الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سورة الإِنسان
مدنية وآياتها إِحدى وثلاثون نزلت بعد الرحمن وتسمي سورة الدهر والأَبرار والأَمشاج، وهل أَتى
مناسبتها لما قبلها:
ختمت السورة السابقة (سورة القيامة) بذكر بعض أَطوار خلق الإِنسان للدلالة على البعث لأَن من قدر على البدءِ قدر على الإِعادة، كما ذكرَت جزاءَ المؤمنين وما أُعد من عذاب للكافرين، وفي هذه السورة (سورة الإِنسان) تضمنت الكلام على خلق الإِنسان وذكرت ما أُعد للعاصين، وفصلت ما هيأَه الله للمتقين.
بعض مقاصدها:
1 -
بدئت السورة الكريمة بالكلام على خلق الإِنسان واختياره بالتكاليف.
2 -
بينت السورة بعض أَنواع عِقاب العصاة، وما هُيِّئ للمتقين من أَنواع النَّعيم بتفضيل وإِسهاب.
3 -
في السورة أَمر للرسول بالصبر لحكم الله وعدم طاعة الكافرين بعد أَن امتنت عليه بنزول القرآن.
4 -
وضحت السورة أَنها عِظَة (وكذلك القرآن) وعلَّقت الانتفاع بها على مشيئته سبحانه وتعالى.
(بسم الله الرحمن الرحيم)
(هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (1) إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (2) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3))
المفردات:
(هَلْ أَتَى): هل بمعنى قد، والمعنى قد أَتى، على التقرير والتقريب جميعًا.
(الإِنسَانِ): آدم عليه السلام أَو الجنس من ذريته.
(حِينٌ): وقت وزمان غير محدود وقد يجيءُ محدودًا.
وقال الآلوسي: طائفة محدودة من الزمان شاملة للكثير والقليل.
(الدَّهْرِ): الزمان الممتد غير المحدود، ويقع على مدة العالم جميعها وعلى كل زمان طويل غير معين.
(مِنْ نُطْفَةٍ): أَي من ماءٍ يقطر وهو المني - وكل ماءٍ قليل في وعاءٍ فهو نطفة.
(أَمْشَاجٍ): جمع مَشَج بفتحتين كسَبَب وأَسباب أَو مَشِج بفتح فكسر ككَتِف. وأَكتاف -أَي أَخلاط جمع خِلْط بمعنى مختلط، يقال: مشجت الشيءَ إِذا خلطته، وعن مجاهد أَمشاج: أي أَلوان، وعن عكرمة وابن عباس أَمشاج: أَي أَطوار.
(هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ): بَيَّنَّا ووضَّحْنَا له طريق الحق والضلال.
(إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا): إِما مؤمنًا وإِما كافرًا.
التفسير:
1 -
(هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا):
قال الآلوسي: أَصله على ما قيل -أَهل- على أَن الاستفهام للتقرير، أَي الحمل على الإقرار بما دخلت عليه والْمُقَرَّر والذي يطلب تقريره هو من ينكر البعث، وقد علم أَنهم يقولون: نعم قد مضى على الإِنسان حينٌ من الدَّهر لم يكن كذلك، فيقال فالذي أَوجده بعد أن لم يكن كيف يمتنع عليه إِحياؤه بعد موته، وقيل: هل بمعنى قد، وهي للتقريب، أَي تقريب الماضي من الحال.
والمعنى: قد مضى على الإِنسان ومر عليه أَزمنة مختلفة قبل أَن ينفخ فيه الروح وما كان شيئًا مذكورًا باسم ولا يعرف ما يراد منه. والمراد أَنه معدوم لم يوجد بنفسه -بل كان الموجود أَصله ممَّا لا يسمى إِنسانًا ولا يعرف بعنوان الإِنسانية، وقيل: المراد بالإِنسان آدم عليه السلام وأَيَّد الأَول بقوله تعالى: (إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ) ونُقل القول بأَن المراد بالإِنسان آدم عليه السلام عن جماعة منهم ابن عباس، وحكى الماوردي عنه أَن الحين المذكور هنا هو الزمن الطويل الممتد الذي لا يعرف مقداره، وروى نحوه عن عكرمة فقد أَخرج عبد بن حميد وابن المنذر عنه أَنه قال: إِن من الحين حينًا لا يدرك وتلا الآية فقال: والله ما يدرى كم أَتى عليه حتى خلقه الله تعالى، وقيل: إِن المراد من الحين مادة الحمل وهي تسعة أَشهر.
والذي فهمه أَجلة من الصحابة -رضوان الله عليهم- من الآية الإِخبار الإِيجابي (أي قد أَتى).
2 -
(إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا):
أَي: إِنَّا خلقنا الإِنسان من نطفة مختلطة ذات عناصر شتى، ومعنى نطفة مختلطة عند الأَكثرين نطفةٌ اختلط فيها وامتزج الماءَان ماء الرجل وماء المرأَة.
وعن عكرمة وابن عباس (أَمْشَاجٍ): أَي أَطوار -أَي ذات أَطوار مختلفة، فإِن النطفة تصير علقة ثم مضغة .. وهكذا إِلى تمام الخلقة ونفخ الروح (نَبْتَلِيهِ): أَي نختبره بالتكليف فيما بعد (فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا) أَي: فجعلناه بسبب ذلك الابتلاء ذا سمع يسمع به الهدى وذا بصر يبصر به الحق ليختار الطاعة والمعصية بعد التكليف.
