الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سورة الحاقة
هذه السورة الكريمة مكية وآياتها إِحدى وخمسون آية والدليل على أَنها نزلت من مكة المكرمة ما أَخرجه الإِمام أَحمد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: خرجت أَتعرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أَن أُسلم فوجدته قد سبقني إِلى المسد، فوقفت خلفه فاستفتح سورة الحاقة، فجعلت أَعجب من تأَليف القرآن وقلت: هذا والله شاعر، فقال الرسول:(وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلا مَا تُؤْمِنُونَ) قلت: كاهن، فقال:(وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ. تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ .. ) إِلى آخر السورة، فوقع الإِسلام في قلبي كل موقع.
مناسبة هذه السورة لما قبلها:
جاءَ في سورة (نون) ذكر يوم القيامة مجملًا في قوله تعالى: (وَلَعَذَابُ الآَخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ* إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ) فبيَّن - سبحانه - في هذه السورة الكريمة نبأَ ذلك اليوم وشأنه العظيم، وذكر أَحوال أُمم كذبوا رسلهم عليهم السلام وما أَصاب هؤلاءِ الأَقوام بسبب ذلك التكذيب من التنكيل والعذاب؛ ليزدجر ويرتدع المكذبون المعاصرون له عليه الصلاة والسلام.
بعض مقاصد السورة:
1 -
بدأَت بذكر صفة القيامة على صورة تبعث في النفوس الهيبة والخوف والفزع منها قال تعالى (الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ).
2 -
تحدثت عن أَقوام من السابقين - عاد وثمود وفرعون ومن قبله وقوم لوط - وقد بلغوا في البغي والطغيان غايته - قد نكل بهم فأَبادهم وجعل بعضهم أَثرًا بعد عين، وبعضًا آخر ليس لهم من باقية ولا أَثر.
3 -
جاءَ فيها ذكر بعض نعم الله على الإِنسان وأَنه نجَّاه يوم لا عاصم من أَمر الله إِلَاّ من رحم، وذلك للتذكرة والاعتبار، قال تعالى:(إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ * لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً).
4 -
عرضت بعد ذلك لذكر أَهوال قيام الساعة: من النفخ في الصور، ورفع الأَرض والجبال وتفتتها، وانشقاق السماء وتداعيها، ووقوف الملائكة على جوانبها، إِلى غير ذلك من الأَهوال والأَحداث الجسام.
5 -
عرضت السورة لمآل من فاز ونجا وأُوتي كتابه بيمينه، وبينت فرحه وافتخاره بذلك قال تعالى:(فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيَهْ) كما أظهرت عاقبة من بار وهلك وأُوتي كتابه بشماله، وأَوضحت حسرته وندمه حيث لا ينفع ذلك، قال تعالى:(وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيهْ).
وفي ختام هذه السورة الكريمة جاءَ التأكيد على أَن القرآن الكريم من عند الله وليس شعرًا ولا كهانة، بل إِنه تنزيل من رب العالمين، وأَن محمدًا صلى الله عليه وسلم لو افترى وتقول على الله شيئًا لأَخذ الله بيمينه وقطع نياط قلبه، فما يستطيع أَحد أَن يمنعه من تنكيل الله به، وكانت نهاية الختام بيان أَن القرآن يُذَكر المتقين فينتفعون ويعملون بما فيه، وأَنه - سبحانه - يعْلْم المكذبين فيجازيهم على ما اقترفوا وقدموا. ثم كان الأَمر منه - سبحانه - لرسوله أَن ينزهه عمَّا لا يليق به (فَسَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى).
(بسم الله الرحمن الرحيم)
{الْحَاقَّةُ (1) مَا الْحَاقَّةُ (2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (3)}
المفردات:
(الْحَاقَّةُ): من حَق: إِذا ثبت ووجب، والمراد بها القيامة.
التفسير
1 -
2 - {الْحَاقَّةُ (1) مَا الْحَاقَّةُ (2)} :
الحاقة؛ هي القيامة: وسميت بهذا الاسم لأَنها الساعة الواجبة الوقوع الثابتة المجيء، فهي آتية
لا ريب فيها، أَو هي التي تثبت فيها الأُمور الحقة من الحساب والثواب والعقاب، أَو التي تعرف بها الأُمور على الحقيقة.
وافتتحت السورة الكريمة بذكر القيامة بهذا الأُسلوب ليزيد الله المؤمنين إِيمانًا لهم بها؛ لأَنهم يعلمون أَنها الحق الثابت الذي لا يتغير، وإِن كانوا مشفقين منها وخائفين من وقعها، كما أَن هذا النسق البديع يقطع بأَن الذين يجادلون ويمارون في وقوعها أَو يتشككون في ذلك لفي بعد عن الحق وتجافٍ عن الصواب، قوله (مَا الْحَاقَّةُ) استفهام أُريد به التعظيم والتفخيم والأَصل: الحاقة ما هي؟ أَيْ: أَيّ شيء هي في صفتها وحالها؟ فوضع الظاهر (الْحَاقَّةُ) موضع المضمر تعظيمًا لشأنها وتهويلًا لأَمرها.
