عن ابن عباس: قلب العصا حيَّة، فإِنها كانت المقدمة والأَصل، والأُخريات كالتبع أو على ما روي عن مجاهد: ذلك واليد البيضاء، فإِنها باعتبار الدلالة كالآية الواحدة، وقد عبر عنهما بصيغة الجمع في قوله تعالى في سورة طه:"اذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي" باعتبار ما في تضاعيفهما من بدائع الأُمور التي كُلٌّ منها آية لقوم يعلمون، وكونها كبري باعتبار معجزات من قبله

(1) سورة فاطر: من الآية 128

(2)

الدلج محركة، والدلجة بالضم والفتح: السير من أول الليل، وقد أدلجوا. أهـ: قاموس، والمراد مواصلة العمل لبلوغ الغاية.

(3)

الأعراف، من الآية: 106

ص: 1770

من الرسل عليه السلام ولا مساغ لحمل "آياتي" في الآية المذكورة على مجموع معجزاته فإِن ماء هاتين الآتيتين من الآيات التسع إِنما ظهرت على يده عليه السلام على مهل بعد ما غلب السحرة. وترتيب حشد السحرة لم يكن إِلا على إِرادة هاتين الآيتين.

21 -

(فَكَذَّبَ وَعَصَى):

أَي: فكذب فرعون بموسى عليه السلام واعتبر معجزاته الباهرة سحرًا (وَعَصَى) الله عز وجل بالتمَرد على نبيه بعد ما علم صحة الدعوة أَشد عصيان وأَقبحه؛ مما دعاه إِلى إِنكار وجود الله رب العالمين، وكان هو وقومه مأْمورين بعبادته عز وجل، وترك العظمة التي يدعيها ويقبلها من فئته الباغية.

22، 24 - (ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى * فَحَشَرَ فَنَادَى * فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى):

أَي: ثم تولى عن موسى، وأَمعن في تكذيبه مجتهدًا في مكايدته، أَو لما رأَى الثعبان أَدبر مرعوبا يسرع في مشيته من هول ما رأَى، حيث رآه ضخمًا قويًّا، فاغرا فاه متجها نحوه وتبعه قومه -يعلوهم الفزع والاضطراب منهزمين (فَحَشَرَ فَنَادَى) أَي: فجمع السحرة، ويشير إِلى ذلك قوله تعالى:"فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ"(1) وقوله تعالى: "فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى"(2) أَي: فجمع ما يكاد به من السحرة وآلاتهم، وقيل: جنوده، ويجوز أَن يراد جميع النَّاس في مملكته، وبعد أَن جمعهم وقف فيهم خطيبا، فنادى بنفسه أَبو بواسطة المنادى، والأَول هو المناسب لقوله تعالى:(أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى) لا رب فوقي، وكانت لهم أَصنام يعبدونها.

25 -

(فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى):

أَي: فأَهلكه الله ونكل به تنكيل الآخرة، وهو الإِحراق، وتنكيل الأُولى، وهو الإِغراق، وعمل الآخرة والأُولى على الدارين هو الظاهر.

(1) الشعراء، من الآية: 53

(2)

سورة طه، الآية: 60

ص: 1771

وروى عن الحسن وابن زيد وغيرهما، وعن ابن عباس وعكرمة والضحاك والشعبي أَن الآخرة قولته:(أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى) والأُولى قولته: "مَا عَلِمْتَ لَكُم مِّنْ إِلهٍ غَيْرِي" وعن مجاهد أَنهما عبارتان عن أَول معاصية وآخرها، وعلى ذلك، فالتنكيل به والتعذيب له يسببهما ما وقع منه، وما سيقع.

26 -

(إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى):

أَي: إِن فيما ذكر من قصة فرعون، وما اقترف من آثام، وما عوقب به من تنكيل وتخذيل لموعظة لمن شأْنه أَن يخشى، أَي: لمن له عقل يتدبر به عواقب الأُمور ومصائرها، فينظر في حوادث الماضين، وأَحوال الحاضرين ويتعظ بها.

(أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ السَّمَاءُ بَنَاهَا (27) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (28) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (29) وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (30) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (31) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (32) مَتَاعًا لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ (33))

المفردات:

(رَفَعَ سَمْكَهَا) السَّمْكُ: العلو والارتفاع، يقال: سَمَكْتُ الشيءَ: رفعتُه في السماءِ، وبناءٌ مَسْموكٌ: عال مرتفع.

