الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سورة القلم
هي أَول ما نزل في القرآن بعد العلق، فقد روي عن ابن عباس أَن أَول ما نزل من القرآن اقرأَ باسم ربك ثم هذه (أَي: سورة القلم) ثم المزمل، ثم المدثر، وهي مكية وآيُها ثنتان وخمسون آية بالإِجماع.
ومناسبة سورة القلم للسورة السابقة (سورة الملك):
أَن سورة الملك اخْتُتمت بالوعيد: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ)(1) واشتملت سورة القلم في أَوائلها عليه.
قال الجلال السيوطي في ذلك: لما ذكر في آخر سورة الملك التهديد بتغوير الماء استظهر عليه في وسورة القلم بإِذهاب ثمر أَصحاب البستان في ليلة بطائف طاف عليها وهم نائمون، فَأصحبوا ولم يجدوا لجنَّتهم أَثرًا حتى ظنوا أَنهم ضَلُّوا الطريق إِليها.
المعنى العام للسورة
في السورة الكريمة قسم بالقرآن وما يُسطَّر به، والمُقْسَم عليه: ما أَنت يا محمد وقد أَنعم الله عليك بالنّبوة وفضَّلك بالرِّسالة بمجنون ولا سفيه الرأَي كما يدَّعي المشركون.
ثم ساقت بِشارة له: وإِنَّ لك يا محمد على ما تبذله في تبليغ الدعوة لأَجرًا غير مقطوع ومَدْحًا كأَبلغ ما يكون المدح والثَّناء (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) فقد أَدبَّك ربُّك فأَحسن تأديبك، وتسلية له.
وعن قريب ستبصر ويبصر الكافرون أَيكم المجنون، وإِنَّ ربَّك أَعلم بمن ضَلّ عن سبيله وحاد عن طريق الحق فكفر، وهو أَعلم بالعقلاءِ المهتدين المؤمنين.
(1) سورة الملك الآية: 30.
ثم ذكرت السورة توجيهاتها للرسول: فدم يا محمد على طريقتك مِنْ مُخَالفة المكذبين، لقد تَمَنّوا لو تلين لهم بعض الشَّيء وتعبد ما يعبدون ولو زمنًا قليلًا فهم يَلِينُون لك لا حُبًّا في الإِسلام ولكن طمعًا في ضَمِّك إِلى صفِّهم.
ثم نهت عن طاعة كل مَن اتَّصف بهذه الصِّفات الذَّميمة، والنُّعوت القبيحة فقالت:(وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَاّفٍ مَّهِينٍ * هَمَّازٍ مَّشَّآءٍ بِنَمِيمٍ*مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتدٍ أَثِيمٍ * عُتُلٍّ بعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ) ولأَنَّه صاحب مال وبنين كذب بآياتنا وأَعرض عنها فجعل الكفران مكان الشكر والعرفان، سنسمه بسمة ونجعل على أَنفه علامة ليكون مفتضحًا بها بين الناس.
واشتملت السورة على تشبيه ما وقع لأَهل مكة من العذاب والقحط بما وقع لأَصحاب الجنة الَّذين جاءَت قصتهم فيها، وعلى تبشير المؤمنين بما أُعِدَّ لهم عند ربّهم مِنْ جزاءٍ وثواب وعدم التَّسوية بينهم وبين الكافرين، وأَنكرت على المكذبين ما يدَّعون لأَنفسهم بغير حق {أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (37) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ (38) أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ (39) سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ (40) أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (41)} كما جاءَ فيها وصف حال الكافرين والمُعرضين وما ينالهم من العقاب، والنُّصح لرسول الله بالصبر والاحتمال ولا يكون كأَخيه يونس عليه السلام في سرعة غضبه والغضب على قومه، وذكرت السورة ما كان الكفَّار يُضْمِرُونه لرسول الله من بُغْض وعداوة وقد ظهر هذا على وجوههم وهم ينظرون إِليه شزرا حين يتلو القرآن، ويرمونه بالجنون.
وختمت بتمجيد القرآن وبيان فضل الرسول وقدره (وَمَا هُوَ إِلا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ).
(بسم الله الرحمن الرحيم)
المفردات:
(وَالْقَلَمِ): قَسَمٌ بالقلم الذي يكتب به الملائكةُ والناس.
(غَيْرَ مَمْنُونٍ): غير مقطوع يقال: مننت الحبل: إِذا قطعته.
(بِأَيِّيكُمْ الْمَفْتُونُ): في أَي الفريقين منكم المجنون.
التفسير:
1 -
{ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (1)} :
(ن) حرف من حروف المعجم التي بُدئت بها بعض السُّور وهي من المتشابه، ومذهب السلف أَنهم يقولون في هذا ومثله: الله أعلم بمراده، وقيل: اسم للسُّورة، وقِيل: اسم للدَّواة.
وأَنكر الزمخشري ذلك قال: لا دليل عليه من لغة ولا نقل صحيح، وقيل غير ذلك ممَّا لا يُلْتَفت إِليه.
(وَالْقَلَمِ) أقسم الله بالقلم الذي يكتب به الملائكة والناس وبما يكتبونه من الخير والنفع وغير ذلك، وإِنما استحق قلم الملائكة أَن يُقْسَم به لأَنَّهم يكتبون به ما في اللَّوح المحفوظ، ويُسجِّلون به في صحائفهم أَعمال الناس، وأَمَّا استحقاق القلم الذي يكتب به الناس ذلك الشرف فلكثرة منافعه وعظيم فوائده، ولو لم يكن له مَزِيَّة سوى تسجيل كتب الله عز وجل لكفى به فضلًا مُوجِبًا لتعظيمه، كيف لا وهو الذي يُنْشَر به العلم، وتُحَرَّر به الفنون والآداب وتذاع به المعارف والأَخلاق والفضائل. قال أَبو الفتح البستي:
إِذا أَقسم الأَبطال يومًا بسيفهم
…
وعَدّوه ممَّا يُكْسِب المجد والكرم
كفى قلم الكتَّاب عِزًّا ورفعة
…
مدى الدهر أَنَّ الله أَقْسَم بالقلم
2 -
{مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (2)} :
هذا هو الْمُقْسم عليه، أَي: انتفى عنك الجُنون بسبب نعمة ربك عليك ورحمته بك، وهو الذي اصطفاك للرسالة، وأَهَّلك للنبوة لتخرج الناس من الظُّلمات إِلى النور ومن الشرك إِلى الإِيمان، والآية نزلت ردًّا على كفار مكة وتكذيبًا لهم فيما يقولون وما ينسبونه إليه من الجنون حسدًا وعدواة ومكابرة، والمقصود أَنت مُنَزّه عما يقولون لأَنك أُعْدِدت لتكون هادي البشرية كلها والقائد الخاتم للمسيرة الإِلهية.