3 -
{وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (3)} :
هذا أَيضًا استفهام أُريد به التعظيم والتفخيم، أَي: أَي شيء أَعلمك بذلك اليوم؟
يعني أَنك لا علم لك بحقيقتها ومدى عظمها وشدة هولها؛ إِذ إِنها في العظم والشدة بحيث لا يصل إلي ذلك علم أَحد ولا همه، وكيفما قدرت حالها فهي أَعظم وأَشد من ذلك.
هذا والنبي صلى الله عليه وسلم كان عالمًا بالقيامة، ولكنه لمَّا لم يعاينها ولم يشاهدها فكأَنه ليس عالمًا بها، قال يحيى بن سلام: بلغني أَن كل شيء في القرآن (وَمَا أَدْرَاكَ) فقد أراه الله إِيَّاه، وعلمه، وكل شيءٍ قال:(وَمَا أَدْرَاكَ) فهو ممَّا لم يُعَلِّمه، كما روي عن سفيان بن عيينة: كل شيء قال فيه: (وَمَا أَدْرَاكَ) أُخبر به، وكل شيءٍ قال فيه:(وَمَا أَدْرَاكَ) فإِنه لم يخبر به. - ذكره القرطبي -.
المفردات:
(الْقَارِعَةِ): القيامة؛ سميت بذلك لأَنها تقرع الناس بالأَفزاع والأَهوال التي تحدث فيها.
(الطَّاغِيَةِ): الواقعة المجاوزة للحدود، وهي الصيحة أَو الرجفة، وقيل غير ذلك.
(بِرِيحٍ صَرْصَرٍ): شديدة الصوت، من الصَّر، أَو شديدة البرد، من الصِّر.
(عَاتِيَةٍ): شديدة العصف والعتّو فلا يستطيع أَحد ردها.
(حُسُومًا): نحسات مشئومات حسمت وقطعت كل خير، أَو متتابعات، وقيل غير ذلك.
(صَرْعَى): هلكى لا حراك بهم.
(أَعْجَازُ نَخْلٍ): أُصول نخل قد تآكلت وخلت أَجوافها ..
(وَالْمُؤْتَفِكَاتُ): المنقلبات، وهي قرى قوم لوط عليه السلام التي رفعها جبريل وقلبها هي ومَن فيها.
(الْخَاطِئَةِ): القبيحة الشائهة.
(رَابِيَةً): زائدة في الشدة.
(طَغَى الْمَاءُ): تجاوز حده حتى علَا على أَعْلَى الجبال.
(الْجَارِيَةِ): سفينة نوح عليه السلام.
(تَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ): تحفظها أُذن من شأنها أَن تحفظ ما سمعت به.
التفسير
4 -
{كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ (4)} :
لما ذكر الله - سبحانه - الحاقة وبين خطرها وعظم شأنها أَتبع ذلك بذكر من كذب بها من الأُمم السابقة، مع بيان ما حل بهم من النكال والعذاب بسبب تكذيبهم وذلك تذكيرا لأَهل مكة وتخويفًا لهم من عاقبة ما هم عليه من العناد والتكذيب.
والقارعة: هي التي تقرع الناس وتخيفهم وتفزعهم، وتقرع السماء بالانشقاق، والجبال والأَرض بالدك والنسف، والنجوم بالطمس والسقوط، وجاءَت (القارعة) موضع الحاقة أَو ضميرها زيادة في وصف شدتها وتهويل أَمرها، كذبت ثمود قوم صالح عليه السلام وكذبت عاد قوم هود عليه السلام بهذا اليوم.
5 -
{فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (5)} :
هذا بيان لما سبق وتفصيل لما أَجمل، وذلك ذكر ما حاق ونزل بهؤُلاءِ وأُولئك من العذاب فأَخبر - سبحانه - أَن ثمود قد أَهلكهم الله بالطاغية، وهي الواقعة المجاوزة للحد في الشدة والقوة، وهي الصيحة التي زادت وتجاوزت كل الصيحات، وقال بعضهم: إِنها الرجفة والزلزال المسبب عن الصيحة، وقيل: إِن المراد من الطاغية هو ذلك الرجل الذي أَقدم على عقر الناقة واسمه قُدار بن سالف، وقد أَهلكهم الله جميعا لأَنهم رضوا بفعله ومالأوه.
6 -
{وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (6)} :
وهذا نوع آخر من العذاب أَنزله الله على عاد قوم هود عليه السلام لما كذبوا رسولهم واستهانوا به وقالوا له: {إِنْ نَقُولُ إِلا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ} (1) فأَهلكهم الله بريحٍ شديدة الصوت، أَو بريح باردةٍ (2) كأَنها التي كرر فيها البرد وكثر حتى تحرق بشدة بردها، وهذه الريح هي الدَّبُور، ففي الحديث الذي أَخرجه البخاري ومسلم يقول صلى الله عليه وسلم:"نُصِرْتُ بِالْصَّبَا وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ" والمراد من وصفها بالعتو أَنها قد بلغت منتهاها ووصلت غايتها في القوة والشدة، أَو عتت على عاد فلم يقدروا على ردّها بحيلة من استتار ببناءٍ أَو استناد إِلى جبل أَو اختفاءٍ في حفرة؛ فإِنها كانت تنزعهم من مكانهم وتهلكهم.