(فَسَوَّاهَا): جعلها ملساءَ مستوية.

(وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا): أي: أَظلمه، يقال: غطش اللَّيل من باب ضرب، وأَغطش: صار مظلما وأَظلمه الله.

(دَحَاهَا): بسطها ومدَّها من الدحو أَو الدحي يعني البسط.

ص: 1772

التفسير

27، 28 - (أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ السَّمَاءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا):

الاستفهام للتقريع والتوبيخ لأَهل مكة المنكرين للبعث بناءً على صعوبته في زعمهم، أَي: أَخَلْقُكُمْ بعد موتكم أَشق وأَصعب أَم خلق السماءِ على عظمها، وانطوائها على الأَعاجيب والبدائع التي يحار العقل في إِدراك كنهها؟! (بَنَاهَا): يضم أَجزائها المتفرقة بعضها لبعض بعد أَن خلقها بقدرته مع ربطها بما يمسكها حتى تكون بنية واحدة، وهكذا صنع -سبحانه- بالكواكب، ووضع كلا على نسبة من الآخر مع ما يمسكه في مداره التي كان منها عالم واحد في النظر سمى باسم واحد وهو السماء التي تعلونا، وعدم ذكر الفاعل فيه وفيما عطف عليه من الأَفعال للتنبيه على تعينه وتفخيم شأْنه عز وجل ما لا يخفى (رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا) بيان للبناءِ، أَي: رفع جرمها، وأَعلى قبتها وجعل مقدار ارتفاعها من الأَرض، وذهابها إِلى جهة العلو مديدًا رفيعًا، قال ابن كثير (1) أَي: جعلها عالية البناء بعيدة الفناء مستوية الأَرجاء، مكللة بالكواكب في الليلة الظلماء (فَسَوَّاهَا) بوضع كل جرم في موضعه حسبما اقتضته الحكمة، وقيل: فسواها بجعلها ملساء مستوية لا ارتفاع فيها ولا انخفاض.

29 -

(وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا):

أَي: جعل الله ليلها مظلمًا؛ لأَنه يقال: أَغطش الليل، كما يقال: أَظلم، ونسبة الليل إِلى السماء لأَنه يكون بمغيب كوكبها وهو الشمس (وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا) أَي: وأَبرز نهارها، والضحى في الأَصل على ما يفهم من كلام الراغب: انبساط الشمس، وامتداد النهار، ثم سمى به الوقت المعروف، وشاع في ذلك وتجوز به عن النهار بقرينة المقابلة بالليل، وعبر عن النهار بالضحى لأَنه أَشرف أَوقاته وأَطيبها وفيه من انتعاش الأَرواح ما ليس في سائرها فكان أوفق لمقام تذكير الحجة على منكري البعث، وإِعادة الأَرواح إِلى أَبدانها، وإِضافة الضحى إِلى السماء لأَنه يحدث بسبب طلوع الشمس.

(1) في مختصره.

ص: 1773

30 -

(وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا):

أَي: بعد تسوية السماء على الوجه السابق، وإغطاش اللَّيل، وإِخراج النهار (دَحَاهَا) أَي: بسطها ومهدها لسكنى أَهلها وتقلبهم في أَقطارها، ويشير إِلى أَن معنى الدحْو أَو الدحي البسط قول أُمية بن أَبي الصلت:

وبث الخلق فيها إذ دحاها

فهم قطَّانها حتى التنادي

وقيل: دحاها: سواها.

والأَكثرون على الأول، والظاهر أَن دحوها بعد خلقها، وقيل: معه، أَي: خلقها مدحوة، وروى الأَول عن ابن عباس، ولعل المراد من خلقها أَولا ثم دحوها ثانيًا، خلق مادتها أَولا ثم تركيبها وإِظهارها على هذه الصورة والشكل مدحوة مبسوطة، كما قيل في قوله تعالى:"ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ" إِلى قوله: "فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ"(1) أَي: إِن السماءَ خلقت مادتها أَولا ثم سويت وأُظهرت على صورتها اليوم.

