الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سورة الهُمَزَة
مكية، وآياتها تسع آيات
مناسبتها لما قبلها:
ذكر سبحانه وتعالى في السورة السابقة (سورة العصر) أَن جميع أَفراد الإِنسان منغمسون في الضلال والخسران إِلا من عصم الله، وفي هذه السورة (سورة الهمزة) يبين -سبحانه- أَحوال بعض الخاسرين، وصفات أَهل الضلال.
مقاصد السورة:
1 -
في السورة وعيد لمن اعتاد أَن يعيب الناس وجمع مالا كثيرًا وعَدَّدَهُ افتخارًا ظانًّا أَن ماله أَخلده: (وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ * الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ* يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ).
2 -
وفي السورة تهديد لهؤُلاء بإِلقائهم في نار موقدة تحطم أَجسامهم وقلوبهم، وتغلق عليهم أَبوابها فلا خلاص لهم منها:(كَلَاّ لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ) إِلى آخر السورة.
بسم الله الرحمن الرحيم
(وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (1) الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (2) يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (3) كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (4) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (5) نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (6) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (7) إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (8) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (9))
المفردات:
(هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ): الهمز: الكسر، واللمز: الطعن، شاعًا في النَّيْل من أَعراض الناس.
وقيل الهَمْز: الطَّعنِ في الوجه، واللَّمْز: الطعن في الخلف، وقيل: الهمّاز: الطاعن بالقول، واللماز: الطاعن بالفعل، وقيل: اللُّمَزَةُ: الطَّعَّان في الأَنساب خاصة، وقيل غير ذلك، والمراد: طَعّان غَيّاب عَيّاب، وبناءُ فُعَلَة يدل على أَن ذلك صار طبعًا وعادة ونحوهما: الضُّحكة.
(وَعَدَّدَهُ): عدّه مرة بعد أُخرى، أَو جعله عُدَّةً لنوائب الدهر.
(أَخْلَدَهُ): أَخلده وخلَّده بمعنى، أَي: تركه خالدًا، أَي: ماكثًا مكثًا لا يتناهى، أو مكثًا طويلًا جدًا.
(كَلَاّ): ردع عن كل ما سبق.
(لَيُنْبَذَنَّ): ليطرحن، والنَّبذ: الطرح مع الإهانة والتحقير.
(الْحُطَمَةِ): النَّار التي تحطم كل ما يلقى فيها، أَي: تكسره.
(تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ): تصل إِلى القلوب وتُحِيطُ بها، أَو يقصد بالاطلاع: المعرفة والعلم.
(مُؤْصَدَةٌ): مطبقة، من: أَوصدت الباب، أي: أَغلقته.
(فِي عَمَدٍ): العمد: واحدها عمود، أَو عماد.
(مُمَدَّدَةٍ): صفة لِعَمَد أَي: طوال.
التفسير
1 -
(وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ):
أَي: هلاك وعذاب شديد وعقاب أَليم، وقيل: واد في جهنم أُعد وهيئ لمن دَأْبُه أَن يعيب النَّاس ويغض من أَقدارهم، وينتقص من هممهم في حضورهم أَو في غيبتهم، يفعل ذلك بالقول أَو الإِشارة، ويتكلم في أَعراضهم بما لا يليق، مما تأْباه النفوس الكبيرة،
وتتباعد عنه أَصحاب الهمم العالية: وروى عن ابن عباس أَنه سئل عن الهمزَةِ اللُّمَزَةِ فقال: "هو المشَّاءُ بالنميمة، المُفَرِّق بين الجمع، المُغْري بين الإخوان.
قيل: نزلت السورة في الأَخنس بن شريق، كان يلمز الناس ويغتابهم، وقيل: في أُمية ابن خلف؛ وكان يهمز النبي ويعيبه، وقيل: في الوليد بن المغيرة، كان يغتاب الرسول ويغض منه، ثم بيَّن التَّنْزِيل سبب عيبه وطعْنه في الناس فقال:
2 -
(الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ):
أَي: إِن الذي دعاه إلى الحطِّ من الناس والغضِّ من أَقدارهم والزراية عليهم هو جمعه للمال وتعديده له -أي: عَدُّه مرة بعد أُخرى؛ حبًّا له، وشغفًا به، وتهالكًا عليه، وقيل: جعله أَصنافًا وأنواعًا: كعقار، ونقود، أَو جعله عُدَّةً المصائب الأَيام ومدخرًا لنوائب الدهر ونوازله، وتنكير (مَالًا) للتكثير، ويجوز أَن يكون للتحقير والتقليل باعتبار أَنه عند الله أَقل وأَحقر، ثم بين سبحانه خطأَه في ظنه فقال:
3 -
(يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ):
أَي: يظن ذلك العيّاب الطَّعّان أن ما عنده من المال جعله خالدًا، والمراد أن المال طوَّل أَمله ومنَّاه الأَماني البعيدة، فهو يعمل من تشييد البنيان، وغرس الأَشجار، وشق الأَنهار، ونحو ذلك، عَمَلَ من يظن أَن ماله أَبقاه حيا، والإِظهار في (مَالَهُ) في مقام الإِضمار لزيادة التقرير، ويجوز أَن يراد أَنه حسب ذلك حقيقة؛ لفرط غروره واشتغاله بالجمع والتكاثر عما أَمامه من قوارع الآخرة، أَو لزعمه أن الحياة والسلامة عن الأَمراض تدور على مراعاة الأَسباب الظاهرة، وأَن المال هو أَساس كمل شيءٍ، وأَنه هو الذي يصنع كل شيءٍ، وهذا زعم فاسد، ثم أَخذ سبحانه وتعالى في بيان ما أَعد لهم من العذاب الشديد فقال:
4 -
(كَلَاّ لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ):
كلَّا: ردع له عن كل ما تضمننه الجمل السابقة من الصفات القبيحة (لَيُنْبَذَنَّ) جواب قسم مقدر، والجملة استئناف مبين لعلة الردع، أي: والله ليُطْرَحَنَّ وَيُلْقَيَنَّ بسبب
أَفعاله المذكورة (فِي الْحُطَمَةِ) أَي: النار التي من شأْنِهَا أَن تحطم كل ما يُلْقَى فيها -والحطْم: كسر الشيءِ كالهشم، ثم استعمل لكل كسر مُتَنَاهٍ.