7 -
هذا بيان لكيفية إِهلاكهم بالريح، أَي: سلط الله تلك الريح وأَرسلها عليهم سبع ليال وثمانية أَيام متتابعات دون فتور أَو انقطاع حتى قطعت دابرهم واستأصلت شأْفَتهم، أَو أَن تلك الليالي والأَيام كانت نحسات مشئومات عليهم، وقيل إِنها هي أَيام العجوز وإِنما سميت بذلك لأَن عجوزا من عاد توارت في سرب فانتزعتها الريح في اليوم الثامن فأَهلكتها، وقيل: هي أَيام العجز وهي آخر الشتاءِ فترى وتبصر يا من تتأَتى منك الرؤْية - إِن كنت حاضرًا حينئذ - ترى هؤُلاءِ القوم في تلك الليالي والأيام، أو في مهاب الريح موتى وهلكى، يشبهون ويماثلون أُصول نخل خالية الأَجواف لا شيء فيها؛ لأَن الريح تسلطت عليهم فكانت تدخل أَجوافهم فتصرعها وتخرج أَحشاءَهم، أَو خاوية بمعنى بالية؛ لأَنها إِذا بليت خلت أَجوافها، فشبهوا بعد أَن هلكوا بالنخل الخاوية، وتشبيههم بأَعجاز النخل يشعر بأَنهم كانوا عظامًا في خلْقِهِمْ وأَجسامهم.
(1) من الآية 54 من سورة هود.
(2)
الصر - بالفتح -: مصدر (صرصرته) إِذا شددته، والصر - بالكسر -: البرد.
8 -
{فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (8)} :
أَي فهل ترى وتبصر لَهم من بقية؟ أَو من نفس باقية؟ أَو من بقاء؟!
وذهب قوم إِلى أَن هؤُلاءِ القوم لم يبق من نسلهم أَحد واستدل بهذه الآية على قوله.
9 -
{وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ (9)} :
أَي وجاءَ فرعون - ذلك الجبار الطاغي - ومن سبقه من الأُمم التي كفرت كثمود وعاد ومن تبعهما من الأَعوان والجنود، وجاءَ أَيضًا أَهل تلك القرى الذين كذَّبوا نبي الله لوطا عليه السلام فكفأَ وقلب جبريل عليه السلام تلك القرى ومن فيها، وجاء هؤُلاء وأُولئك جميعًا بالفعلة ذات الخطأ الجسيم والإِثم العظيم.
10 -
{فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً (10)} :
بيّن الله في تلك الآية ذلك الخطأَ الشديد والفعلة الشائنة المنكرة وأَبان عقوبتها، بينها - سبحانه - بأَنها كانت عصيان كل أَمة لرسولها حيث لم ينتهوا عما نهاهم عنه مما كانوا يفعلونه من أَلوان القبائح وضروب الفواحش، فأَنزل الله بهم من العذاب الشديد ما يتوافق ويتناسب مع قبح أَفعالهم وشناعة عصيانهم؛ فأَخذهم أَخذة زائدة شديدة.
11 -
{إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (11)} :
هذا بيان لفضل من الله ومنة على المؤمنين، وزجر وتهديد للكافرين، أَي: إِننا وقت أَن طغى الماءُ وتجاوز حده المعتاد حتى علا وارتفع فوق كل شيءٍ، وذلك بسبب إِصرار قوم نوح عليه السلام على ضروب المعاصي والكفر ومبالغتهم في الاستهزاءِ به، وفي تكذيب ما جاءَ به من الأَحكام والشرائع التي من جملتها أخبار وأَحوال يوم القيامة، إِننا بقدرتنا - وتفضلا منا - جعلناكم ذرية من نجا من الغرق بسبب إِيمانهم بالله وطاعتهم لنبيه نوح عليه السلام ورفعنا آباءَكم وأَنتم في أَصلابهم فوق الماءِ إِلى انقضاءِ أَيام الطوفان، ورفعنا آباءَكم في السفينة الجارية بأَمرنا وحفظنا، وأَغرقنا الكافرين ببغيهم وعصيانهم.
12 -
{لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ (12)} :
أَي: لنجعل تلك الفعلة - وهي إِنجاءُ المؤمنين وإِغراقُ الكفرة - عظة وعبرة لكم، ولكي تحفظها في نفسها وتسمعها وتعمل بها أُذن من شأنها أَن تحفظ وتعي ما ينبغي حفظه، وذلك بأَن تتفكر فيه وتتذكره وتشيعه ولا تضيعه بترك العمل به، وعن قتادة: الواعية: هي التي عقلت عن الله - تعالى - وانتفعت بما سمعت من كتاب الله عز وجل.
وجاءَ قوله تعالى: (أُذُنٌ وَاعِيَةٌ) على الإِفراد والتنكير للإِشعار بأَن الذين يعون ويعقلون ما يسمعون ويعلمون به هم قلة في هؤلاء القوم، ولتوبيخ النَّاس ولومهم بقلة من يعي منهم، وللدلالة - أَيضًا - على أَن الأُذن الواحدة إذا وعت وعقلت من الله فهي المكرمة عند الله، وأَنَّ ما سواها لا يلتفت إِليهم وإِن امتلأَ العالم بهم.