31 -

(أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا):

أَي: أخرج -سبحانه- من الأَرض الماء وذلك بتفجير الينابيع والعيون، وإِجراء الأَنهار، كما أَخرج منها المرعى، ويقع على الرَّعْي وهو الكلأُ، أَو المراد به كل ما يرعى المرعيّ مما يأَكله الناس والأَنعام، وتجريد الجملة عن العاطف لأَنها بيان وتفسير لـ (دَحَاهَا) وتكملة له، فإن السكنى لا تتأَتي بمجرد البسط والتمهيد، بل لا بد من تسوية أَمر المعاش من المأكل والمشرب.

32 -

(وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا):

أَي: أَثبت الله الجبال في مكانها، وجعلها وقاية للأَرض أَن تميد بأَهلها، والتعبير

(1) فصلت، من الآية رقم 11 ومن الآية رقم 12.

ص: 1774

عنها بالرواسي في كثير من آيات التنزيل ليس لأَن الرسو المنسوب إِليها من مقتضيات ذواتها، بل هو بإِرسائه عز وجل ولولاه لما ثبتت في أَنفسها فضلا عن إِثباتها للأَرض:

33 -

(مَتَاعًا لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ):

أَي: فعل -سبحانه- ذلك كله ليتمتع به الناس والأَنعام، حيث إِن فائدة البسط والتمهيد، وإِخراج الماء والمرعى واصلة إِليهم، وعائدة عليهم وعلى أَنعامهم.

وحاصل المعنى: أَفلا يكون خالقكم وواهبكم ما به تَحْيَوْن، ورافع السماءِ فوقكم وباسط الأَرض تحتكم قادرًا على بعثكم؟! وهل يليق به -سبحانه- أَن يترككم سُدى بغير حساب وجزاءٍ بعد أَن دبركم هذا التدبير ووفر لكم ذلك الخير الكثير، وهو لا يصعب عليه بعثكم - كما تزعمون- بعد أَن شاهدتم الأَعاجيب التي أَوجدتها قدرة القادر العظيم؟!

(فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (34) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى (35) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى (36) فَأَمَّا مَنْ طَغَى (37) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (38) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (39) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41) يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (42) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (43) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (44) إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (45) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (46))

ص: 1775

المفردات:

(الطَّامَّةُ الْكُبْرَى): كالْعَلَمِ على يوم القيامة، وسميت بذلك لأَنها تطم على كل أَمر مفظع، أَي: تغلب وتفوق ما عرفوه من دواهي الدنيا، ومن طمَّ الشيءِ، يطُمُّه طَمًّا: غمره، وكل ما كثر وعلا حتى غلب فقد طم.

(فَأَمَّا مَنْ طَغَى): جاوز الحد في العصيان والكفر.

(هِيَ الْمَأْوَى): المقر والمرجع.

(وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى): أَصل الهوى: مطلق الميل، وشاع في الميل إِلى الشهوات.

(أَيَّانَ مُرْسَاهَا): أَي: متى يقيمها الله ويثبتها، والمرسى: من رسا بمعنى ثبت.

(فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا): أَي: ليس علمها إِليك ولا إِلى أَحد من الخلق.

التفسير

34 -

(فَإِذَا جَاءَتْ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى):

شروع في بيان معادهم إِثر بيان معاشهم، كقوله تعالى:(مَتَاعًا لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكْمْ) والطامة الكبرى: هي الداهية العظمى التي تطم على ما سواها، أَي: تغلب وتفوق ما عرفوه من دواهي الدنيا، وهي كالْعَلَم ليوم القيامة، وروى كونها اسمًا من أَسمائها عن ابن عباس، وروى عنه أَيضًا وعن الحسن أَنها النفخة الثانية، وقيل: إِنها الساعة التي يساق فيها أَهل الجنة إلى الجنة وأَهل النار إلى النار، وقيل: هي ساعة يساق أَهل النار، ووصفت بالكبرى لأَنها أَعظم الدواهي مطلقًا.

35 -

(يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ مَا سَعَى):

المراد: يوم يتذكر كل امرئ ما عمله من خير أَو شر بأَن يشاهده مدونا في صحيفة أَعماله، وقد كان نسيه من فرط الغفلة، أَو طول الأَمد، أَو لشدة ما لقي، أَو لكثرته التي تعجز الحافظ عن الضبط لقوله تعالى:"أَحْصَاُه الله وَنَسُوهُ"(1).

(1) المجادلة، من الآية رقم 6.

