الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بعض ما جاء في فضلها:
روى مبارك عن أنس أن رجلًا قال: يا رسول الله، أني أُحب هذه السورة (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) قال:"إنَّ حُبَّكَ إيَّاهَا أَدْخَلَكَ الجَنَّةَ" وأخرج البخاري وأبو داود والنسائي عن أَبي سعيد أن رجلًا سمع رجلًا يقرأُ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) يردّدها فلمَّا أصبح جاءَ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهَا لَتَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ" ولقد جاءَ أنها تعدل ثلث القرآن في عدة أخبار، واختلف في المراد بذلك، فقيل: المراد أنها باعتبار معناها ثلث من القرآن المجزء إلى ثلاثه، لا أَن ثواب قراءَتها ثلث ثواب القرآن، وإلى هذا ذهب جماعة، لكن اختلفوا في بيان ذلك، فقيل: إن القرآن يشتمل على: قصص، وأحكام وعقائد، كلها ممَّا يتعلق بالعقائد؛ فكانت ثلث القرآن بذلك الاعتبار، وقيل غير ذلك، قال الآلوسي: ويؤيد اعتبار الأَجزاء القصص، والأحكام، والعقائد دون الثواب ما في صحيح مسلم عن قتادة عن أَبي الدرداء أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"أَيَعجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ كُلَّ يَوم ثُلُث القُرْآنِ؟ " قالوا: نعم، فقال:"إنَّ اللهَ جَزَّأَ القُرْآنَ ثُلاثَةَ أَجْزَاءٍ، فَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ثُلُثُ القرآنِ".
وقيل: المراد: تعدل ثلث القرآن ثوابًا لظواهر الأحاديث الواردة في ذلك، قال الآلوسي: والذي أَختاره أن يقال: لا مانع من أن يخص الله سبحانه بعض العبادات التي ليس فيها كبير مشقة بثواب أكثر من ثواب ما هو من جنسها وأَشق منها بأَضعاف مضعفة، وهو سبحانه لا حجر عليه ولا يتناهى جوده وكرمه، فلا يبعد أن يتفضل -جل وعلا- على قارئ القرآن بكل حرف عشر حسنات، ويزيد على ذلك أضعافًا مضاعفة - لقارئ الإخلاص، بحيث يعدل ثوابه ثواب قارئ ثلث منه غير مشتمل على تلك السورة، وتُفَوِّض حكمة التخصيص إلى علمه سبحانه، وكذا يقال في أمثالها، وهذا مراد من جعل ذلك من المتشابه الذي استأثر الله بعلمه، والأحاديث الصحيحه الواردة فيها تكفي في فضلها.
(بسم الله الرحمن الرحيم)
(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4))
المفردات:
(أَحَدٌ): واحد لا شريك له، ولا يوصف به إلا الله سبحانه وتعالى لخلوص هذا الاسم الشريف له تعالى.
(الصَّمَدُ): هو وحده السيد المقصود في الحوائج على الدوام.
(كُفُوًا): مكافئًا ومماثلًا ونظيرًا.
التفسير
1 -
(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ):
المشهور أن (هُوَ) ضمير الشأن، والسر في تصدير الآية الكريمة به بعد قوله:(قُلْ) هو التنبيه من أول الأَمر على فخامة مضمونها، مع ما فيه من زيادة التحقيق والتقرير، فإن الضمير لا يفهم من أول الأمر إلا شأن مبهم له خطر جليل، فيبقى الذهن مترقبًا لما يفسره ويزيل إبهامه، فيتمكن عند وروده له فضل تمكن.
والمعنى: قل يا محمد لمن سأَلك عن صفة ربك، أو لمن قال لك: انسب لنا ربك: الله هو الواحد لا شريك له منزه عن التركيب والتعدد.
2 -
(اللَّهُ الصَّمَدُ):
قال ابن الأَنباري: لا خلاف بين أَهل اللغة في أَن (الصمد) هو السيد الذي ليس فوقه أحَد، الذي يصمد إليه الناس في حوائجهم وفي أُمورهم، وعن أَبي هريرة: هو المستغني عن كل أحد، المحتاجُ إليه كلُّ أَحد.
قال الآلوسي: والمعول عليه تفسيرًا: أن الصمد السيد الذي يصمد إليه الخلق في الحوائج، ويقصدونه في المطالب، وتفسيره بغير ذلك أما راجع لذلك، أو لا تساعد عليه اللغة. أهـ.
وبهذه العقيدة الصافية من الشوائب، وبهذا التوحيد الخالص، أَبطل الإسلام عقيدة مشركي العرب الذين يتخذون الشفعاءَ والوسطاءَ من الأوثان تقربًا إلى الله، وهو عقيدة غيرهم من أهل الأديان الأُخرى الذين يعتقدون بأن لرؤسائهم منزلة عند ربهم ينالون به التوسط لغيرهم لدى ربهم في نيل مآربهم، وحرّر الإسلام الإنسان لأَول مرة في تاريخ البشرية من نير العبودية لغير الله وحده.
وقال الرمخشري: (الصَّمَدُ)(فَعَل) بمعنى (مفعول) من صمد إليه: إذا قصده.
3 -
(لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ):
(لَمْ يَلِدْ) أي: تنزه ربنا أَن يكون له ولد، لأن الولادة تقتضي انفصال مادة منه سبحانه، وذلك يقتضي التركيب النافي للأحدية، ولأن الولد من جنس أبيه، وهو تعالى لا يجانسه أحد لأنه سبحانه واجب الوجود، والاقتصار على الماضي دون أن يقال: لن يلد؛ لوروده ردًّا على من قال: إن الملائكة بنات الله، أو المسيح ابن الله.
(وَلَمْ يُولَدْ) وكذلك نفي المولودية عنه سبحانه لاقتضائها المادة، فيلزم التركيب المنافي للغنى المطلق، والأُحدية الحقيقة، أو لاقتضائها سبق العدم، أو لاقتضائها المجانسة المستحيلة على واجب الوجود، وقدّم نفي الولادة لأنه الأهم؛ لأن طائفة من الكفار توهموا
خلافه فهو رَدّ على النصارى الذين قالوا: المسيح ابن الله، وعلى اليهود الذين قالوا: عزير ابن الله.
4 -
(وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ):
أي: ولم يكافئه ولم يماثله ولم يشاكله أحد.
قال الآلوسي: وهذه السورة الجليلة قد انطوت مع تقارب أَقطارها على أَشتات المعارف الإلهية، والعقائد الإسلامية، ولذا جاءَ فيها ما جاءَ من الأَخبار، وورد ما ورد من الآثار، ثم ذكر بعض هذه المعارف، وكذا فعل الزمخشري فليرجع إليهم من أراد.