3 -
{وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (3)} :
أَي: وإِنَّ لك لِمُقَاسَاتِك أَلوان الشَّدائد وأَنواع المتاعب، وتحمُّلك أَعباء الرسالة ومشاق الدَّعوة لثوابًا عظيمًا وأَجرًا جسيمًا غير مقطوع مع عظمة، أَو غير ممنون به عليك مِن الناس لأَنَّه عطاؤه تعالى بلا وساطة، أَو من الله لأَنَّك حبيبه، وهو سبحانه وتعالى أَكرم الأَكرمين ومن شِيمة الكرام أَلا يَمُنُّوا بإِنعامهم، لا سيما إِذا كان على أَحبابهم.
4 -
{وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)} :
أَي: وإِنك لمستمسك بمكارم الصِّفات ومحاسِن الخلال التي طبعك الله عليها وأدَّبك بها، لك خلق لا يُدرك شَأوه أَحد من الخلق، تحتمل من جهتهم ما لا يحتمل أَمثالك من أُولي العزم
وعن ابن عباس في تفسير قوله تعالى (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) أَي: وإِنك لعلى دين عظيم هو الإِسلام، وليس أَحبّ إِلى الله تعالى ولا أَرضى عنده منه، وقال عطية: لَعَلَى أَدب عظيم.
وفي صحيح مسلم سُئلت عائشة رضي الله عنها عن خُلُق رسول الله؟ قالت: كان خلقه القرآن ومعنى هذا أَنه تأدب بآدابه وتحلَّى بأَخلاقه وأَحلّ حلاله وحرَّم حرامه، هذا مع ما طبعه الله عليه من الخلق العظيم من الحياءِ والكرم والشجاعة والصفح والحكمة وكل خلق جميل كما ثبت في الصحيحين عن أَنس قال:"خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما قال إِلي أُفٍّ قط، ولا قال لشيءٍ فعلته لم فعلته؟ ولا قال لشيءٍ لم أفعله ألا أَفعلته، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أَحسن الناس خلقًا"، والأَحاديث في هذا الباب كثيرة، ولأَبي عيسى الترمذي في هذا كتاب الشمائل.
5 -
6 - {فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (5) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (6)} :
أَي فستعلم يا محمد علمًا يقينيا وسيعلم مخالقوك أَيكم المفتون أَي المجنون لأَنه فُتِن، أَي مُحِنَ بالجنون، وقيل المعنى: فستبصر ويبصرون بأَي الفريقين منكم الفتنة أَي المجنون أَبفريق المؤمنين أَم بفريق الكافرين وفي أَيِّهما يُوجد منْ يستحق هذا الاسم، وهو تعريض بأَبي جهل والوليد بن المغيرة وأَحزابهما وهو كقوله تعالى:{سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنْ الْكَذَّابُ الأَشِرُ} . (1)
والمراد فستعلم ويعلمون ذلك يوم القيامة حين يتبين الحق من الباطل، وروى ذلك عن ابن عباس، وقيل: فستبصر ويبصرون في الدنيا بظهور عاقبة الأَمر بغلبة الإِسلام وانتصارك عليهم وعلو شأنك وصيرورتهم أَذلة صاغرين.
7 -
{إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (7)} :
استئناف لبيان ما قبله وتأكيد لما تضمَّنه من الوعد والوعيد، فهو سبحانه أَعلم بمن
(1) سورة القمر الآية: 26.
حاد على طريقه المؤدي إِلى سعادة الدارين وهام في تيه الضَّلال المُفْضِي به إِلى الشَّقاوة ومزيد النَّكال وهذا هو المجنون الذي لا يفرق بين النفع والضر، وهو سبحانه أَعلم بالمهتدين إِلى سبيله الفائزين بكلّ مطلوب النَّاجِين من كل محْذُور وهم العقلاء، فَيَجْزِي كُلًّا من الفريقين بما يستحق من العقاب والثواب.
وفي الكشاف: إِن ربك هو أَعلم بالمجانين على الحقيقة وهم الذين ضلوا عن سبيله وهو أَعلم بالعقلاءِ وهم المهتدون.
المفردات:
(وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ): تمنوا لو تلين لهم بعض الشيء وتصانعهم في الدين.
(مَهِينٍ): وضيع حقير، قال القرطبي: من المهانة بمعنى القلة وهي هنا القلة في الرأي والتمييز.
(هَمَّازٍ): طعَّان عيَّاب للناس في وجوههم أَو مُغتاب لهم (قَتَّات).
(مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ)(1): نقَّال للحديث من قوم إِلى قوم على وجه الإِفساد بينهم.
(1) قيل النميم جمع نميمة يريدون الجنس، وأصل النميمة: الهمس والحركة الخفيفة.
(عُتُلٍّ): غليظ القلب جاف الطَّبع، وقيل: الذي يعتل الناس فيجرهم إِلى حبس أَو عذاب مأخوذ من الْعتْل وهو الجرّ ومنه قوله تعالى: (خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ)(1).
(زَنِيمٍ)(2): دعيّ مُلصق بقوم ليس منهم، أَو شِرِّير.
(أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ): أَباطيلهم المسطَّرة في كتبهم.
(سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ): سنجعل له سمة وعلامة على الأَنف، والمراد: سنلحق به عارا لا يفارقه كالرسم على الأَنف.
التفسير:
8 -
{فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (8)} :
الفاءُ في الآية لترتيب النهي على ما ينبيء عنه ما قبله من اهتدائه صلى الله عليه وسلم وضلالهم، وفي هذا حث له على التَّصميم والعزم على عصيانهم ومخالفتهم.
والمعنى: فَدُمْ على ما أَنت عليه من مخالفة المكذبين وعدم طاعتهم، وتَشَدَّد في ذلك، ويجوز أن يكون نهيًا عن مُداهنتهم ومُداراتهم بإِظهار خلاف ما في ضميره صلى الله عليه وسلم استجلابًا لقلوبهم، لا نهيًا عن طاعتهم حقيقة، وعُبّر عن المداهنة بالطاعة للمبالغة في التفسير.