ص: 1776

36 -

(وَبُرِّزَتْ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى):

عطف على (جَآءَتْ) من قوله سبحانه: (فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى) أَي: أُظهرت إِظهارًا بينًا فلا تخفى على أَحد (لِمَنْ يَرَى) أَي: لمن شأْنه الرؤْية كائنا من كان، روى أَنه يكشف عنها فتتلظى فيراها كل ذي بصر.

37 -

39 - (فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى):

تفصيل لجواب (إِذَا) من قوله تعالى: (فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى) وهو مقدَّر بنحو: وزع الجزاء على العمل، أَو ظهرت الأَعمال ونشرت الصحف، أَو وقع ما لا يدخل تحت حصر.

(فَأَمَّا مَنْ طَغَى) أَي: عتا وتمرد على الطاعة، وجاوز الحد في العصيان (وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) أَي: فضل لذائذها وشهواتها، وأَتْبع نفسه هواها، ولم يستعدّ للحياة الأخروية الأَبدية بالإِيمان والتقوى (فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى) أَي: دارُ العذاب مأْواه ومستقره، ويتجرع فيها نارًا يتأَجج لظاها تشوي الوجوه، وتنضج الجلود، وكلما نضج جلده بدله الله جلدًا غيرهُ ليذوق العذاب، قيل: نزلت الآية في النضر وأَبيه الحارث المشهورين بالغلو في الكفر والعصيان.

40 -

41 - (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى):

أَي: وأَما عن عرف بسطة السلطان الإِلهي، فخاف مقامه بين يدي ذي الجلال الرفيع يوم الطامة الكبرى وزجر نفسه عن هواها الباطل الذي يميل بها إِلى اقتراف الآثام بحكم الجبلة البشرية، وأَهمل متاع الحياة الدنيا وزخافها التي تعمى وتصم، ولم يغتر بزهرتها وزينتها علمًا منه بوخامة العاقبة. هذا وقد شاع الهوى في الميل إِلى الشهوة، وسمى بذلك -على ما قال الراغب- لأَنه يَهْوِي بصاحبه في الدنيا إِلى كل واهية، وفي الآخرة إِلى الهاوية، ولذلك مدَح مخالفه، قال بعض الحكماء: إِذا أَردت الصواب فانظر هواك فخالفه. وقال الفضيل: أَفضل الأَعمال مخالفة الهوى، إِلى غير ذلك من الأَقوال الداعية إِلى مجافاته

ص: 1777

والبعد عنه (فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى) له لا غيرها أَي: نزله الذي يتمتع فيه بالنعم المقيم، والسعادة الدائمة، وعن ابن عباس أَن الآيتين نزلتا في أبي عزيز بن عمير وأَخيه مصعب ابن عمير رضي الله عنه كان الأَول كافرًا مؤثرًا الحياة الدنيا، وكان مصعب خائفًا مقام ربه ناهيًا النفس عن الهوى، وقد وفى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه يوم أُحد حين تفرق الناس عنه، حتى نفذت السهام في جسمه، فلما رآه عليه الصلاة والسلام متشحطًا (1) في دمه قال: عند الله أَحتسبك .. إِلخ القصة، رواها الآلوسي.

42 -

44 (يَسْأَلُونَكَ عَنْ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا * فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا * إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا):

كان أَهل العناد والكفر من قريش يسأَلون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الساعة متى إِرساؤُها؟ أَي: إِقامتها وإِثباتها يريدون بسؤالهم له صلى الله عليه وسلم أَن يبين لهم الزمان الذي يقيمها فيه ويبثها جل وعلا.

وجوز أَن يكون السؤال عن المكان الذي تنتهي إِليه، أَي: متى مستقرها ومنتهاها؟ كما أَن مرسى السفينة حيث تنتهي.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يردد في نفسه ما يقولون، ويتمنى لو أَمكنه الجواب عما يسأَلون كما هو شأْن الحريص على الهداية، الجاهد في الإِقناع، فهناه ربه عن تمنى ما لا يرجى، وجاءَ النهي على صورة الاستفهام، حيث قال -سبحانه-:(فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا) بمعنى في أَي شيءٍ أَنت من مداومة تذكرها والتطلع إِلى إِخبارهم بوقتها؟ فإِن ذلك ليس من شأنك (2)، أَو الاستفهام إِنكار ورد لسؤال المشركين عنها، أَي: في أَي شيءٍ أَنت من أَن تذكر لهم

(1) مضطربًا فيه. ومنه تشحط الطفل في السلى -وزان الحصى: اضطرب فيه، والسلى: هو ما يكون فيه الولد. المصباح المنير.