3 -
(إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا):
(إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ): جملة استئنافية تعليلية لِمَا قبلها في معنى لأَنا هديناه: أَي بَيَّنَّا له وعرفناه طريق الهدى والضلال والخير والشر ببعث الرسل والآيات الكونية والدلائل النفسية فآمن أَو كفر كقوله تعالى: "وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ"(1)، وقال مجاهد: السبيل إِلى الشقاءِ والسعادة، وقيل: منافعه ومضاره التي يهتدى إِليها بطبعه وكمال عقله، وعن مجاهد وغيره أَنهم قالوا:(إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ): أَي سبيل الخروج من الرحم (إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا): أَي أَيهما فعل فقد بَيَّنَّاهُ له، يقال: هديته السبيل وللسبيل وإِلى السبيل، والمشهور الأَول أَي هديناه إِلى ما يوصل إِلى البغية في حالتيه جميعًا من الشكر والكفر.
قال القرطبي: لم يأْت بصيغة المبالغة في الشكر فيقول: (إِمَّا شَكُورًا) كما أَتى بها في الكفر فقال: (وَإِمَّا كَفُورًا) نفيًا للمبالغة في الشكر وإِثباتًا لها في الكفر، فإِن شكر الله تعالى لا يؤدي على الوجه الأَكمل فانتقمت عنه المبالغة ولم ينتف عن الكفر المبالغة فقلة شكره لكثرة نعم الله عليه وعجزه عن القيام بشكرها، وكثرة كفره وإِن قل لعظم الإِحسان إِليه -حكاه الماوردي- أهـ قرطبي بتصرف.
ولَمَّا ذكر الفريقين (الشاكر والكفور) أَتبعهما الوعد والوعيد فقال:
(1) سورة البلد: الآية 10.
(إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاسِلًا وَأَغْلالًا وَسَعِيرًا (4) إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (5) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (6) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (7) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا (9) إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (10) فَوَقَاهُمْ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (11) وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (12))
المفردات:
(سَلَاسِلَ): قيودًا بها يسحبون في جهنم.
(وَأَغْلالًا): جمع غل - تغل بها أَيديهم إِلى أَعناقهم.
(الأَبْرَارَ): جمع بَرّ أَوبار، وهم المطيعون.
(كَأْسٍ): خمر، أَو زجاجة فيها خمر. قال الراغب:(الكَأْسِ): الإِناءُ بما فيه من الشراب، ويسمى كل واحد منهما بانفراده كأْسًا.
(مِزَاجُهَا): ما تمزج الكأْس به وتخلط.
(كَافُورًا): ماء كافور.
(يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا): يُجْرُونها حيث شاءُوا من منازلهم إِجراءً سهلًا.
(يُوفُونَ بِالنَّذْرِ): أَي إِذا نذروا طاعة فعلوها.
(شَرُّهُ): عذابه وضرره.
(مُسْتَطِيرًا): فاشيًا منتشرًا.
(يَوْمًا عَبُوسًا): اشتد عبوس من فيه، أَو تكلح فيه الوجوه لهوله.
(قَمْطَرِيرًا): شديدًا صعبًا كأَنه التف شره بعضه ببعض.
التفسير:
4 -
(إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاسِلًا وَأَغْلالًا وَسَعِيرًا):
بين سبحانه حال الفريقين وأَنه تعبَّد العقلاء وكلَّفهم ومكَّنهم ممَّا أَمرهم به، فمن كفر فله العقاب، ومن وحّد وشكر فله الثواب، وفي هذه الآية الكريمة يخبر الله عمَّا أَعدَّه وهيَّأَه للكافرين به من خلقه سلاسلَ يقادون بها في جهنم، كل سلسلة ذرعها سبعون ذراعًا كما في سورة (الْحَاقَّة)، وأَغلالًا تُغَلّ بها وتقيد أَيديهم إِلى أَعناقهم وكان أَبو الدرداءِ يقول: ارفعوا هذه الأَيدي إِلى الله قبل أضن تُغَلّ بالأَغلال، قال الحسن: تجعل الأَغلال في أَعناق أَهل النار لا لأَنهم أَعجزوا الله، ولكن إِذلالًا لهم، كما أَعَدَّ تعذيبًا لهم نارًا موقدة مُسَعَّرة بها يُحرقون، وتقديم وعيدهم مع تأَخرهم في الذِّكر في قوله تعالى:(إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا) للجمع بينهما في الذِّكر كما في قوله تعالى: (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ)(1)، ولأَن الإِنذار أَنسب بالمقام، وحقيق بالاهتمام، ولأَن تصدير الكلام وختمه بذكر المؤْمنين أَنسب، ولَمَّا ذكر ما أَعده لهؤلاءِ الأَشقياءِ من العذاب والسعير قال بعده:
5 -
(إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا):
شروع في بيان حسن الشاكرين إِثر بيان سوءِ حال الكافرين (وَالأَبْرَارَ) جمع بار أَو بَرّ وهو المطيع المتوسع في فعل الخير، وقيل: من يؤدي حق الله ويوفي بالنذر -هؤلاءِ الأَبرار يشربون في الآخرة من خمر أَو من زجاجة بها خمر، (كَانَ مِزَاجُهَا): أَي ما تمزج
(1) سورة آل عمران من الآية 106.
بها الخمر وتخلط (كَافُورًا) أَي: ماء كافور في أَحسن أَوصافه، وهو اسم عين في الجنة، ماؤها في بياض الكافور ورائحته وبروده لأَن الكافور لا يشرب.
