الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سورة المسد
وهي مكية، وآياتها خمس آيات وتسمى سورة (تبت)
مناسبتها لما قبلها:
إن الله سبحانه وتعالى ذكر في السورة السابقة (سورة النصر) أن ثواب الطاعة هو حصول النصر والاستعلاء في الدنيا ، والثواب الجزيل في الآخرة، وهنا في سورة المسد ذكر أن عاقبة العاصي الخسار في الدنيا والعقاب في الآخرة ، وسورة النصر من آخر ما نزل بالمدينة ، و (سورة تبت) من أول ما نزل بمكة، وهذا يدل على أن ترتيب السور على ما جاء في المصحف الشريف بأمر الله عز وجل.
مقاصد السورة:
1 -
بُدئت السورة الكريمة بالإِخبار بهلاك أبي لهب ، وعدم إغناء شيء عنه من ماله أو ولده أو جاهه ، وتوعدته بأنه سيلقى في الآخرة نارًا ذات لهب (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ).
2 -
ثم ذكر السورة أن زوجته ستكون معه في النار ، وخصها الله بنوع من العذاب. وهو ما يكون حول عنقها من حبل تجذب منه في النار ، وتعرف به يوم القيامة؛ لما كانت عليه من إيذاء للرسول وأصحابه ، ومحاربة لدعوته، وهكذا شاركت زوجها في الكيد لدين الله والصد عن سبيله في الدنيا ، فشاركته في عذاب جهنم يوم القيامة.
(وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ).
(بسم الله الرحمن الرحيم)
(تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (2) سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (3) وَامْرأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (4) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (5))
المفردات:
(تَبَّتْ): خسرت وخابت وهلكت، ومنه قولهم: أَشَابَّةٌ أَم تَابَّةٌ؟ يريدون: أَم هالكة؟ وقال الشهاب: إن مادة (التَّباب) تدور على القطع، وهو مؤد إلى الهلاك ولذا فسر به، وقال الراغب: التباب: الاستمرار في الخسران. وجملة (تَبَّتْ) دعاء عليه.
(وَتَبَّ) أي: وقد هلك وخسر (والجملة خبر عنه).
(سَيَصْلَى نَارًا): سيدخل نارًا لا محالة في الآخرة ويقاسي حرها.
(ذَاتَ لَهَبٍ) أي: ذات شرر وإحراق شديد، ولهب النار: ما يسطع منها عند اشتعالها وشدة توقدها.
(وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ): امرأَته هي أُم جميل بنت حرب أُخت أَبي سفيان، وكانت تحمل حزمة من الشوك فنتشرها بالليل في طريق رسول الله، وقيل: كانت تمشي بين الناس بالنميمة.
(فِي جِيدِهَا): في عُنقها.
(مِنْ مَسَدٍ): المسد: ما فُتِل من الحبال فَتْلًا شديدًا من ليف أَو جلد أَو غيرهما.
التفسير
1 -
(تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ):
أي: هلكت وخسرت يدا أبي لهب، والمراد كله وجملته، وعبّر عن ذلك باليدين لأَن أكثر الأَفعال تزاول بهما، وهذه الجملة دعاء عليه.
وقوله تعالى: (وَتَبَّ) أي: قد أَجاب الله ذلك الدعاءَ وحققه بالفعل، وقد هلك وخسر، وهذا كقولهم: أَهلكه الله وقد هلك.
(وأبو لَهَب): هو عبد العزى بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان شديد العداوة له وللإسلام، أخرج الإمام أحمد والشيخان والترمذي عن ابن عباس: لما نزلت "وأنذر عشيرتك الأقربين" صعد النبي صلى الله عليه وسلم على الصفا، فجعل ينادي "يا بني فهر، يا بني عدي: لبطون قريش" حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطيع أَن يخرج أَرسل رسولًا لينظر ما هو، فجاء أبو لهب وقريش، فقال الرسول:"أَرأَيتكم لو أخبرتكم أَن خيلًا بالوادي تريد أن تُغِيرَ عليكم أَكنتم مُصَدقيَّ؟ قالوا: نعم؛ ما جربنا عليك إلَّا صدقًا، فقال: "إِني نذير لكم بين يدي عذاب شديد" فقال أبو لهب: تَبًّا لك سائر الأيام أَلهذا جمعتنا؟ فنزلت، ويروى أنه مع ذلك القول أخذ بيده حجرًا ليرمي به رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومن هذا يعلم وجه إيثار التباب على الهلاك ونحوه ممَّا تقدم؛ لإيغاله في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإسناده إلى يديه، والتعبير بالماضي في الموضعين لتحقق الوقوع، قال الزمخشري: وذكر أبو لهب بكنيته -والأَصل في الكنية التكريم- قيل: لاشتهاره بها، وقد أُريد بها تشهيره بدعوة السوءِ وأن تبقى سمة له، وذكرهُ بكنية أَوفق بذلك، أَو لكراهة اسمه القبيح (عبد العزى)، أو لجعله كناية عن الجهنمي، كما يقال: أبو الخير، أبو الشر.