المفردات:
(فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً): فضرب بعضها ببعض حتى اندقت وتفتتت.
(وَانشَقَّتْ السَّمَاءُ): انصدعت بعضها عن بعض.
(وَاهِيَةٌ): مسترخية ساقطة القوى ضعيفة.
(عَلَى أَرْجَائِهَا): الأَرجاءُ: جمع رجًى، وهو الجنب، أَي: على جوانبها.
التفسير
13 -
{فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (13)} :
هذا شروع في بيان نفس الحاقة وكيفية وقوعها إِثر بيان عظمة شأنها بإِهلاك مكذبيها والمراد من النفخة الواحدة - هي نفخة الملك في البوق - وقد أَكدها ههنا بأَنها واحدة لأَن أَمر الله لا يخالف ولا يمانع ولا يحتاج إِلى تكرار، والأَولى أَن يقال: إِنها النفخة الأُولى التي عندها يحصل خراب العالم. قال الإِمام الفخر الرازي: فإِن قيل: لماذا قال بعد ذلك: (يَوْمِئذٍ تُعْرَضُونَ) والعرض إِنما يكون عند النفخة الثانية؟ قلنا: جعل اليوم اسمًا للحين الواسع الذي تقع فيه النفختان والصعقة والنشور والوقوف والحساب، فلذلك قال:(يَوْمِئذٍ تُعْرَضُونَ) كما تقول جئتك عام كذا، وإِنما كان مجيئك في وقت واحد من أَوقاته. أ. هـ.
14 -
{وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (14)} :
أَي: رفعت الأَرض والجبال من أَماكنها إِما بالزلزلة، أَو بريح بلغت من قوة عصفها أَنها تحمل الأَرض والجبال، أَو بملك من الملائكة، أَو بقدرة الله من غير سبب (1) فضربت الأَرض والجبال بعضها بعض ضربة واحدة حتى تندق وتتفتت وتصير كثيبا مهيلا: أَي، رملا رخوا لينًا بعد أَن كانت قوية صلبة متماسكة، وقيل: تنفرق أَجزاؤُها كما قال - سبحانه - {هَبَاءً مُّنبَثًّا} (2) وقيل: المراد فبسطتا بسطة واحدة وسويتا فصارتا أَرضًا لا ترى فيها عوجًا ولا أَمتا: أَي، لا تبصر فيها انخفاضًا ولا ارتفاعًا.
15 -
{فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (15)} :
أَي: فيوم إِذ حدث ذلك من النفخ في الصور ودك الأَرض والجبال نزلت النازلة وقامت القيامة الكبرى.
16 -
{وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (16)} :
أَي: وتفطرت السماءُ وتميز بعضها عن بعض، فهي في هذا اليوم مسترخية ساقطة القوة، وذلك بعد أَن كانت محكمة متماسكة.
(1) ذكر ذلك الإمام الرازي.
(2)
الواقعة من الآية: 6.
17 -
أَي: والملائكة بعد انشقاق السماء وتداعيها - وهي مسكنهم - يقفون على جوانبها وأَطرافها فزعين خائفين من عظمة الله ذي الجلال، ومن هول ذلك اليوم، ويحمل عرش الرحمن - جلَّ وعلا - ثمانية من الملائكة العظام، أَو ثمانية صفوف، ويكون العرش وحملته فوق الملائكة الذين على أَرجاءِ وأَطراف السموات، وقيل: إِن حمل العرش - يومئذ - يكون فوق ظهورهم أَو على رءُوسهم وليس بأَيديهم.
وفي هذا اليوم العصيب الرهيب تعرضون على ربكم للمحاسبة والمساءَلة، قيل: يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات، فأَما عرضتان فجدال ومعاذير، وأَما الثالثة فعند ذلك تطير الصحف فآخذ بيمينه وآخذ بشماله. (لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ) أَي: غير خاف عليه عز وجل سر من أَسراركم لا في هذا اليوم ولا في غيره، وقد جاءَ النظم الكريم على هذه الصورة لمزيد تهديدهم، أَي: تعرضون على من لا يخفى عليه شيءٌ أَصلا، أَو المراد لا يخفى يوم القيامة ما كان مستترا في الدنيا بستر الله عليكم؛ فإِنه - سبحانه - في هذا اليوم يظهر أَحوال المؤْمنين للملأ في عرضات القيامة، فيتكامل سرورهم، ويبدي - جل شأنه - أَحوال أَهل العذاب فيظهر بذلك خزيهم وفضيحتهم وهو المراد من قول الله تعالى:{يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ * فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا نَاصِرٍ} (1).
روي أَن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: حاسبوا أَنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أَنفسكم قبل أن توزنوا؛ فإِنه أَخف عليكم في الحساب غدًا أَن تحاسبوا أَنفسكم اليوم، وتزينوا للعرض الأَكبر.
(1) سورة الطارق، الآيتان: 10،9.