9 -
{وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (9)} :
المعنى: تمنّوا وأَحبوا لو تُلاينهم وتُصانعهم وتنزل على رغبتهم أَحيانًا (فَيُدْهِنُونَ) أَي فهم يدهنون ويلاينونك ويصانعوك حينئذ، فالفاءُ للسببية داخلة على جملة اسمية مسببة عمَّا قبلها.
وقيل المعنى: أَنهم يدهنون الآن طمعًا في ادهانك واستجابتك لهم ومشاركتهم في بعض عبادتهم.
(1) سورة الدخان، الآية:47.
(2)
أصله من الزنمة (بفتحات) وهي ما يتدلى من الجلد في العنق، أو الفلقة من أذنه تشق فتترك معلقة، شبه بها الدعي لأنه زيادة معلقة في غير أهله. أهـ. آلوسي.
10 -
{وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (10)} :
المعنى: وتمسك بما أَنت عليه من عدم طاعة كل كثير الحلف في الحق والباطل، وكفى بهذا النهي زجرًا لمن اعتاد الحلف لأَنه جُعِل فاتحة العيوب وأَساس الباقي من الذنوب، وكثرة الحلف تدل على عدم استشعار عظمة الله عز وجل وذلك أَصل كل شر. (مَهِينٍ) أَي: حقير وقال الرماني: المهين: الوضيع، لإِكثاره من القبيح. وعن ابن عباس: الكذاب.
11 -
{هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (11)} :
(هَمَّازٍ) أَي: عيَّاب طعَّان أَو مغتاب (مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ): نقَّال للحديث من قوم إلي قوم على وجه الإِفساد بينهم، فهو يحرض بعضهم على بعض لفساد ذات البين وهي الحالقة.
وقد ثبت في الصحيحين عن ابن عباس قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبرين فقال: [إِنَّهُمَا يُعذَّبان وما يعذبان في كبير، أَما أَحدهما فكان لا يستتر من البول، وأَما الآخر فكان يمشي بالنميمة]، وروى الإِمام أَحمد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(لا يدخل الجنة قَتَّات):
أَي: نَمَّام. والأَحاديث في ذلك كثيرة.
12 -
{مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12)} :
(مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ): أَي: بخيل ممسك بالمال، من منع معروفه عنه: إِذا أَمسكه، أَو منَّاع أَهله الخير وهو الإِسلام، قيل: هو الوليد بن المغيرة المخزومي كان مُوسِرًا وكان له عشرة من البنين وكان يقول لهم ولأَقربائه: من أَسلم منكم منعته رِفْدِي وعطائي.
روي ذلك عن ابن عباس، وعنه أيضًا أَنه أَبو جهل، وقيل غيرهما.
(مُعْتَدٍ): مجاوز في الظلم حَدَّه. (أَثِيمٍ) أَي: كثير الآثام، والمراد بها المعاصي والذنوب.
13 -
{عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (13)} :
(عُتُلٍّ): أَي: غليظ جاف، وإِنَّمَا نهى - سبحانه - عن طاعة العُتُلّ وجعل غلظته أَشد معايبه لأَنه لقسوة قلبه وغلظ طبعه يجتريء على كل معصية.
(بَعْدَ ذَلِكَ) أَي: بعد ما عدّ له من المثالب والنقائص. (زَنِيمٍ) دَعِيّ مُلْحق بقوم ليس منهم، والمراد به ولد الزِّنا كما جاءَ بهذا اللفظ عن ابن عباس، وكذا جاءَ عن عكرمة وأَنشد:
زنيم ليس يعرف من أَبوه
…
بغيّ الأُم ذو حسب لئيم
وإِنما نهي عن طاعة الدّعيّ لأَن الغالب أن النطفة إِذا خبثت خبث خبث الناشيء منها، وعن سعيد بن جبير: الزَّنيم الذي يُعْرَف بالشر كما تُعْرف الشاة بزنمتها وهي ما يتدلى من رقبتها كما سبق بيانه في المفردات: والزنيم، الملصق.
قال ابن كثير: والأَقوال في الزنيم كثيرة، وغالبها يرجع إِلى ما ذهب إِليه سعيد بن جبير، وكثيرًا ما يكون دعيا ولد زِنا فإِنه في الغالب يتسلَّط الشيطان عليه ما لا يتسلط على غيره. أ. هـ بتصرف.
14 -
{أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (14)} :
هذا الكلام متصل بقوله - سبحانه -: (وَلا تُطِعْ
…
) الخ أَي: لا تطع مَن هذه عيوبه ونقائصه بسبب كونه موُسرًا معتدًّا بماله مُنْجِبًا مُعْتَزًّا ومتقويًّا بأَبنائه.
15 -
{إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (15)} :
استئناف جري مجرى التعليل للنّهي عن اتباعه، والمعنى: إِذا يُقْرأُ عليه القرآن كَذَّب ولم يؤمن بما جاءَ به وقال: هذا قصص الأَولين وخرافاتهم وأَكاذيبهم الواردة في كتبهم، ويجوز أَن يكون قوله - تعالى -:(أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ) متصلًا بما بعده.
والمعنى: لأَن كان صاحب مال ومستظهرا بالنبين كذب بآياتنا، وأَعرض عنها إِذا يتلى عليه القرآن قال: أساطير الأَولين وأَباطيلهم، فجعل الكفر مكان الشكر والتكذيب موضع التصديق والإِيمان.
16 -
{سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (16)} :
أَي: سنجعل على أَنفه سمة دائمة وعلامة لازمة لا تفارقه، يُعيّر ويفتضح بها أَمام الناس فعبر بالوسم على الخرطوم عن غاية الإِذلال والمهانة، لأَنَّ السِّمة على الوجه شين حتى إِنه صلى الله عليه وسلم نهى (1) عنه في الحيوانات، فكيف بها في الإِنسان وعلى أَكرم موضع منه وهو الأَنف
(1) ذكر الزمخشري أن العباس عم النبي وسم أبا عرة في وجوهها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أكرموا الوجوه" فوسمها في جواعرها (جمع جاعورة وهي ما حول الدبر كما جاء في الصحاح).