6 -
(عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا):
قال ابن كثير: أَي هذا الذي مزج لهؤلاءِ الأَبرار من الكافور هو عين يشرب بها المقربون من عباد الله صرفًا بلا مزج ويروون بها، وقوله تعالى:(يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا): أَي يتصرفون فيها حيث شاءُوا، وأَين شاءُوا من قصورهم وديارهم ومجالسهم ومحالهم، ويُجْرونها كما أَرادوا إِجراء سهلًا لا يمتنع عليهم.
7 -
(يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا):
استئناف مسوق لبيان ما لأَجله يرزقون هذا النعيم، مشتمل على نوع تفصيل لما ينبئ عنه اسم الأَبرار إِجمالًا، كأَنه قيل: ماذا يفعلون حتى ينالوا تلك الرتبة العالية، فقيل: (يُوفُونَ
…
) إِلخ وأُفيد أَنه استئناف للبيان ومع ذلك فلعل السر في أَنه عدل عن أَوفوا إِلى المضارع (يُوفُونَ) للاستحضار والدلالة على الاستمرار.
والوفاءُ بالنذر: كناية عن أَداءِ الواجبات كلها فإِن من أَوفى بما أَوجبه على نفسه كان إِيفاؤه بما أَوجبه الله تعالى عليه أَهم له وأَحرى، وجعل هذا كناية هو الذي يقتضيه ما روى عن قتادة حيث قال: يوفون بما فرض عليهم من الصلاة والزكاة والحج وغير ذلك من الواجبات، وعن عكرمة ومجاهد إِبقاؤه على الظاهر: أَي إِذا نذورا طاعة فعلوها، ولا يخلفون إِذا نذروا، والنذر ما أَوجبه المكلف على نفسه من شيءٍ يفعله (وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا): أَي يخافون يومًا كان عذابه وضرره البالغ فاشيًا منتشرًا في الأَقطار غاية الانتشار، من استطار الحريق والفجر، وفي وصفهم بذلك إِشعار بحسن عقيدتهم واجتنابهم المعاصي لأَنهم يتركون المحرمات التي نهاهم الله عنها خيفة من سوءِ الحساب يوم الميعاد، وهو اليوم الذي ضرره خطير وشره مستطير: أَي منتشر عام على الناس إِلَاّ من رحم الله. قال قتادة: استطار والله شر ذلك اليوم حتى ملأَ السموات والأَرض.
8 -
(وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا):
(وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ) أَي: ويطعمون الطعام على حب الطعام: أَي مع اشتهائه والحاجة إِليه والرغبة فيه، وروى ذلك عن ابن عباس ومجاهد.
أَوعلي حب الإِطعام: بأَن يكون ذلك بطيب نفس وعدم تكلف، وإِليه ذهب الحسن ابن الفضل وهو حسن، أَو على حب الله تعالى ولوجهه سبحانه وابتغاءَ مرضاته وإليه ذهب الفضيل بن عياض وأَبو سليمان الداراني، ورجح الآلوسي وابن كثير الأَول.
قال ابن كثير: والأَظهر أَن الضمير في قوله تعالى: (عَلَى حُبِّهِ) عائد على الطعام، أَي: ويطعمون الطعام في حال محبتهم وشهوتهم له، قال مجاهد ومقاتل واختاره اين جرير كقوله تعالى:"وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ"(1) وكقوله تعالى: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ" (2)، وفي الصحيح:(أَفضلُ الصدَقةِ أَنْ تَصدقَ وأَنت صحيحٌ شحيح تأْملُ الغنَى وتَخشَى الفقَر): أَي في حال محبتك للمال وحرصك عليه وحاجتك إِليه.
والظاهر أَن المراد بإِطعام الطعام حقيقته، وقيل: هو كناية عن الإِحسان إلى المحتاجين ومواساتهم بأَي وجه كان وإِن لم يكن ذلك بالطعام بعينه، فكأَنهم ينفعون بوجوه المنافع.
(مِسْكِينًا) أَي: فقيرًا عاجزًا عن الكسب، (وَيَتِيمًا): صغيرًا فقد أَباه ولم يبلغ مبلغ الرجل ولا مال له (وَأَسِيرًا) قال سعيد بن جبير وغيره: الأَسير من أَهل القبلة يكون عند الكفار، وقال ابن عباس: كان أَسراهم يومئذ مشركين، ويشهد لهذا أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم أَمر أَصحابه يوم بدر أَن يكرموا الأَسارى، فكانوا يقدمونهم على أَنفسهم عند الفداءِ، واختاره ابن جرير لعموم الآية للمسلم والمشرك، واختاره القرطبي أَيضًا، وقال: ويكون إِطعام الأَسير المشرك قربة إلى غير أَنه من صدقة التطوع، أَما المفروضة فلا، وقال عكرمة هم العبيد، ولقد وصى رسول الله بالإِحسان إِلى الأَرقاءِ في غير ما حديث، حتى إِنه كان آخر ما أَوصى به أَن جعل يقول:(الصلاة وما ملكت أَيمانكم)، وقيل الأَسير: -المحبوس في حق- وقال مقاتل: نزلت في رجل من الأَنصار أَطعم في يوم واحد مسكينًا ويتيمًا وأَسيرًا.
(1) سورة البقرة من الآية 177.
(2)
سورة آل عمران من الآية 92.
9 -
(إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا):
(إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ) أَي: إِنما نطعمكم لطلب ثواب الله ورجاءِ جزائه ورضاه قائلين ذلك في أَنفسهم بلسان الحال لما يظهر عليهم من أَمارات الإِخلاص.