2 -
(مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ):
(ما) استفهام في معنى الإنكار، أو ناقية، والمعنى: لم ينفعه ماله وما كسب بماله من الأَرباح والمنافع والوجاهة والأَتباع، أو ما نفعه ماله الذي أَورثه عن أَبيه والذي كسبه بنفسه
وعن ابن عباس: ما كسب من الولد، أَخرج أَبو داود عن عائشة مرفوعًا:"إنَّ أَطْيَبَ مَا يَأكُلُ الرجُلُ مِن كَسبِهِ وإنَّ ولَدَهُ مِنْ كَسبِهِ"، وروي أنه كان يقول: إن كان ما يقول ابن أخي حقًّا فأَنا أفتدي منه نفسي بمالي وولدي، وكان له ثلاثة أبناء: عتبة، ومتعب وقد أسلما يوم الفتح، وسر النبي صلى الله عليه وسلم بإسلامهما ودعا لهما، وشهدا حنينًا والطائف، وعتيبة -بالتصغير- لم يسلم، وهو الذي قتله الأَسد ببركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم وقد كان أبو لهب شديد العداوة لرسول الله، شديد التحريض عليه، شديد الصد عن دين الله.
3 -
(سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ):
أي: سيدخل النار لا محالة في الآخرة ويقاسي حرها، والسين لتأْكيد الوعيد والتنوين في (نَارًا) للتعظيم، أي: نارًا عظيمة ذات اشتغال وشرر وتوقد، وهي نار جهنم.
4 -
(وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ):
أي: وستصلى معه وتُعذب بهذه النار أيضًا امرأَته حمالة الحطب، وهي أُم جميل بنت حرب أُخت أَبي سفيان، وكانت عوراء كما جاءَ في البحر، وسُمِّيت بحمَّالة الحطب على ما أَخرج بن أبي حاتم وابن جرير عن ابن زيد؛ لأنها كانت تأْتي بأَغصان الشوك تطرحها بالليل في طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان رسول الله يطؤها كما يطأ الحرير. وروى عن قتادة أنها كانت مع كثرة مالها وشرفها تحمل الحطب على ظهرها لشدة بخلها. وعن مجاهد أنها كانت تمشي بالنميمة ضد رسول الله صلى الله عليه وسلم وضد دعوته، ويقال لمن يمشي بالنميمة هو يحمل الحطب بين الناس، أي: يوقد نار العداوة، ويوْرث الشر بينهم.
5 -
(فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ):
وأكد -سبحانه- تبشيع عملها وتقبيح صورتها فقال: "فِي جِيدِهَا" أَي: في عنقها (حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ) أي: حبل ممَّا مُسِدَ وقتل وقُوِّي من الحبال، والمراد تصويرها بصورة الحطَّابة التي تحمل الحزمة وتربطها في جيدها؛ تحقيرًا لحالها لتمتعض من ذلك ويمتعض بعلها؛ إذا كانا في منصب الثروة والجاه، ولقد أغضبها ذلك.
فيذكر الآلوسي أنها لمَّا سمعت هذه السورة أنت أبا بكر رضي الله عنه وهو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد وبيدها فهر (1) فقالت: بلغني أن صاحبك هجاني: ولأَفعلن ولأَفعلن، وإن كان شاعرًا فأَنا مثله أَقول: مُذَمَّمًا أَبَيْنَا، ودينه قَلَيْنَا، وأَمره عَصَيْنَا.
وأَعمى الله بصرها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فروي أن أبا بكر قال لها: هل ترين معي أحدا؟ فقالت: أتهزأ بي؟! لا أدري غيرك، فسكت أبو بكر، ومضت وهي تقول: قريش تعلم أني بنت سيدها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لَقَدْ حَجَبَنِي عَنْهَا مَلَائِكَةٌ فَمَا رَأَتْنِي، وَكَفَى اللهُ تَعَالَى شَرَّهَا".
قال الزمخشري: يحتمل أن يكون المعنى: تكون هذه المرأة في نار جهنم على الصورة التي كانت عليها حين كانت تحمل حزمة الشوك، فلا تزال على ظهرها حزمة من حطب النار، وفي جيدها حبل من مسد من سلاسل النار، كما يعذب كل مجرم بما يجانس حاله في جرمه، قال ابن المسيب: كانت في جيدها قلادة فاخرة من جوهر، وأنها قالت: واللَّاتِ والعُزَّى لأَنْفِقها على عداوة محمد، وهكذا شاركت هذه الزوجة زوجها في العداوة الضارية للرسول، وفي الإيذاء للإِسلام وأَتباعه، فشاركته عذاب جهنم وبئس المصير. والله أعلم.
(1) الفهر: الحجر.