المفردات:
(هَاؤُمْ): خذوا.
(قُطُوفُهَا): جمع قِطف، وهو ما يجتنى من الثمر.
(بِمَا أَسْلَفْتُمْ): بما قدمتم من الأَعمال الصالحة في الدنيا (1).
(الْقَاضِيَةَ): القاطعة لأَمري ولم أُبعث بعدها.
(هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ): بطلت حجتي التي كنت أَحتج بها في الدنيا، وقيل غير ذلك.
التفسير
19 -
{فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (19)} :
هذا توضيح وتبيين لما سبق إِجماله في قوله (يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ) إِذ بالعرض تظهر أَحوال المؤمنين وغيرهم، فأَما الفريق المؤمن الذي يأخذ كتابه بيمينه فيعلم - آنئذ -
(1) جاء في القاموس المحيط: السلف - محركة السين -: اسم من الإِسلاف، ثم قال: وكل عمل صالح قدمته.
أَنه من الناجين الفائزين بالنعيم، لأَن اليمين عند العرب من دلائل الفرح، والمراد بالكتاب هنا: ما كتبته الملائكة وسطرته على العبد من الأَعمال خيرها وشرها، أَي فيقول كل واحد من هؤُلاءِ السعداءِ لغيره أَو لأَهل قرابته - سرورا بنجاته -:(هَاؤُمْ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ) أَي: خذوا كتابي هذا فاقرءُوه حتى ينالكم ما نالني من السرور والفرح؛ ليكمل أُنسي ويزداد ابتهاجي وحبوري.
20 -
{إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (20)} :
أي: إِني كنت في دنيادي أَعمل الخير وأُحسن القصد وأُتقن العمل وأَرجو منه - سبحانه - أَن يجعل عملي خالصا لوجهه غير مدخول برياءٍ أو سمعة، وإِني ظننت في الدنيا أَن ربي - جل شأَنه - سيحاسبني يوم القيامة حسابا يسيرا، وقد حاسبني تبارك وتعالى كما ظننت؛ فالله جلت قدرته - عند ظن عبده به، وقيل: المراد بالظن هنا اليقين والعلم وذلك بناءً على أَن الظاهر من حال المؤْمن تيقن أمور الآخرة، ولكن لمّا كان فيها من التفاوت كسهولة الحساب وشدته - مثلا - عبر عن العلم بالظن للإِشعار والإِشارة إِلى ذلك.
21 -
{فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (21)} :
أَي: إِن هذا الفريق صاحب اليمين في عيشة وحياة قد رضي بها تمام الرضا واطمأن إِليها كمال الاطمئنان؛ وذلك لدوامها وعظمها وخلوصها من الشوائب والأَكدار حتى كأَن تلك العيشة نفسها راضية، وفي الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أَنَّهمْ يعِيشون فَلَا يمُوتون أَبدا. ويصِحُّون فَلا يمْرضون أَبدًا، وينْعمون فلَا يرَوْن بؤْسًا أَبدًا، ويشِبُّون فَلَا يَهْرمُونَ أَبَدًا".
22 -
{فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (22)} :
أَي: يعيش هذا الفريق تلك العيشة الراضية ويحيا هذه الحياة الهانئة في جنة رفيعة القدر عظيمة المنزلة، وهي - كما جاءَ في تفسير ابن كثير - رفيعة قصورها، حسان حورها، نعيمة دورها، دائم حبورها. هذا والجنة في ذاتها عالية فهي فوق السموات غير أَن منازل بعضهم فيها فوق منازل الآخرين، وذلك لتفاوت درجات أَهلها.
23 -
أَي: ثمارها قريبة التناول يدركها ويأُخذها القائم والجالس والمضطجع، أَو سهلة التناول أَخرج عبد بن حميد عن قتادة أَنه قال: دنت فلا يرد أَيديهم عنه بعدٌ ولا شوك:
24 -
{كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (24)} :
يقال لهم ذلك من قبل الله تعظيما لشأنهم وإِدخالا للسرور في قلوبهم، أَي: كلوا أَكلا سائغا لذيذا بلا عناءٍ ولا مشقة، واشربوا شربا رويًّا لا ظمأَ بعده، ولا يعقب هذا الأَكل والشرب شائبة من تنغيص أَو ضرر، وذلك بسبب ما قدمتم من الأَعمال الصالحة في أَيامكم التي خلت ومضت وهي أَيام الدنيا، وهذا الجزاءُ جاءَ منه - سبحانه - تفضلا عليهم وإِكراما لهم، وإِحسانا إِليهم، فقد ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أَنه قال:"اعملوا وسدِّدوا وقارِبُوا واعلموا أَن أَحدًا منكم لن يدخلَ بعمله الجنة" قالوا: ولا أَنت يا رسول الله؟ قال: "ولا أَنا إِلَاّ أَن يتغمدَني الله برحمةٍ منه وفضل"، وقيل المراد من الأَيام الخالية هي أَيام الصيام التي تقلصت فيها شفاههم وغارت أَعينهم وخمصت وجاعت بطونهم من ترك الطعام والشراب امتثالا لأَمر ربهم وابتغاءً لوجهه - سبحانه - فعوضهم عما فاتهم في صومهم.