لتقدمه، لذا جعلوه مكان العز والحميّة واشتقوا منه الأَنفة، وقالوا: فلان شامخ الأَنف، وفي لفظ (الخرطوم) استخفاف به واستهانة؛ لأَنه لا يستعمل إِلا في الفيل والخنزير، ففي التعبير على الأَنف بهذا الاسم تقوية لما دل عليه الوسم على العضو المخصوص من الإِذلال، والمراد: سنهينه في الدنيا ونذله غاية الإِذلال.
وكون الوعيد المذكور في الدنيا هو المروي عن قتادة وذهب إِليه جمع، وقيل: هو في الآخرة، يُوسم يوم القيامة على أَنفه بسمة يعرف بها كفره وانحطاط قدره.
المفردات:
(إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ): إِنَّا امتحنا أَهل مكة واختبرناهم بالقحط.
(الْجَنَّةِ): البستان المشتمل على أَنواع الأَشجار والثمار والفواكه.
(لَيَصْرِمُنَّهَا): ليقطعنَّ ثمرها بعد نُضجها.
(مُصْبِحِينَ): داخلين في وقت الصباح مبكرين.
(وَلا يَسْتَثْنُونَ): أَي: ولا يقولون: إِن شاءَ الله، وقيل: ولا يستثنون حصة المساكين كما كان يفعل أَبوهم.
(طَائِفٌ): بلاءٌ وعذاب محيط بها - نار محرقة -.
(كَالصَّرِيمِ): كالليل الأَسود، وقيل: كالبستان إِذا صرمت أَي: قطعت ثماره.
(صَارِمِينَ): قاصدين للصرم وقطع الثمار.
(يَتَخَافَتُونَ): يتسارّون ويتشاورون فيما بينهم بطريق المُخافتة.
(حَرْدٍ): منع، أَو انفراد عن المساكين، أَو غيظ وغضب.
(إِنَّا لَضَالُّونَ): أَي: إِنَّا لضالُّون طريق جنتنا.
(أَوْسَطُهُمْ): أَحسنهم رأيا، أَو أَوسطهم سِنا.
(لَوْلا تُسَبِّحُونَ): هلا تذكرون الله وتتوبون إِليه من خبث نيتكم.
(يَتَلاوَمُونَ): يلوم بعضهم بعضا.
(إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ): إِنا إِلى ربنا لا إِلى غيره راجون العفو طالبون الخير.
التفسير
17 -
أَي: إِنا اختبرنا أَهل مكة وأَصبْناهم ببليّة وهي القحط بدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: (اللهم اشدد وطأَتك على مُضَر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف).
(كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ): أَي: مثل ما بلونا أَصحاب الجنة المعروف خبرها عندهم، قيل: كانت بأَرض اليمين قريبا من صنعاء لرجل كان يؤدي حق الله منها فمات فصارت إِلى ولده فمنعوا النَّاس خيرها وبخِلوا بحق الله منها، فكان ما ذكره الله تعالى.
(إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ) أَي: إِذ حلفوا ليقطعن ثمارها بعد نضجها واستوائها وقت الصباح قبل أَن يخرج المساكين كي لا يشعر بهم المساكين، فلا يعطونهم منها ما كان أَبوهم يتصدق به عليهم منها.
18 -
قيل: أَي ولا يقولون إِن شاءَ الله، وقيل: المعنى ولا يستثنون منها حصة المساكين كما كان يفعل أَبوهم (وعليه هو معطوف على قوله تعالى: "لَيَصْرِمُنَّهَا" ومقسم عليه مثله).
19 -
{فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (19)} :
المعنى: نزل على الجنة وأَحاط بها من كل جانب بلاءٌ محيط وعذاب.
وعن الفرّاءِ: تخصيص الطائف بالأَمر الذي يأتي بالليل وكان ذلك - على ما قال ابن جريج - عُنُقا من نار خرج من وادي جنتهم (وَهُمْ نَائِمُونَ) في موضع الحال، والمراد: أَتاها ليلا كما روي عن قتادة، وقيل: المراد أَنهم غافلون غفلة تامة عما جرت به المقادير.
20 -
{فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (20)} :
أَي فأَصبحت جنتهم كالبستان الذي صُرِمت ثماره وقطعت بحيث لم يبق فيها شيءٌ وقال منذر والفرّاء وجماعة: الصّريم: الليل، والمراد: أَصبحت محترقة تشبه الليل في السواد؛ ذكر ابن كثير عن ابن مسعود: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إِياكُمْ والمعاصي، وإِن العبد ليذنب الذنب فيحرم به رزقا قد كان هُيِّيءَ له) ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ).
22،21 - {فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (21) أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ (22)}:
أَي فنادى بعضهم بعضا وقت الصباح وذلك للقسم السابق: أَن اخرجوا مبكرين مقلبين على بستانكم إِن كنتم مصرين على الصرم وقطع الثمار، ويحتمل إِن كنتم أَهل عزم وإِقدام على رأَيكم من قولهم: سيف صارم.
24،23 - {فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (23) أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (24)}:
أَي فاندفعوا مسرعين وهم يتشاورون فيما بينهم بطريق المخافتة والمسارّة متواصين قائلا بعضهم لبعض: لا يمكن أَحد منكم اليوم مسكينا من دخول الجنة عليكم، فالنهي عن الدخول للمسكين نهي عن تمكينه من حتى لا يناله من الثمار شيء.
25 -
{وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ (25)} :
أَي وساروا في أَول النهار إلى جنتهم قادرين على (حرد) فيه عدة أَقوال:
(1)
هو المنع كما قال أبو عبيدة وغيره، من حَردت السنة: منعت خيرها، وحاردت الإِبل: منعت درها.
والمعنى: وغدوا إِلى جنتهم قادرين على منع لا غير عاجزين عن النفع.
(2)
وقيل المراد: الغيظ، أَي: لم يقدروا إِلَاّ على إِغضاب بعضهم لبعض كقوله تعالى: (فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ)(1) وروي هذا عن السّديّ.
(3)
وقيل الحرد: القصد والسرعة، وللحرد معان أُخرى ذكرها القرطبي والآلوسي والزمخشري.