وقيل: الحطمة باب من أَبواب جهنم، أَو طبقة من طبقاتها، وقيل غير ذلك، ثم أَخذ - عز وعلا - يهول أَمر هذه النار ويعظم شأْنها قال:
5 -
(وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ):
أَي: وأَي شيءٍ أَعلمك وعرَّفك ما حقيقة هذه النار الحطمة؟! إِن هذه الحطمة، ما لا تحيط بها معرفتك، ولا يقف على حقيقتها عقلك، فلا يعلم شأْنها، ولا يقف على كنهها إِلَّا من أَعدها لمن يستحقها، فهي من الأُمور التي لا تنالها عقول الخلق، ثم فسر هذه الحطمة بعد إِبهامها فقال:
6 -
(نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ):
أَي: هي نار الله المسعرة الموقدة دائمًا بأَمر الله عز وجل وفي إِضافتها إِليه سبحانه ووصفها بالإِيقاد من تهويل أَمرها ما لا مزيد عليه، ثم وصفها بأَوصاف تخالف ميزان الدنيا ليؤكد مخالفتها لها فقال:
7 -
(الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ):
أَي: تعلو هذه النار أَوساط القلوب وتغشاها وتقهرها وتتسلط عليها وتتمكن منها، وتخصيص الأَفئدة بالذكر لأَن الفؤاد ألطف ما في الجسد وأَشد تأَلمًا بأَذى يمسه، أَو لأَنه محل العقائد الفاسدة والنيات الخبيثة، فهو أَنسب بما تقدم من ألوان العذاب من جميع أَجزاء الجسم، أخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب أنه قال في الآية: تأْكل النار كلَّ شيءٍ منه حتى تنتهي إلى فؤاده، فإِذا بلغت فؤاده أَي: ابتدأَ خلقه: (أَي: من جديد) ويجوز أن يراد بالاطلاع العلم، وكأن هذه النار تعلم وتعرف وتدرك في ما أَفئدة الناس يوم البعث؛ فتميز الطائع عن العاصي والخبيث من الطيب وتُفَرِّق بين مَنْ ارتكبوا السيئات، ومن فعلوا الصالحات، وفي وصفها بالاطلاع على الأَفئدة التي أَودعت في باطن الإِنسان، وفي أَخفى مكان منه؛ إِشارة إِلى أَنها إلى غيره أَشد وصولًا وأَكثر تغلبًا.
8 -
(إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ):
ومن أَوصاف تلك النار أَنها عليهم مؤصدة، أَي: مطبقة مغلقة أَبوابها، ولا يخرجون منها ولا يستطيعون الخروج منها لو أَرادوا.
9 -
(فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ):
أَي: هم موثقون فيها مشدودون إلى عمدٍ ممددة، فلا حركة لهم فيها، ولا خلاص لهم منها، وقال بعضهم: لا مانع أَن يكون قوله تعالى: (فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ) صلة لمؤصدة على معنى: أن الأَبواب أَوصدت بالعمد، وسدت بها؛ تأكيدًا ليأْسهم، واستيثاقًا بعد استيثاق.
والمراد بذلك: تصوير شدة إِطباق النار على هؤلاء وإِحكامها عليهم، والمبالغة في ذلك؛ ليزرع في قلوبهم اليأس والخوف، لأن المحدَّث عنهم همزوا ولمزوا خير البشر.
قال الآلوسي: من تأَمل في هذه السورة ظهر له العجب العجاب من التناسب.
1 -
فإنه لما بولغ في الوصف في قوله: (هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ) قيل: الحطمة للتعادل؛ ليُطابِق العذابُ الذَّنْبَ.
2 -
ولَمَّا أَفاد قوله: (هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ) كسر الأعراض بالطعن فيها قوبل بكسر الأَعضاءِ المدلول عليه بالحطمة.
3 -
وجيءَ بالنبذ المنبئ عن الاستحقار، في مقابلة ما ظن الهامز اللامز بنفسه من الكرامة والاستعلاء على الناس.
4 -
ولَمَّا كان منشأُ جمع المال استيلاء حبه على القلوب جيءَ في مقابله بقوله تعالى: (الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ).
5 -
ولَمَّا كان مِنْ شأْن جامع المال المحب له أن يُوصد عليه ويغلق عليه الأَبواب حرصًا عليه، قيل في مقابلة:(إِنَّها عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ) أَي: النار.