ولما بين الله حال أَصحاب اليمين وما نالوه من سعادة أَبدية في الدار الآخرة أَردفه وأَعقبه ذكر أَصحاب الشمال وما يقاسونه من ضروب الخزي وأَلوان العذاب وصنوفه، فقال:
25 -
{وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (25)} :
أَي: أَن هذا الصنف الذي يعطى كتابه بشماله - وهو أَمارة النحس وشؤم الطالع - يقول - وقد ملأَته الحسرة وجلَّله الخزي والذل -: يا ليتني لم أُعط كتابي وصحيفة أَعمالي التي تذكرني بقبائح أَفعالي، إِنه من شدة خجله وفرط هوانه يتمنى لو عُذِّب بالنار دون أَن يعرض عليه كتابه حتى لا يناله ذلك العذاب الروحاني الذي هو أَشق وأَشد من العذاب الجسماني.
26 -
{وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (26)} :
أَي: ولم أَعرف شيئا عن حسابي؛ إِذ لا طائل ولا نفع من وراء ذلك؛ فكتابه لم يضم ما ينجيه وليس فيه ما يغنيه من عذاب الله، إِنه قد حوى وشمل كل قبيح يشينه، وسطر فيه ما يهلكه ويرديه.
27 -
{يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (27)} :
أَي: يقول - متمنيا ولا ينفع التمني - ليت الموتة التي متُّها وذقتها في الدنيا كانت هي القاطعة لأَمري ولم أُبعث بعدها ولم أَنل وأَلق ما أَلقاه من العذاب المهين، أَو ليت هذه الحالة - وهي حالة مطالعته لكتابه يوم القيامة - كانت الموتة التي قضت عليّ؛ لأَنه قد صار إِلى أَمر أَشد إِيلاما ومرارة من الموت فتمناه عنده، وقد قيل: أَشد من الموت ما يتمنى الموت عنده.
28 -
{مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (28)} :
أَي: لم ينفعني ولم يغن عني ما كان لي في الدنيا من المال الوفير فضة وذهبا وخيلا مسومة وأَنعاما وحرثا وخدما وحشما، فقد وفدت وجئت إِلى ربي فردا وحيدا لا نصير لي ولا معين.
29 -
{هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (29)} :
أَي: بطلت حجتي، وضاع دليلي، وضل برهاني الذي كنت أَحتج به في الدنيا على محمد صلى الله عليه وسلم حيث كذبتني الجوارح وشهدت علي بالشرك والمعاصي!! أَو ذهب ملكي وتسلطي وبطشي وجبروتي وبقيت ذليلا مهينا.
المفردات:
(خُذُوهُ فَغُلُّوهُ): شدُّوه بالأَغلال.
(ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ): أَي: لا تدخلوه إِلا النار يقاسي حرّها.
(فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا): قياسها ومقدار طولها.
(فَاسْلُكُوهُ): فأَدخلوه فيها، أَي: تلف على جسده، وقيل غير ذلك.
(وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ): أَي: لا يحث ولا يحرض غيره على إِطعام المساكين.
(حَمِيمٌ): قريب مشفق يرق ويحترق قلبه له، أَو يحميه مما نزل له.
(غِسْلِينٍ): هو الدم والماءُ الذي يسيل من لحوم أَهل النار.
(الْخَاطِئُونَ): جمع خاطيء، وهو الذي يتعمد فعل الذنب، وهم المشركون.
التفسير
32،31،30 - {خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (30) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (32)}:
هذا تفصيل لما يلقاه الأَشقياءُ يوم القيامة حيث يأمر - سبحانه - الزبانية بأَن يأخذوا كل شقيّ فيشدوه بالأَغلال والقيود ويجمعوا بها يده إِلى عنقه، ثم يأمرهم بعد ذلك أَلَاّ يجعلوه إِلا في الجحيم وفي النار التي اشتد تأَججها وزاد سعيرها وأُوارها (ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ)
وهي حلق منتظمة كل حلقة منها في حلقة، أَي: لا تدخلوه إِلا في سلسلة مقدارها سبعون ذراعا ولفُّوها عليه حتى تنتظمه وتضمه، وهو فيما بينها مرهق مضيق عليه لا يقدر على الحركة، وقيل: إِن المعنى لا تدخلوا السلسلة إِلا فيه، ويكون المعنى أَن السلسلة هي التي تسلك وتدخل فيه، وهو مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أَنها تدخل في دبره حتى تخرج من فمه أَو من منخريه، وعند الله علم مقدار هذا الذراع، وجعلها سبعين ذراعا لإِرادة الوصف بالطول لأَنها إذا طالت كان الإِرهاق أَشد، ونظير ذلك قوله تعالى:{إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً} (1) يريد مرات كثيرة.