26،27 - {فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (26) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (27)}:
فأَول ما وقع نظرهم عليها ورأَوها سوداءَ محترقة لا شيءَ فيها قد صارت كالليل الأَسود ينظرون إِليها كالرماد، أَنكروها وشكّوا فيها وقالوا مضطربين متحيرين: إِنَّا لضالُّون طريق
(1) سورة القلم، الآية 30.
جنتا، وما هي بها (بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ) قالوا ذلك بعد ما تأَملوا ووقفوا على حقيقة الأَمر وتيقنوا ما فُعِل بجنتهم مُضربين عن قولهم الأَول، أَي: لَسْنَا ضَالِّين بل نحن محرومون حُرمنا خيرها بجنايتنا على أَنفسنا وسوء نيتنا وقصدنا حرمان الفقراء.
28 -
{قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (28)} :
قال أَعدلهم وخيرهم: (أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ) أَي: لم أَقل لكم؟! وفي التسبيح قولان:
(1)
قيل: المراد الذكر، أَي: هلا تذكرون الله وتتوبون إليه من خبث نيتكم، كان أَوسطهم قال لهم حينما عزموا على حرمان الفقراء: اذكروا الله وانتقامه من المجرمين وتوبوا عن هذه العزيمة الخبيثة من فوركم، وسارعوا إِلى حسم شرها قبل حلول النقمة، فعصوه فوبّخهم، والدليل على ذلك قولهم بعد هذا:(سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ) فتكلموا بما كان يدعوهم إِلى التكلم به على إِثر مقارفة الخطيئة وارتكاب الإِثم.
(2)
وقيل: المراد بالتسبيح - الاستثناءُ: وهو أَن يقولوا إِن شاءَ الله، ويلتقي هذا مع الأَول في معنى التَّعظيم، لأَن الاستثناء تفويض إِلى الله، والتَّسبيح تنزيه له، وكل واحد من التفويض والتنزيه تعظيم.
29 -
{قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (29)} :
قالوا بعد أَن ثابوا إِلى رشدهم ورجعوا إِلى عقولهم: نُسبّح الله ونُنَزّهه عن الظلم وعن كل قبيح، ثم اعترفوا بظلمهم ومنع المعروف عن مستحقيه والبخل بما كان يعطيه والدهم للفقراء والمساكين، وفي تركهم الاستثناء قال ابن كثير: وهكذا أَتوا بالطاعة حيث لا تنفع أَو اعترفوا حيث لا ينجع.
30 -
{فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (30)} :
أَي: فأَقبل بعضهم على بعض يلوم كل منهم الآخر في القسم والحلف على منع المساكين أَي يقول: بل أَنت أَشرت علينا بهذا، فإِن منهم - على ما قيل - مَن أَشار بذلك، ومنهم من استحسنه ومنهم من سكت راضيا ومنهم من أَنكره.
31 -
{قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (31)} :
أَي قالوا: يا عذابنا وهلاكنا إِنا كنا طاغين - اعتدينا وبغينا وتجاوزنا الحد عاصين بمنع الفقراء: وقال ابن كيسان: طغينا نِعَم الله فلم نشكرها كما شكرها أَبونا من قبل حتى أَصابنا ما أَصابنا.
32 -
{عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (32)} :
نرجو الله أَن يعوضنا خيرا من جنتنا ويعطينا بدلا منها ببركة التوبة والاعتراف بالخطيئة إِنَّا إِلى ربنا - لا إلى غيره - راغبون: راجون العفو طالبون الخير.
وعن مجاهد أَنهم تابوا فأُبدلوا خيرا منها.
33 -
{كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (33)} :
أَي: مثل ذلك العذاب الذي بلونا به أَهل مكة من الجدب الشديد ومثل ما قصه الله علينا مما أَصاب أَهل هذه الجنة - عذاب الدنيا، والكلام وارد لتحذير أَهل مكة - وتخويفهم كأَنه لما نهى سبحانه وتعالى نبيه عن طاعة الكفار ورؤَسائهم، ذكر عز وجل أَن تمردهم هو بسبب ما أوتوه من المال والبنين، وعقّب - جل وعلا - - بأَنهم إِذا لم يشكروا المنعم عليهم يؤول حالهم إِلى حال أَصحاب الجنة مشيرا إِلى أَن خُبث النّية وإِنكار حق الفقير إِذا أَفضى بهم إلى ما ذكر من العذاب فإِن إِنكار الحق بمعاندة الرسول ذي الخلق الكريم وقطع رحمه أَولى بأَن يُفْضِي بأَهل مكة إلي البوار والخسران والعقاب.
ثم ذكر سبحانه وتعالى عذابهم في الآخرة فقال: (وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ) أَي: أَعظم وأَشد وأَشقّ وهو تحذير عن العناد، وقوله تعالى:(لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) نَعْيٌ عليهم بالغفلة وتقريع لهم، أَي: لو كانوا من أَهل العلم لعلموا أَنه أَكبر، ولأَخذوا منه حِذْرهم ولما وقعوا فيما وقعوا فيه.
المفردات:
(أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ): أَي: بل لكم كتاب منزل من السماءِ.
(فِيهِ تَدْرُسُونَ): فيه تقرأون.
(إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا يَتَخَيَّرُونَ): أَي: إِن الذي يختارونه وتشتهونه لكم مذكور في ذلك الكتاب.
وتَخَيَّر الشيء واختاره: أخذ خَيْرَه، وشاع في أَخذ ما يريده مطلقا.
(أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ): أَي: بل أَلكم عهود ومواثيق مؤكدة بالأَيْمَان.
(إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ): أَي: إِنَّ لكم لَلَّذي تحكمون به لأَنفسكم.
(زَعِيمٌ): كفيل وضمين.
التفسير
34 -
{إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (34)} :
لَما ذكر - تعالى - حال أَهل الجنة الدنيوية وما أَصابهم فيها من النقمة حين عصوا الله عز وجل وخالفوا أَمره، بيّن أَنَّ لمن اتَّقاه وأَطاعه في الدار الآخرة جنات النعيم، أَي: جنات ليْس فيها إِلا النَّعيم الخالص من شائبة ما ينغِّصه من الأَكدار وخوف الزوال.