وعن مجاهد: أَما إنهم ما تكلموا به ولكن علمه الله تعالى منهم فأَثنى به عليهم أَيُرغب فيه راغب، أَو بلسان المقال دَفْعًا وإِزاحة لتوهم المن المبطل للصدقة وتوقع المكافأَة المنقصة للأَجر وعن عائشة رضي الله عنها أَنها كانت تبعث بالصدقة إِلى أَهل البيت ثم تسأَل الرسول: ما قالوا فإِذا ذكر دعاء دعت لهم بمثله ليبقى لها ثواب الصدقة خالصًا عند الله عز وجل.
(لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا): أَي لا نطلب منكم مجازاة تكافئوننا بها لا بالأَفعال كعوض وهديّة، ولا بالأَقوال كشكر وثناءٍ علينا عند الناس، وهذا تقرير وتأكيد لما قبله.
10 -
(إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا):
أَي: إِنا نخاف من ربنا يومًا اشتد عبوسُ وكلوحُ وَجْهِ مَن فيه وقطبوا وجوههم وجباههم من هول شدته وشدة قسوته وصعوبته وطوله، ووصف اليوم بالعبوس لعبوس أَهله، روى أَن الكافر يعبس يومئذ حتى يسيل من بين عينيه عرق مثل القطران، قال الآلوسي: وهذه الجملة وهي قوله تعالى: (إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا) جوز أَن تكون علة لإِحسانهم وفعلهم المذكور، كأَنه قيل: نفعل بكم ما نفعل لأَننا نخاف يومًا صفته كيت وكيت، فنحن نرجو بذلك أَن يقينا ربنا - جل وعلا - شر ذلك اليوم، وأَن تكون علة لعدم إِرادة الجزاءِ والشكور، أَي: إِنا لا نريد منكم المكافأَة لخوف عقاب الله تعالى على طلب المكافأَة على الصدقة.
11 -
(فَوَقَاهُمْ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا):
(فَوَقَاهُمْ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ): أَي: فحفظهم الله وصانهم من شدائد ذلك اليوم وآمنهم مما خافوا منه (وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا) أَي: وأَعطاهم بدل عبوس الفجار وحزنهم نضرة
وحسنا وبهجة ونورًا في الوجوه وسرورًا في القلب، لأَن القلب إِذا سرَّ استنار الوجه، قال كعب ابن مالك:(كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إِذا سرَّ استنار وجهه كأَنه فلقة قمر).
12 -
(وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا):
(وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا) أَي: وكافأَهم وأَعطاهم بسبب صبرهم على مشاق الطاعات ومهاجرة هوى النفس في اجتناب المحرمات (جَنَّةً) بستانًا عظيمًا يأْكلون منه ما شاءوا (وَحَرِيرًا) لباسًا حسنًا ناعم الملمس يلبسونه ويتزينون به، وهذا يدل على أَن الآية بسبب صبرهم أَدخلهم الله الجنة وأَلبسهم الحرير عوضًا عن حرير الدنيا.
(مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلا زَمْهَرِيرًا (13) وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا (14) وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَ (15) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (16) وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلًا (17) عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا (18))
المفردات:
(الأَرَائِكِ)(1) جمع أَريكة وهي سرير منجد مزين في قبة أَو بيت وقيل: الأَرائك: الفراش على السرر.
(زَمْهَرِيرًا): بردًا شديدًا أَو قمرًا.
(1) وقيل: الأرائك: هي كل ما اتكئ عليه من سرير أَو فراش أو منصة، وكانت تسميته كذلك لكونه مكانا للإقامة أخذا من قولهم: أرك بالمكان أروكا: أقام، وأصل الأروك: الإِقامة على رعي الأراك وهو الشجر المعروف ثم استعمل في غيره من الإقامات. أهـ آلوسي.
(وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا): قريبة منهم ظلال أَشجارها.
(وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا): أَدنيت وسخرت ثمارها لهم، والقُطُوف: الثمار جمع قِطْف بكسر القاف سمي به لأَنه يقطف.
(بِآنِيَةٍ): الآنية جمع إِناءِ ككساءٍ وأَكسية وهو ما يوضع فيه الشيء، والأَواني جمع الجمع.
(وَأَكْوَابٍ): جمع كوب وهو قدح لا عروة له كما قال الراعب، وفي القاموس: كوز لا عروة له أولا خرطوم له.
(قَوَارِير): جمع قارورة وهي إِناءٌ رقيق من الزجاج يوضع فيه الأَشربة.
(قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا): أَي: قدرها السُّقاة أَو الشاربون في أَنفسهم فجاءَت كما قدروا لا تزيد على ذلك ولا تنقص.
(زَنجَبِيلًا): قال الدينوري: الزنجبيل نبت في أَرض عمان وهو عروق تسري في الأَرض وليس بشجرة يوجد لذعا في اللسان إِذا مزج بالشراب، وعن قتادة ومجاهد اسم لِعَيْنٍ في الجنة (سَلْسَبِيلًا) قال القرطبي: السلسبيل: الشراب، اللذيذ وهو فَعْلَلِيل من السلاسة تقول العرب هذا شراب سلسل وسَلسِل وسلسال وسلسبيل بمعنى - أَي: طيب الطعم لذيذه. وفي الصحاح ماءٌ سلس وسلسال سهل الدخول في الحلق لعذوبته وصفائه.