34،33 - {إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (33) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (34)}:
هذا بيان للسبب الذي استحق من أَجله هذا العذاب، أَي: استوجب واستحق هذا النكال لأَنه كان في الدنيا مستمرا وقائمًا على الكفر بالله العظيم وجاءَ وصفه - سبحانه - بالعظيم ليشعر ذلك بعظم وشدة عذابه - جل شأنه - واستحق العذاب أَيضا لأَنه لا يحث ولا يحرض غيره على طعام المسكين فضلا عن أن يبذل ماله، فهو يجمع بين البخل بماله والشح على المساكين من مال غيره، وقال صاحب الكشاف: وفي قوله تعالى: (وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ) دليلان قويان على عظم الجرم في حرمان المساكين أَحدهما عطفه على الكفر وجعله قرينا له، والثاني ذكر الحض دون الفعل ليعلم أَن تارك الحض بهذه المنزلة فكيف بتارك الفعل؟! وعن أبي الدرداء: أَنه كان يحض امرأَته على تكثير المرق لأَجل المساكين، وكان يقول: خلعنا نصف السلسلة بالإِيمان أَفلا نخلع نصفها الآخر؟
37،35 - {فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (35) وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (36) لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ (37)}:
أي: فليس له في الآخرة قريب يدفع عنه ويحزن عليه لأَنهم يتحامونه ويفرون منه كقوله تعالى: (وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا) والغسلين: هو غسالة أَهل النار وما يسيل من أَبدانهم من القيح والصديد والدم، أَي: ليس لهؤُلاءِ الأَشقياءِ التعساءِ طعام يطعمونه إِلا هذا الصنف
(1) سورة التوبة من الآية 80.
البشع المنتن الذي لا يأَكله أَحد إِلَاّ هؤُلاءِ القوم الذين كانوا يتعمدون ويقصدون فعل الآثام والذنوب، ولذا لا يدخلون تحت عفو الله وغفرانه لأَنهم جاهروا الله بالمعاصي، وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم:"كل أُمتي معافى إِلا المجاهرين":
المفردات:
(فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لا تُبْصِرُونَ): فأَقسم بالمشاهدات المرئيات، والمغيبات المستورات، وقيل غير ذلك.
(تَقَوَّلَ) افترى وادَّعى.
(الْوَتِينَ): عرق في القلب إِذا قُطِع مات صاحبه.
التفسير:
بعد أَن بين - سبحانه - أَن الساعة واقعة لا محالة، وأَن الناس جميعا محاسبون على أَعمالهم، وذكر - جلت قدرته - أَحوال السعداءِ والأَشقياءِ في هذا اليوم - بعد أَن بين ذلك - ختم الكلام في هذه السورة الكريمة بتعظيم القرآن فقال:
39،38 - {فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (38) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (39)}:
أَي: فأُقسم وأَحلف بما تبصرونه وتشاهدونه مما خلق الله وأَبدعه وجعله دليلا على كمال قدرته وعظيم إِتقانه وإِبداعه، وأُقسم بما لا تبصرونه مما خفى واستتر عنكم من مثل: ذاته سبحانه وأَسرار قدرته وبعض مخلوقاته التي لم يأذن لكم في الاطلاع عليها، وما خفي ودق من نعمة الباطنة وكلمة (لَا) على هذا في قوله:(فَلا أُقْسِمُ) لتأكيد القسم وليست للنفي، وقيل: إِنها نافية للقسم، كأَنه قال: لا أُقسم على أَن القرآن قول رسول كريم لأَن الأَمر لوضوحه يستغني عن القسم والحلف عليه وقيل: (لَا) لكلام سبق، أَي: ليس الأَمر كما يقوله المشركون، ثم ابتديء بعد ذلك بالقسم.
40 -
{إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (40)} :
أَي: إن القرآن الكريم يقوله ويتكلم به رسول من عند الله، أَي: يبلغه عن الله وليس لهذا الرسول بعد ذلك ولا قبله شأن فيه، والظاهر أَن المراد من الرسول في الآية الكريمة هو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لأَنه هو الذي كان يصفه قومه بالشعر والكهانة وقيل هو جبريل عليه السلام.
41 -
{وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (41)} :
أَي وليس القرآن بقول شاعر لأَنه يباين ويختلف عن ضروب الشعر وأَغراضه، إذ إِنه التشريع المحكم، والقول الفصل، والجد الذي ليس بالهزل، أَما الشعر فإِنه يخوض في الأُمور كلها جدها وهزلها، فالشعراء في كل واد يهيمون، ويقولون ما لا يفعلون (قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ) أَي: أَنهم لا يؤْمنون أصلا؛ فالعرب تقول:: قلَّما يأتينا وهم يريدون أَنه لا يأتينا، أَو أَنهم يؤْمنون ولكنهم سرعان ما يرجعون عن إِيمانهم، وذلك كما حدث من الوليد بن المغيرة فإِنه بعد أَن وصف القرآن الكريم ونعته بأَنه ليس من كلام الإِنس ولا من كلام الجن، وأَنه ليعلو ولا يُعلى عليه
…
إِلى آخر ما قال، رجع واستكبر فقال: إِن هذا إِلَاّ سحر يؤْثر.
وقال الفخر الرازي في قوله تعالى: (قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ): إِلَاّ أَنكم لا تقصدون الإِيمان فلذلك تعرضون عن التدبر، ولو قصدتم الإِيمان لعلمتم كذب قولكم: إِنه شاعر لمفارقة هذا التركيب ضروب الشعر.