35، 36 - {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36)}:
(أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ): تقرير لما قبله من فوز المتقين وردّ لما يقوله الكَفَرة من صناديد قريش حين سماعهم بحديث الآخرة وما وعد الله به المؤمنين، يقول الكفرة: إِنْ صَحّ
أَنَّا نبعث كما يزعم محمد ومن معه لم يكن حالنا وحالهم إِلا مثل ما هي في الدنيا وإِلَاّ لم يزيدوا علينا ولم يفضلونا وأَقصى أَمرهم أَن يساوونا، فقيل لهم: أَنَحِيف ونظلم في الحكم فنجعل المسلمين كالكافرين؟! ثم قيل لهم على طريق الالتفات تأَكيد للرد وتعجبا من حكمهم واستبعادا له وإِيذانا بأَنه لا يَصْدُر عن عاقل: (مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ): إِذا معنى ما لكم: ماذا أَصابكم، وأَي شيء حصل لكم مِنْ خَلَلِ الفكر وفساد الرأي حتى حكمتم هذا الحكم الجائر، كأَنَّ أمر الجزاء مُفَوّض لكم حتى تحكموا فيه بما شئتم.
38،37 - {أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (37) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ (38)}:
يقول تبارك وتعالى: بل أَفبأَيديكم كتابٌ مُنَزَّل من السماءِ تقرءُونه وتدرسونه وتحفظونه وتَتَداولونه بنقل الخلف عن السلف يتضمن أَنَّ ما تختارونه وتشتهونه لكم؟ قال الآلوسي والظَّاهر مقابل لما قبله ومُلَخَّصه: أَفسد عقلكم حتى حكمتم بهذا أَم جاءَكم كتاب فيه تخييركم وتفويض الأَمر لكم؟!
39 -
المعنى: بل أَلكم عهود علينا ومواثيق مؤَكدة بالأَيمان باقية ثابتة إِلى يوم القيامة؟ إِنَّ لكم لَلّذِي تحكمون به وتقضون وسيصل إِليكم ما تحبون وما تشتهون.
تعالى: (إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ) جواب القسم؛ لأَن معنى (أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ) أَم أَقسمنا لكم.
40 -
{سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ (40)} :
المعنى: سل المشركين يا محمد مُبَكِّتًا لهم: أَيُّهم بذلك الحكم الذي يحكمون به لأَنفسهم منْ أَنَّهُم يعطون في الآخرة أَفضل من المؤمنين - أَيهم كفيل وقائم بتنفيذه وإِمضائه وبالاحتجاج لصحته، كما يقوم الزَّعيم المتكلِّم عن القوم المتكفّل بأُمورهم، فضلا عن أَنه حكم جائر، خارج عن دائرة المعقول، وكأَنَّه بتوجيه الخطاب لرسول الله أَسْقَطَهم مِنْ رُتبة الخطاب إِهمالا لهم.
41 -
{أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (41)} :
أَي: بل أَلهم أُناس يشاركونهم في هذا القول ويوافقونهم عليه، ويذهبون مذهبهم فيه فليأتوا بشركائِهم إِنْ كانوا صادقين في دعواهم، يعني أَنَّ أَحدًا لا يُسلم لهم هذا ولا يساعدهم عليه، كما أَنهم لا كتاب لهم ينطق به، ولا عهد لهم به عند الله، ولا زعيم لهم يقوم به ويتصدى لإِنفاذه.
قال العلامة الآلوسي: وقد نَبّه سبحانه وتعالى في هذه الآيات على نفي جميع ما يمكن أن يَتَعَلَّقُوا به في تحقيق دعواهم، حيث نَبَّه - سبحانه - على نفي الدليل العقلي بقوله سبحانه:(مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) وعلى نفي الدّليل النَّقْلي بقوله سبحانه: (أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ) وعلى نفي أَن يكون الله وعدهم بذلك بقوله تعالى: (أَم لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَلِغَةٌ) وعلى نفي التَّقْليد الذي هو أَهْوَن الأَشياء بقوله: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ) الخ أهـ آلوسي.
المفردات:
(يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ): كتابة عن شدة هول يوم القيامة.
(خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ): ذليلة منكسرة.
(تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ): تغشاهم ذلة مرهقة وخسران.
(سَنَسْتَدْرِجُهُمْ): سنستنزلهم إِلى العذاب درجة فدرجة بالإِمهال حتى توقعهم فيه.
(وَأُمْلِي لَهُمْ): وأُمهلهم بتأخير العذاب ليزدادوا إِثمًا.
(كَيْدِي مَتِينٌ): تدبِيري قويّ لا يفلت منه أَحد.
(مَغْرَمٍ): غرامة مالية.
التفسير
42 -
{يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (42)} :
لَمَّا ذكر - جلَّ شانه - أَنَّ للمتقين عند ربهم جنات نعيم بيَّن متى يكون ويقع ذلك فقال: (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ
…
الخ) أَي: يوم يكشف عن ساقٍ كان كذا وكذا فأُضمر للتهويل البليغ وأَنَّ ثمَّ من الحوادث والأَخطار ما لا يوصف لعظمه، والمراد بذلك اليوم عند الجمهور: يوم القيامة، والساق: ما فوق القدم، وكشفها: مَثَل في شدة الأَمر وصعوبة الخطب.
وقيل: ساقُ الشيء: أَصْلُه الذي به قوامه كساق الشجرة، والمراد: يوم يُكْشف عن أَصل الأَمر فتظهر حقائق الأَشياءِ وأُصولها بحيث تصير عيانًا، وإِلى هذا يشير ما أَخرجه البيهقي عن ابن عباس قال: حين يكشف الأَمر وتبدو الأَعمال.
وذهب بعضهم إِلى أَن المراد بالسَّاق ساقه سبحانه وتعالى وأَن الآية من المتشابه، واستدل على ذلك مما أَخرجه البخاري ومسلم غيرهما عن أَبي سعيد قال:
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (يَكِشفُ ربُّنا عن ساقِه فَيسجُدُ له كلُّ مؤمن ومؤمنة، ويبقى مَنْ كان يسجد في الدنيا رياءً وسمعة فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقًا واحدًا).
وأَنكر ذلك سعيد بن جبير فقد سئل عن الآية فغضب غضبًا شديدًا وقال: إِن أَقوامًا يزعمون أَن لله سبحانه يكشف عن ساقه وإِنما يكشف عن الأَمر الشديد، وعليه يحمل ما في الحديث (الآلوسي).
(وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ) أَي: ويدعون إِلى السجود لا تعبدًا وتكليفًا ولكن توبيخًا وتعنيفًا على تركهم إِياه في الدُّنيا وتَحِسيرا لهم على تفريطهم في ذلك، أَو امتحانًا لإِيمانهم.
(فَلا يَسْتَطِيعُونَ): لزوال القدرة عليه، وفيه دلالة على أَنهم يقصدونه فلا يستطيعون ولا يتأَتى منهم، والظاهر أَن الداعي هو الله تعالى أَو الملائكة وقيل: هو ما يرونه من سجود المؤمنين.
43 -
بين الله - سبحانه - حال من يُدْعَوْن إِلى السجود يوم القيامة فلا يستطيعون بأَنهم خاشعة أَبصارهم، أَي منكسرة ذليلة تلحقهم وتغشاهم مهانة وندامة وحسرة، وقد كانوا يُدْعوْن إِلى السجود في الدنيا وهم سالمون مُعَافُون متمكِّنون منه أَقوى تمكُّن فلا يُجِيبون إِليه ويَأبَوْنه ويَنْفِرون منه تكبرا أَو إِعراضا، لذلك عُوقِبوا بعدم قدرتهم عليه في الآخرة، روي أَنه كلما أراد أحدهم أَن يسجد خَرّ لقفاه على عكس السجود بخلاف ما عليه المؤمن.
ذكر القرطبي أَن سعيد بن جبير قال في تفسير قوله تعالى: (وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ): كانوا يسمعون (حي على الفلاح) فلا يجيبون، وقال كعب الأَحبار: والله ما نزلت هذه الآية إِلا في الذين يتخلفون عن الجماعات، وكان الربيع بن خيثم قد فُلِج وكان يُهَادَى بين الرجلين إِلى المسجد فقيل: يا أَبا يزيد لو صليت في بيتك لكانت لك رخصة فقال: من سمع حَيّ على الفلاح فليُجب ولو حَبْوًا - ومعنى يُهَادَى - أَي: يمشي بينهما معتمدًا عليهما لضعفه.
44 -
{فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (44)} :
(فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ) أَي: إِذا كان حالهم ما سمعت فَكِل من يُكَذِّب بالقرآن إِليَّ فأَنا أَكْفِيكَه، قال الزمخشري: فكأَنه يقول: حسبك إِيقاعًا به وعقابا له أَنْ تكل أَمره إِليَّ وتُخَلِّي بيني وبينه فأَنا عالم بما يجب أَن يْفْعَل به مُطِيق له وقادر عليه.
وذلك تسلية للرسول وتهديد للمكذبين (سَنَسْتَدْرِجُهُمْ): استئناف مسوق لبيان كيفية العقاب والتعذيب، أَي: سنستنزلهم إِلى العذاب درجة فدرجة بالإِمهال وإِدامة الصحة وازدياد النعمة. (مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ) أَي: من الجهة التي لا يشعرون أَنَّ ذلك الإِنعام عليهم استدراج بل يزعمون أَن ذلك إِيثار لهم وتفضيل على المؤمنين مع أَنه سبب هلاكهم.
45 -
{وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (45)} :
(وَأُمْلِي لَهُمْ): وأُمْهلهم بتأخير العذاب وأَمنحهم كثيرًا من النعم ليزدادوا إِثما وهم يحسبون أَن ذلك لإِرادة الخير بهم. (إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ) إِن تدبيري وعذابي لقويٌّ شديد لا يُدْفع بشيءٍ فلا يفوتني أَحد ولا يعجزني، وسمّى إِحسانه وتمكينه وإِمهاله لهم كيدا كما سمَّاه استدراجًا فيما سبق لكونه في صورة الكيد والاستدراج؛ حيث كان ذلك سببًا لتورطهم في الهلاك والوقوع فيه، والله سبحانه يفعل بهم ما هو نفع لهم ظاهرًا وهو ضرر لهم في الحقيقة لِمَا عَلِم من خُبْث نِيَّتهم وفساد طبيعتهم وتَمَاديِهِم في الكفر والعصيان، ووصف كيده بالمتانة لقوة أَثره في التَّسبُّب للهلاك.
46 -
{أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (46)} :
عاد الكلام إِلى ما تقدم من قوله تعالى: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَآءُ
…
) الآية، أَي: أَم تلتمس وتطلب منهم على هدايتك لهم ودعوتهم إِلى الله وإِرشادهم إِلى الإِيمان أَجرًا دنيويًّا وثوابًا ماديًّا فهم من غرامة ذلك مثقلون لِمَا يشق عليهم من بذل المال، فيثبَّطهم ذلك عن الإِيمان بالله والاستجابة لما تدعوهم إِليه فيعرضون عنك سبب ذلك، والأَمر ليس كذلك فليس عليهم كلفة ولا غرامة مالية، بل سيتولون بمتابعتك على خزائن الأَرض في الدنيا ويصلون إِلى جنات النعيم في الآخرة.
47 -
{أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (47)} :
أَي: بل أَعندهم علم الغيب فهم يكتبون عنه ما يحكمون به لأَنفسهم مِنْ أَنّهم أَفضل منك وأَنهم لا يعاقبون وغير ذلك مِمَّا يدعون، واستغنوا بذلك عن علمك؟! وقيل المعنى: أَينزل عليهم الوحي بهذا الذي يحكمون؟! ليس عندهم شيء من ذلك.
المفردات
(صَاحِبِ الْحُوتِ): يونس عليه السلام.
(مَكْظُومٌ): مملوء قلبه غيظًا وغضبًا، وقيل: مغموم مكروب.
(لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ): لطرح من بطن الحوت بالأَرض الفضاء المهلكة.
(فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ): فاصطفاه بقبول توبته.
(وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ): أَي: ينظرون إِليك نظرًا شديدا يكاد يصرعك ويسقطك من مكانك لبغضهم لك.
التفسير
48 -
{فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (48)} :
المعنى: فاصبر يا محمد لحكم ربك: وهو إِمهالهم وتأخير نصرتك عليهم مع ما تعانيه منهم من أَذى وكرب وبلاء، فإِن الله سبحانه سيحكم لك عليهم، ويجعل العاقبة لك ولأَتباعك في الدنيا والآخرة، روي أَنه صلى الله عليه وسلم أَراد أَن يدعو على ثقيف لَمَّا آذوه حين عرض نفسه على القبائل فنزلت.
(وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ): وهو يونس عليه السلام أَي: لا تكن مثله في العجلة والضجر والغضب على قومه، فكان من أَمره ما كان من ركوبه في البحر والتقام الحوت له وشروده به في البحار وظلمات اليم (إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ) حين دعا ربه في بطن الحوت فقال:(أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ)، (وَهُوَ مَكْظُومٌ) أَي: وقلبه مملوء بالغيظ والغضب على قومه) أَي: وقلبه مملوء بالغيظ والغضب على قومه إِذ لم يؤمنوا حين دعاهم إلي الإِيمان فطلب من ربه تعجيل عذابهم، والمراد: ولا يكن حالك كحاله وقت ندائه، ولا يُوجد منك ما وُجِد منه من المغاضبة والدُّعاء على قومه بالعذاب؛ فتُبتلى بنحو بلائه عليه السلام.
49 -
{لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (49)} :
المعنى: لولا أَن تداركته نعمة من ربه - وهي توفيقه للتوبة وقبولها - لطرح من بطن الحوت بالأَرض الفضاءِ الخالية من الأَشجار وغيرها مذمومًا مُعاقبًا على ما صدر منه، ولكن أدركته رحمة ربه وعنايته به فَطُرِح سقيمًا غير مذموم: أي، غير مبعد عن كل خير، وقيل المعنى: لولا فضلُ الله عليه بقبول توبته وتسبيحه لبقي في بطن الحوت إِلى يوم القيامة ثم نُبِذ بعراءِ القيامة مذمومًا، يدل عليه قوله تعالى:{فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} (1) ذكره القرطبي.
50 -
{فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (50)} :
(فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ) أَي فتداركه نعمة من ربه فاجتباه، أَي: اصطفاه بأَن رد عز وجل إليه الوحي وأَرسله إِلى مائة أَلف أَو يزيدون، وقيل: استنبأَه إِنْ صَحّ أَنَّه لم يكن نبيًّا قبل هذه الواقعة، وإِنَّما كان رسولًا لبعض المرسلين (فَجَعَلَهُ مِنْ الصَّالِحِينَ) أَي: من الكاملين في الصَّلاح بأَن عصمه - سبحانه - من أَن يفعل فعلًا يكون تركه أَولى.
51 -
المعنى
1 -
إِنهم لِشدَّة عداوتهم وبغضهم لك ينظرون إِليك شزرًا وحقدًا بحيث يكادون يزلُّون قدمك ويُزِيلُونك من مكانك، من قولهم: نظر إِلي نظرًا يكاد يصرعني أَو يكاد يأكلني، أَي: لو أَمكنه بنظره الصرع أَو الأكل لفعله.
2 -
وقيل المعنى: إِنهم يكادون يصيبونك بالعين، ولقد كان ذلك معروفًا في بني أَسد، ذكر الآلوسي وغيره أَن الكفار سأَلوا رجلًا منهم أَن يصيب رسول الله بالعين فأَجابهم، فلما مر النبي صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم أَنشد الرجل:
قد كان قومُك يحسبونَك سيدًا
…
وإِخالُ أَنَّك سَيِّدٌ معيون
(1) سورة الصافات، الآيتان: 143 - 144.
فعصم الله نبيه صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية، وذكر نحوه الماوردي والقرطبي وكذلك الكشاف مع اختلاف في بعض العبارات، وعبارة الكشاف: فقال الرجل لرسول الله: لم أَرَ كاليوم رجلًا - يريد بذلك أَنه لم يَرَ رجُلًا مثلَ الرسولِ - فعصمه الله.
ولقد صَحَّ من عدة طرق أَن العين تدخل الرجل القبر والجمل القدر، فالعين حق.
وذلك من خصائص بعض النفوس، ولله تعالى أَن يخص ما شاءَ منها بما شاء.
قال العلامة الآلوسي في تعقيبه على ذلك: وأَنا لا أَزيد على القول بأَنه من تأثيرات النفوس (ولا أُكيِّف ذلك) فالنفس الإِنسانية من أَعجب مخلوقات الله عز وجل وكم طوى فيها أَسرارًا وعجائب تتحيَّر فيها العقول ولا ينكرها إِلَاّ مجنون أَو جهول.
ولا يسعني أَن أُنكر العين لكثرة الأَحاديث الواردة فيها ومشاهدة آثارها على اختلاف الأَعضاء.
ولابن كثير كلام كثير في هذا المقام فليرجع إِليه من أراد.
(لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ) أَي: يزلقونك بأَبصارهم وقت سماعهم القرآن؛ وذلك لشدة بغضهم وحسدهم لرسول الله حين سماعه (وَيَقُولُونَ) لغاية حيرتهم في أَمره عليه الصلاة والسلام ونهاية جهلهم بما في القرآن من عجائب الحكم وبدائع العلوم ولتنفير الناس منه: (إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ): أَي: ينسبونه إِلى الجنون): أَي: ينسبونه إِلى الجنون إِذا سمعوه يقرأ القرآن، أَي: حكموا بجنونه لسماعهم القرآن منه وهم يعلمون أَنه أَعقل الناس وأَحكمهم، وحيث كان مدار حكمهم الباطل ما سمعوا منه صلى الله عليه وسلم من القرآن رَدَّ - سبحانه - ذلك ببيان علو شأن القرآن وسطوع برهانه فقال:(وَمَا هُوَ إِلا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ).
52 -
{وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (52)} :
الأُسلوب يفيد بطلان قولهم وتعجيب السامعين من جرأَتهم على التفوه بتلك الفرية العظيمة
أَي: يقولون ذلك والحال أَنَّ القرآن ذِكْرٌ للعالمين، أَي: تذكير لهم وبيان لجميع ما يحتاجون إِليه من أُمور دينهم، فكيف يحكم على من أُنْزِل عليه ذلك بالجنون وهو مطلع على أَسراره طُرًّا، ومحيط بجميع حقائقه خبرًا، وقيل: معنى الذكر: الشرف والفضل لقوله تعالى: (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ)(1) لِما فيه من الاعتناءِ بما ينفعهم.
وقيل: الضمير (هُوَ) لرسول الله صلى الله عليه وسلم وكونه - صلوات الله وسلامه عليه - مذكرًا وشرفًا لجميع العالمين لا ريب فيه.
(والله أَعلم)
(1) سورة الزخرف من الآية 44.