التفسير
13 -
(مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلا زَمْهَرِيرًا):
يخبر الله عن أَهل الجنة وما هم فيه من النعيم المقيم وما أُسبغ عليهم من الفضل العظيم فقال: متكئين في الجنة على السرر وهم في تمام الراحة والنعيم (لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلا زَمْهَرِيرًا) أَي: لا يجدون في الجنة حرًّا شديدًا ولا قُرّ، وقيل: الزمهرير: القمر في لغة طيءٍ، والمعنى على هذا أَن الجنة ضياءٌ ونور لا يحتاج فيها إِلى الشمس ولا إِلى قمر.
14 -
(وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا):
(وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا) أَي: قريبة منهم ظلال أَشجارها، والمراد أَن ظلال أَشجار الجنة قريبة من الأَبرار مظلة عليهم وذلك زيادة في نعيمهم (وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا) أَي: سُخِّرت ثمارها لتناولها، وسهل أَخذها، من الذُّل ضد الصعب. قال قتادة ومجاهد وسفيان: إِن كان الإِنسان قائمًا تناول الثمر دون كلفة، وإِن كان قاعدًا أَو مضجعًا فكذلك فهذا تذليلها لا يَرُدٌّ اليد عنها بُعْدٌ ولا شوك، قال الماوردي وذكره القرطبي: يحتمل أَن يكون تذليل قطوفها. أَن تبرز لهم من أَكمامها وتخلص لهم من نواها.
15 -
16 - (وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَ * قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا):
أَي: ويدور الخدم في الجنة على هؤلاءِ الأَبرار بأَواني الطعام وأَوعيته وهي من الفضة وبأَكواب الشراب كُوِّنت قوارير شفافة، قوارير مخلوقة ومصنوعة من فضة فلها بياض الفضة وحسنها وصفاءُ القوارير وشفيفها، قال ابن عباس وغيره في هذه الأَكواب: هي من الفضة ومع هذا شفافة يُروي ما في باطنها من ظاهرها وهذا مما لا نظير له في الدنيا.
قال الآلوسي: أَخرج ابن أَبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ليس في الجنة شيء إِلا أَعطيتم في الدنيا شبهه إِلا قوارير من فضة، قال الزمخشري: ومعنى (كانت) في الآية الكريمة هو من (يكون) في قوله تعالى: (كُن فَيَكُونُ)(1) أَي: تكونت قوارير بتكوين الله تفخيمًا لتلك الخلقة العجيبة الشأن الجامعة بين صفة الجوهرين المختلفين.
(قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا) أَي: قدروا تلك القوارير في أَنفسهم فجاءَت حسبما قدروا واشتهوا وتمنَّته أَنفسهم، والضيمر في قدروها للأَبرار المُطَاف عليهم، أَو قدروا شرابها على قدر الري وهو أَلذ للشارب - قال ابن عباس: أتوا بها على الحاجة لا يفضلون شيئًا ولا يشتهون بعدها شيئًا، وعن مجاهد تقديرها أَنها ليست بالملأَي التي تفيض ولا الناقصة التي تفيض فالضمير على ما هو الظاهر للسقاة الطائفين بها المدلول عليهم بقوله تعالى:(وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ).
(1) سورة مريم الآية 35.
17 -
(وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلًا):
أَي: ويسقي الأَبرار في الجنة في هذه الأَكواب خمرًا كان يُمْزَج بها ويُخْلط الزنجبيل فتارة يمزج الشراب للأَبرار بالكافور وهو بارد، وتارة يمزج بالزنجبيل وهو حار ليعتدل الأَمر، وأَما المقربون فإِنهم يشربون من الكافور والزنجبيل صرفًا، قال قتادة وغيره: وكانت العرب تستلذ من الشراب ما يمزج بالزنجبيل لطيب رائحته ولأَنه يُحْدِثها لذعًا في اللسان ويهضم المأْكول ولهذا يذكرون في وصف رضاب النساءِ فَرُغِّبُوا في نعيم الآخرة بما اعتقدوه نهاية النعمة والطيب، وقال قتادة، الزنجبيل اسم للعين التي منها شراب الأَبرار.
18 -
(عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا):
أَي: عينًا في الجنة تسمى سلسبيلا لطيب شرابها وسهولة مساغه، وانحداره في الخلق بسهولة ويسر، قال الزجاج: السلسبيل في اللغة اسم لما كان في غاية السلاسة فكأَن العين سميت بصفتها، وقال أَبو العالية ومقاتل: إِنما سميت سلسبيلا لأَنها تسيل عليهم في الطرق وفي منازلهم.
وقال الزمخشري: سميت العين زنجبيلًا لطعم الزنجبيل فيها، والعرب تستلذه وتستطيبه (سَلْسَبِيلًا) لسلاسة انحدارها في الحلق وسهولة مساغها، يعني أَنها في طعم الزنجبيل وليس فيها لذعه ولكن نقيض اللذع وهو السلاسة، يقال: شراب سلسل وسلسال وسلسبيل وقيل: تسمي (سَلْسَبِيلًا) أَي: أَنها مذكورة عند الملائكة وعند الأَبرار وأَهل الجنة بهذا الاسم جعلنا الله من أَصحابها بِمَنِّهِ وكرمه آمين.
(وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنثُورًا (19) وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (20) عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (21) إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا (22)):
المفردات:
(يَطُوفُ): من قولهم: طاف بالشيءِ: دار حوله، ومنه الطائف، وهو الذي يخدمك برفق وعناية.
(وِلْدَانٌ): جمع وليد، وهو الصبي والعبد.
(مُخَلَّدُونَ): باقون دائمون لا يهرمون، وقيل: غير ذلك.
(ثَمَّ): هناك في الجنة.
(سُندُسٍ): ما رقَّ من ثياب الحرير.