42 -
{وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (42)} :
أَي: ليس القرآن - أَيضا - بقول كاهن؛ لأَن الكهان تلهمهم وتمدهم الشياطين بالغي والضلال وقد نزل القرآن بسب الشياطين وشتمهم؛ فلا يعقل أَن يكون من مدهم وإِلهامهم غير أنكم أَيها المكذبون لا تتذكرون كيفية نظم القرآن واشتماله على شتم الشياطين ولعنهم والتحذير منهم، ولو تذكرتم ذلك لأَدركتم أَنكم تتخبطون في أَقوالكم وتكذبون أَنفسكم.
43 -
{تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (43)} :
أَي: أن القرآن العظيم كلام رب العالمين؛ لأَنه تنزيله، أَما أَنه ينسب قوله إِلى جبريل عليه السلام فلأَنه نزل به من عند الله، أَو أَنه قول سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فلأَنه أَنذر وبشر الخلق به، فكل من جبريل عليه السلام ومحمد صلى الله عليه وسلم لا دخل في القرآن الكريم إِلا بالنزول به من عند الله بالنسبة لأمين الوحي جبريل عليه السلام وبتبليغ ما أَنزل عليه للناس كافة بالنسبة لرسولنا محمد صلى الله عليه وسلم.
47،46،45،44 - {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (47)}:
أَي: لو ادعى ونسب إِلينا محمد من قبل نفسه لم نقله لمنعناه بالأَخذ بيمينه، وهذا تصوير للانتقام منه على أَبشع صورة كما يفعل الجبابرة بمن يريدون التنكيل بهم، من ذلك: بأَن نسلبه قوته، أَو ننتقم منه بالحق بأَن نقيض ونهيء له من يعارضه فيه ويبطل قوله حتى يظهر كذبه لئلا يشتبه الصادق بالكاذب، ثم كانت عاقبته أَننا نقطع العرق المتصل بقلبه حتى يقضى عليه ويموت (فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ) أَي: فلا يقدر أَحد من الناس أَن يحجزنا ويمنعنا ويحول بيننا وبينه في أَخذ بيمينه، أَو في قطعنا وتينه؛ إِذ ليس ذلك في قدرة أحد أَو في إِمكانه.
ولما لم يحدث من ذلك شيء كان محمد صلى الله عليه وسلم رسولا من عند الله يبلغ عنه - سبحانه - إِنذار وتبشيرا، وسميت الأَقوال المفتراة المتقولة أَقاويل تحقيرا لها وتصغيرا لشأنها، كقولهم الأعاجيب والأَضاحيك (1).
المفردات:
(تَذْكِرَةٌ): عظة وتذكير.
(لَحَسْرَةٌ): لحزن وندامة عظيمة.
(حَقُّ الْيَقِينِ) عين اليقين: وقيل غير ذلك.
التفسير
48 -
{وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (48)} :
أَي: وإِن القرآن الكريم لتذكرة وعظة للمؤْمنين الذين يخشون ربهم ويتقون المعاصي، وخص - سبحانه - المتقين بذلك لأَنهم هم المنتفعون بالقرآن العظيم.
49 -
{وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (49)} :
هذه الآية الكريمة وعيد شديد وتهديد للمكذبين، أَي: ونحن نعلم أَن منكم من يكذب بالقرآن مع وضوحه وإِعجازه ويزعم أَنه شعر وكهانة وأَساطير الأَولين، وسنجازي هؤلاءِ المفترين على الله الكذب بما يستحقونه من عقاب ونكال.
(1) عن الفخر الرازي.
50 -
{وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (50)} :
وإِن هذا القرآن الكريم ليورث الكفار الأَسف العظيم ويجلب لهم الندامة والحزن الشديد وذلك في الآخرة إِذا رأوا وشاهدوا ثواب المؤمنين به والقائِمين على حدوده، أَو يصيبهم ذلك في الدنيا عندما يشاهدون ما عليه المصدقون به من عز ومنعة ودولة وسلطان، أَو حين لم يقدروا على معارضته والإِتيان بسورة من مثله عندما تحداهم بذلك.
51 -
{وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (51)} :
أَي: وإِن القرآن العزيز لحق لا بطلان فيه، ويقين لا ريب ولا شك فيه ونقل الآلوسي عن بعضهم أنه قال: إِن أَعلي مراتب العلم حق اليقين، ودونه عين اليقين، ودونه علم اليقين، فالأول كعلم العاقل الموت إِذا ذاقه، والثاني كعلمه عند معاينة ملائكته عليهم السلام والثالث كعلمه به في سائر أَوقاته.
52 -
{فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (52)} :
أَي: فسبح الله بذكر اسمه العظيم تنزيها له وتقديسا عمّا لا يليق به من السوءِ والنقائص، وإِبعادا لعظمته عما لا يتفق وجلاله وسلطانه، واشكره شكرا جزيلا على ما أَوحاه إِليك من هذا القرآن الرفيع القدر الجليل الشأن، وما حباك به - سبحانه - وأَعطاك من آلائه الوفيرة ونعمة العظيمة.