(2)

أخرج النسائي وغيره عن طارق بن شهاب قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر من ذكر الساعة حتى نزلت (فيم أنت من ذكراها) فكف عنها، وعلى هذا فالاستفهام تعجيب من كثرة ذكره صلى الله عليه وسلم.

ص: 1778

وقتها. وتعلمهم به حتى يسألوك بيانها -فما أَنت من ذلك في علم به، كقولك: ليس فلان في شيءٍ أَي: في علم. وقيل: (فِيمَ) إِنكار ورد لسؤالهم، وما بعده (أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا) استئناف لتعليل الإِنكار، وبيان لبطلان السؤال، أَي فيم هذا السؤال، ثم ابتدئ فقال:(أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا) أَي: إِرسالك وأَنت خاتم النبيين المبعوث في نسم الساعة (1) علامة من علاماتها ودليل يدلهم على العلم بقرب وقوعها، فحسبهم هذه المرتبة من العلم. (إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا) أَي: إِلى ربك وحده ينتهي علمها، ليس لأَحد منه شيءٌ كائنا من كان، أَو إِليه تعالى يرجع العلم بكنهها، وتفاصيل أَمرها ووقت وقوعها لا إِلى غيره سبحانه، وإِنما وظيفتهم أَن يعلموا بقربها ومشارفتها، وقد حصل لهم ببعثك الذي هو علامة من علاماتها، فما معنى سؤَالهم عنها بعد ذلك؟!

45 -

(إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا):

جاءَ هذا لدفع ما قد يتوهم -حسب الظاهر- من أَنه صلى الله عليه وسلم ليس له أن يذكرها بوجه من الوجوه، فأُزيح ذلك ببيان أَن المنفي عنه عليه الصلاة والسلام ذكرها بقصد تعيين وقتها لهم حينما كانوا يسأَلونه عنها، والمراد إِنما شأْنك أَن تنذر من يخشاها فتنبهه من غفلته حتى يستعد لما يلقاه يومها من أَهوال وشدائد، فوظيفتك الامتثال بما أَمرت به من بيان اقترابها لا تعيين وقتها الذي لم يفوض إِليك، فلا تشغل نفسك بما عنه يسأَلون.

وتخصيص الإِنذار بمن يخشى -مع عموم الدعوة- لأَنه المنتفع بالإِنذار بها، والتخويف منها.

46 -

(كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَاّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا):

أَي: كأَنهم يوم يرون الساعة لم يلبثوا بعد الإنذار بها إِلا عشية يوم أَحد أَو ضحاه، والعشية: من الزوال إِلى الغروب، والضحى: من طلوع الشمس إِلى الزوال، والمراد: أَنهم يستقصرون بعد قيامهم من قبورهم وذهابهم إِلى الحشر -يستقصرون- مدة الحياة

(1) في أوائل علامات الساعة.

ص: 1779

الدنيا حتى كأَنها عندهم كانت عشية من يوم أَو ضحاه، وقال قتادة: ذلك وقت الدنيا حين عاينوا الآخرة وما فيها.

قيل: إذا جاءَت الساعة ذهبت صورة كل زمان مضى من أَذهانهم سواءٌ طال أو قصر، فحسبوا أَنهم لم يمكثوا من يوم خلقهم إلى بعثهم إلا عشية أو ضحاها، أي: طرف من أطراف النهار لا نهارًا كاملا؛ لما هم فيه من خوف وهلع.

وإنما صح إضافة الضحى إلى ضمير العيشة لما بينهما من الملابسة لكونهما في نهار واحد.

والآتية رد لما أَدمجوه في سؤالهم، فإنهم كانوا يسألون عنها بطريق الاستبطاء لها قصدًا إلى الاستهزاء بها كما حكى عنهم "وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ" (1) ومثل هذه (2) قوله تعالى:"كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَاّ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ"(3) والله أعلم.

(1) يس، الآية رقم: 48

(2)

الإشارة إلى قوله تعالى: (كأنهم يوم يرونها ............... ) الآية.

(3)

سورة الأحقاف من الآية: 35

ص: 1780