(إِسْتَبْرَقٌ): ما غلظ من ثياب الحرير.
(طَهُورًا): بالغًا في الطهر غايته، وقيل: غير ذلك وسيأْتي.
(مَشْكُورًا): مقبولًا لدي الله مُثابًا عليه منه.
التفسير
19 -
(وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنثُورًا):
أَي: ويدور حولهم ويقوم على خدمتهم بلطف ورفق وحسن عناية غلمان وصبيان، ولعل الحكمة في أَن الله فطرهم وخلقهم على تلك الصورة.
أَنهم في سنهم هذه يكونون أَخف في الخدمة وأَسرع في الاستجابة؛ تلبية لمخدوميهم وإِرضاءً لهم، وهم مع ذلك باقون ودائمون على ما هم عليه من الشباب والغضاضة والحسن لا يهرمون ولا يتغيرون، وقيل: مزينون ومحلَّوْنَ بالأَساور والأَقراط ليكون ذلك أَدخل في إِيناس مخدوميهم، وإِذا نظر إِليهم ورآهم أَي راءِ ظنهم وحسبهم -لفرط حسنهم وجمالهم وصفاءِ أَلوانهم وإِشراق وجوههم وتفرقهم في مجالس مخدوميهم- ظنهم دُرًّا منشورًا مفرقًا في جنبات المجلس وباحاته وساحاته فالدر المنثور يكون أَكثر صفاءً منه منظومًا في سلك، أَو مسلوكًا في خيط.
وفي التعبير بلفظ: (إِذَا رَأَيْتَهُمْ) للدلالة على حصول هذا الأَمر ووقوعه، أَي أَنه حاصل لا محالة.
20 -
(وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا):
أَي: وإِذا نظرت أَيها الرائي هناك في الجنة التي عرضها السموات والأَرض رأَيت من أَنواع النعيم وأَلوانه ما لا عين رأَت ولا أُذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ثم يتوج ذلك ويجمله ويرتفع ويسمو به أَن وجوههم ناضرة إِلى ربها ناظرة.
(وَمُلْكًا كَبِيرًا): والملك الكبير ينظر فيه صاحبه فيرى أَقصاه كما يرى أَدناه، يبصر فيه ما يملؤه بهجة ويزيده سرورًا، وأَي ملك أَكبر وأَبهى من ملك تدخل عليهم الملائكة فيه من كل باب قائلة تحية لهم:"سَلَامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ" ويرسل الله لهم ملائكته بالتحف والحلل ويدعوهم إِلى النظر إِلى وجهه الكريم. فسبحانك ربي صاحب الفضل العظيم والعطاءِ الجليل، ما أَكثر منّك وما أَجلَّ نعمك.
21 -
(عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا):
أَي: ويعلوهم ويجمل أَبدانهم ثياب من رقيق الحرير، وثياب أُخرى فوقها من عظيمه وغليظه لونها أَخضر؛ ليكون ذلك أَكمل لسرورهم؛ لأَن الخضرة تكسب النفس اطمئنانًا وتملأُ الجوانب فرحًا وحبورًا، كما يزينهم ويجملهم بالحليِّ من أَساور الفضة. هذا وقد جاءَ في آيات أُخرى أَنهم يحلون بالذهب والؤلؤ، وذلك إِما أَن يكون على المعاقبة فتارة يحلَّون بهذا وتارة يحلَّون بذاك أَو كانت الزينة هنا بالفضة ليناسب ذلك ويتوافق مع ما يطاف به عليهم من آنية الفضة وأَكوابها (وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَ * قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ) وذلك ليكمل التناسق ويتم التوافق بين ما يأكلون ويشربون فيه، وما يلبسون ويتزينون به، وقيل: يكون لكل قوم ما تميل إِليه نفوسهم، أَو أَنه يجمع لهم بين الذهب والفضة والؤلؤ.
(وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا) أَي: وكما جمل ظاهرهم باللباس والحلي طهر باطنهم بشراب قد تناهي في الطهر وبلغ فيه الغاية حتى إِنه يطهر سواه وينقيه ويُذْهبُ ما به من كَدَر وأَذى وقذر وغل وحسد ليَكْمُلَ ويَتمَّ لهم جمال الظاهر ونقاء الباطن، وفي تفسير الإِمام القرطبي: قال عليٌّ رضي الله عنه في قوله تعالى: (وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا): إِذا توجه أَهل الجنة إِلى الجنة مرُّوا بشجرة يخرج من تحت ساقها عينان فيشربون من إِحداهما فتجري عليهم نضرة النعيم، فلا تتغير أَبشارهم ولا تتشعث أَشعارهم أَبدًا، ثم يشربون من الأخرى فيخرج ما في بطونهم من الأَذى، ثم تستقبلهم خزنة الجنة فيقولون لهم:"سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِيَن".
وفي نسبة السقي إِلى الله - سبحانه - في قوله: (وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ) ما يدل على مزيد فضل هذا الشراب على ما سواه من الكافور والزنجبيل والسلسبيل؛ إِذ إِنه إِتحاف منه - جل شأْنه - دون وساطة أَحد من خلقه.
22 -
إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا):
أَي: إِن هذا الذي أَنعم به عليكم في الجنة كان جزاءً وثوابًا على ما قدمتم من أَعمال صالحة وأَفعال مبرورة في دنياكم، نظيره قوله تعالى:"كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ"(1).
يقال لمن يعاقب: هذا بعلمك السيء الردئ فيزداد غمه وأَلم قلبه، ويقال للمثاب: هذا لك بطاعتك، فيكون ذلك تهنئة له وزيادة في سروره.
(وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا) أَي: وكان عملكم الذي عملتموه في الدنيا مقبولًا لدى الله ومرضيًّا منه -سبحانه- فيكون بهذا قد جمع الله لعباده الطائعين بين منزلة رضاهم عن ربهم بالثواب العظيم في الجنة، وبكونه -عز شأْنه- رضي عنهم بقبول عملهم وشكرهم عليه فتكون نفوسهم في تلك الحالة قد وصلت إِلى أَنها راضية مرضية، وهذه هي أَعلى الدرجات وأَرفع المقامات؛ فكانت جديرة أَن يختم الله بها مراتب الأَبرار وأَحوال المتقين والصديقين الأَطهار.
(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (23) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (24) وَاذْكُرْ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (25) وَمِنْ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا (26))
المفردات:
(آثِمًا): ذا إِثم وذنب، أَو المبالغ في ارتكاب الذنوب.
(كَفُورًا): الكفور: المتناهي في الكفر الداعي إِليه.
(بُكْرَةً): أَول النهار.
(أَصِيلًا): الأَصيل: هو الوقت بعد العصر إِلى المغرب.
(1) الحاقة: الآية 24
23 -
(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا):
أَي: إِننا نحن -لا غيرنا- قد نزلنا عليك هذا القرآن العظيم فهو من لدنَّا، وما افتريتَه ولا جئتَ به من عندك ولا من تلقاءِ نفسك كما يدَّعي المشركون والمكذبون ذلك ويزعمون أَنه من عندك (إِن يَقْولُونَ إِلَاّ كّذِبًا) وقد أُنزل هذا الكتاب الجليل الكريم بما يشتمل ويتضمن ما يحتاج إِليه الناس في أَمر معاشهم ومعادهم، وليس بسحر ولا كهانة ولا شعر، بل إِنه الحق، وفي ذلك من إِزالة الوحشة الحاصلة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بسبب طعن الكفار في القرآن الكريم، فيكون المعنى: إِذا كان بعض الجهال قد طعن فيما أَنزلته عليك إِلَاّ أَن جبار السموات والأَرض قد عظمه وصدقه.
قال الإِمام ابن عباس: أَنزل الله القرآن مفرقًا آية بعد آية ولم ينزل جملة واحدة؛ فلذلك قال: "نَزَّلْنَا".
24 -
(فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا):
أَي: فاحبس نفسك واصبر على كل ما حكم به ربك سواءٌ كان ذلك تكليفًا خاصًّا بك من العبادات والطاعات ونحوها، أَو متعلقًا بتبليغ الرسالة وأَداءِ الأَمانة وتحمل المشاق الحاصلة والناشئة عن ذلك.
(وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا) أَي: ولا تتبع سبيل من كان منهم مغرقًا في الإِثم مفرطًا فيه ولا من تناهي في الكفر ودعا إِليه، سواءٌ أُريد شخص بعينه أَو كان مرادًا به كل آثم وكفور. وقد جاءَت (أَوْ) هنا للعطف بدل الواو؛ للإِيذان بأَن كلاًّ من الآثم والكفور وحده حقيق وجدير أَن يُعصى ولا يُطاع؛ فكيف وقد جمع بينهما في النهي عن طاعتهما معًا.
قال الزجاج: إِن (أَو) هنا أَوكد من الواو؛ لأَنك إِذا قلت لا تطع زيدا وعمرا فأَطاع أَحدهما كان غير عاص، فإِذا أبدلتها بأَو فقد دللت على أَن كل واحد منهما أَهل أَن يعصى، ويعلم منه النهي عن إِطاعتهما معا كما لا يخفي.
25 -
(وَاذْكُرْ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا):
أَي: ودوام على ذكر ربك بلسانك مستحضرًا ربوبيته ورعايته لك وأَنك مخلوق له يقوم على أَمرك ويتولى شأنك إِذ هو قيوم السموات والأَرض، ، وأَن يكون الذكر في أَول النهار مبتدئًا به يومك ليعمك الخير وتُهدى إِلى البر ويشملك التوفيق، وتذكره كذلك في وقت الأَصيل وهو من العصر إِلى المغرب، أَو من الزوال إِلى غروب الشمس، أَي: املأً نهارك كله بذكر الله.
26 -
(وَمِنْ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا):
أَي: وفي جزءٍ من الليل اخضع لربك وصلِّ له واقترب منه؛ فإِن العبد أَقرب ما يكون من ربه وهو ساجد، وقيل: المراد من الذكر في البكرة صلاة الصبح، وفي الأَصيل صلاة الظهر والعصر، ومن قوله:(وَمِنْ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ) صلاة المغرب والعشاء.
(وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا) أَي: سبح ربك وقَدِّسْهُ ونَزِّهْهُ عمَّا لا يليق بجنابه الكريم، ومقامه السامي الرفيع في هزيع وجزءٍ من الليل؛ لأَن الليل وقت المناجاة، وصفاءِ النفس، والبعد عن شواغل الحياة، وهو أَيضا وقت نزول الرحمات، وبخاصة في آخره -فإِن رحمة الله تنزل إِلى سماءِ الدنيا ليغفر ربنا -سبحانه- لمن استغفره، ويعطي من سأَله، ويستجيب لمن دعاه، ولعل المراد من السجود المأْمور به في الآية هو صلاة الليل وهي التهجد الذي هو مندوب إِلَاّ في حقه صلى الله عليه وسلم فإِنه واجب عليه، اختصه الله به ليرفعه إِلى الدرجات العلا والمنزلة العظمى، قال تعالى:"وَمِنْ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا"(1).
(1) الآية 79 من سورة الإسراء.
(إِنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا (27) نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا (28))
المفردات:
(الْعَاجِلَةَ) الدنيا.
(يَوْمًا ثَقِيلًا): عسيرًا شديدًا وهو يوم القيامة.
(وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ): الأَسر في الأَصل: هو الشد والربط، والمراد: وأَحكمنا ربط أَجزائهم بعضها بعض.
التفسير:
27 -
(إِنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا):
هذا تفريع وتوبيخ للمشار إِليهم وهم أَهل مكة، وقيل: إِنها نزلت في يهود، أَي أَنهم بسبب الشهوة والمحبة لهذه اللَّذات الجسدية والمتع الدنيَّة البدنية يفرحون ويحبون الدنيا العاجلة التي تُؤذِنُ بانصرام، وتُعْلِمُ بانقضاءٍ وانتهاءٍ، ويتركون ويدعون خلف ظهورهم دون انتباه إِليه أو التفات نحوه يذرون يومًا شديدًا عسيرًا يثقل حمل ما فيه، ويضعف الإِنسان عن تحمل مشاقه وصعابه وهو يوم القيامة وما فيه من نشر وحشر وحساب.
28 -
(نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا):
أَي: نَحن -لا غيرنا- خلقناهم من طين بدءًا من آدم عليه السلام وفي أَصلاب آبائهم وأَرحام أُمهاتهم، وأَعطيناهم القُوَى والقُدَرَ وشددنا وربطنا مفاصلهم وأَوصالهم بعضهم ببعض ربطناها بالأَعصاب والعروق، وذلك في إِحكام حكيمٍ وربط وثيق لا يهتدى إِليه أَحد
سوانا، فكل المخلوفات قَهْر عظمتنا، والأَسر في الأَصل: هو الشد والربط، وأُطلق على ما يشد ويربط به، وكانت الأَعصاب والعروق للشد والربط لأَنها تشبه الجبال التي يربط بها، والمراد: شدة الخلق وكونه موثقًا حسنًا، قال تعالى:"الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ"(1) والكلام هنا جاءَ للامتنان وبيان فضل الله عليهم، وذلك بإِسداء النعم الجليلة التي قابلوها بالمعصية، أَي: سويت خلقكم وأَحكمته ومددتكم بالقوى وكَرَّمتكم ثم تكفرون بي؟!
(وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا): هذا تهديد لهم بالإِهلاك، أَي: وإذا أَردنا إِهلاكهم وتدميرهم جئنا بأَمثالهم في شدة الخلق وإِحكام الصنع ممن يطيعنا ويمتثل أَمرنا؛ فقدرتنا صالحة لذلك لا يتأَبَّي عليها شيءٌ من الممكنات ما دامت إِرادتنا قد تعلقت به.
(إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (29) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَاّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (30) يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (31))
المفردات:
(تَذْكِرَةٌ): موعظة.
(سَبِيلًا): طريقًا إِلى مرضاة الله.
(أَعَدَّ لَهُمْ): هيأَه لهم.
(1) الآية 6 من سورة الانفطار.
29 -
(إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا):
أَي: إِن هذه السورة بما فيها من الترتيب العجيب والنسق البديع والوعد والوعيد، والترغيب والترهيب تذكرة وموعظة للمتأَملين، وتبصرة للمستبصرين، فمن شاءَ وأَراد الخير لنفسه في الدنيا والآخرة اتخذ رسلك طريقًا إِلى ربه بالتقرب إِليه بما يحبه ويرضاه.
30 -
(وَمَا تَشَاءُونَ إِلَاّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا):
أَي: لا يقع ما تريدونه ولا يتم ما تشاءُونه بإِرادتكم، فأَعمالكم التي لكم فيها الاختيار لا تتم ولا تقع وفق اختياركم لها، وإِنما ذلك مرهون وموقوف على مشيئة الله لذلك، فما شاءَ -سبحانه- كان وحصل، وما لم يشأْ لا يكون ولا يحدث، قال تعالى:"وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ"(1) وقال ابن كثير: لا يقدر أَحد أَن يهدي نفسه ولا يدخل في الإِيمان، ولا يَجُرّ لنفسه نفعًا إِلَاّ بمشيئته -تعالى-.
(إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا) أَي: أَنه -سبحانه- حكيم في تدبيره يحيط إِحاطة تامة ويعلم علمًا كاملًا بمن هو أَهل لأَن يمنحه الهداية ويذلل له طريقها فييسرها له، كما يعلم -جل شأْنه- من ليس أَهلا لإِكرامه وإِنعامه -وقد اختار الضلالة وآثر المعصية- فييسر له سبيل الغواية، ويمهد له طريق الضلال، قال تعالى:"فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى"(2).
31 -
(يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا):
هذه الآية كالمترتبة على ما سبق من قوله تعالى: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَاّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) أَي: أَن دخول الجنة يكون بمحض مشيئته وفضله ورحمته -سبحانه- وَأن تعذيب الله للظالمين من عصاة وكافرين يكون أَيضًا بعدل الله وإِرادته؛ فلا مكره له -سبحانه- وقد أَعد وهيأَ لهؤُلاءِ الفاسقين الظالمين عذابًا موجعًا شديد الإِيلام ينتظرهم وهو -جل شأْنه- لا معقب لحكمة ولا راد لقضائه وهو أَحكم الحاكمين.
(1) الآية 18 من سورة الأنعام.
(2)
الآيات 5 - 10 من سورة الليل.