الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سورة قريش
وهي مكية، وآياتها أربع
مناسبتها لما قبلها:
إن كلًّا منهما تضمن ذكر نعمة من نعم الله على أَهل مكة؛ فالأُولى (سورة الفيل) تضمنت إهلاك عدوهم الذي جاءَ ليهدم بيتهم وهو أَساس مجدهم، والثانية (سورة قريش) ذكرت نعمة أُخرى، وهي اجتماع أَمرهم والتئام شملهم ليتمكنوا من القيام برحلتي الشتاءِ والصيف، ولشدة الصلة بين السورتين كان أُبي بن كعب رضي الله عنه يعتبرهما سورة واحدة.
مقاصد السورة:
1 -
في هذه السورة الكريمة يبين الله فضله على قريش ويَمُنُّ عليهم بأَنه حمى البيت من الأَعداءِ، وجعلهم عُمَّاره وأَهل جيرته، وبهذا اكتسبوا عزًّا ومجدًا، وهو الأَمن، فهم يمضون إلى مزاولة تجارتهم بين الشام واليمن، دون أَن يعترض طريقهم أَحد، وهم بهذا ضمنوا -إلى نعمة الأَمن- نعمة الغنى واليسار:
(لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (1) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (2)).
2 -
وهذه كلها نعم توجب عليهم عبادة ربهم الذي أَطعمهم من جوع وآمنهم من خوف: (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ).
(بسم الله الرحمن الرحيم)
(لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (1) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (2) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (4))
المفردات:
(لإِيلافِ) إيلاف: مصدر أَلِفْتُ الشيءَ إلْفًا وَإلافًا، وآلَفْتُهُ إيلافًا: إذا لزمته وعكفت عليه من الأُنس به، وقال الراغب: الإيلاف: اجتماعٌ من التئامٍ، وقال الهروي: عهود بينهم وبين الملوك.
(قُرَيْشٍ): ولد النضر بن كنانة، وهو أَصح الأَقوال، وهو في الأَصل تصغير (قُرْشٍ) بفتح القاف اسم لدابة في البحر أَقوى من كل دابة، وقال الفراءُ: هو من التَّقَرُّش، بمعنى التكسب؛ سموا بذلك لاشتغالهم بالتجارة، وقيل: من التقرش بمعنى التجمع.
(فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ): فليوحدوه بالعبادة ولا يشركوا معه غيره.
التفسير
1 -
(لإِيلافِ قُرَيْشٍ):
متصل بقوله: (فَلْيَعْبُدُوا) واللام للتعليل. أَمرهم أَن يعبدوه لإيلافهم الرحلتين، والمعنى: أَن نعم الله لا تحصى فإن لم يعبدوه لسائر نعمه فليعبدوه لهذه النعمة الجليلة، وهذا رأَى الخليل، وقال الكسائي والفرَّاءُ: المعنى: اعجبوا لإِيلاف قريش (بدليل السياق) كأَنه قيل: اعجبوا لإِيلاف قريش رحلة الشتاءِ والصيف وتركهم عبادة الله الذي أَعزهم
ورزقهم وآمنهم؛ فلهذا أُمروا بعبادة ربهم المنعم عليهم بالرزق والأَمن، وقال الأَخفش:(لإِيلافِ قُرَيْشٍ) متعلق بآخر السورة التي قبلها، أي: فجعلهم كعصف مأْكول لإيلاف قريش، والقرآن كله كالسورة الواحده.
والمعنى: أهلك الله سبحانه وتعالى من قصدهم من الحبشة، ولم يسلطهم عليهم؛ ليتسامع الناس بذلك فيتهييوهم زيادة تهيب، ويحترموهم فضل احترام، حتى ينتظم لهم الأَمن في رحلتيهم، فلا يجترئ أَحد عليهم.
2 -
(إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ):
أي: فلتعبد قريش ربها شكرًا له على أَنه جعلهم قومًا تجارًا لهم رحلتان: رحلة إلى اليمن شتاءٍ لجلب الأَعطار والأَفاويه، ورحلة في الصيف إلى الشام لجلب الأَقوات إِلى بلادهم، ولقد كان العرب يحترمونهم في أَسفارهم لأنهم جيران بيت الله وولاة الكعبة، فيذهبون آمنين ويرجعون سالمين، على كثرة ما كان بين العرب من السلب والنهب والغارات التي لا تنقطع، ولهذا ألفت قريش الأَسفار، وتعلقت بالرحيل طلبًا للرزق، وهذا الإجلال الذي ملك نفوس العرب للبيت الحرام ولجيرانه، إنما هو من تسخير رب البيت سبحانه ولقد حفظ الله حرمته فرد الحبشة عنه حين أَرادوا هدمه وأَهلكهم، قبل أَن ينقضوا منه حجرًا ولو نزلت مكانة البيت عند العرب ومكانة أهله وجيرانه، واستطالت الأَيدي عليهم لنفروا من تلك الرحلات وأَعرضوا عن هذه الأَسفار فقلت وسائل الكسب بينهم لأن أرضهم صحراءُ قاحلة وليسوا مهرة في الصناعات، فكانت تضيق عليهم مسالك الأَرزاق، وتنقطع عنهم ينابيع الخيرات.
3 -
(فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ):
أي: فليخصوا العبادة لرب هذا البيت الذي مكنهم مكن القيام بهاتين الرحلتين، ولا يشركوا به غيره، ويفردوه بالتعظيم والإجلال، وهذا البيت هو الكعبة التي حميت من
أصحاب الفيل. وعن عمر رضي الله عنه أنه صلَّى بالناس بمكة عند الكعبة، فلما قرأ (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ) جعل يومئ بإصبعه إِليها وهو في الصلاة بين يدي الله عز وجل.
ثم وصف رب هذا البيت بقوله:
4 -
(الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ):
أي: رب البيت هو الذي أطعهم من جوع بأَن وسع لهم الرزق ومهد لهم سبيله، بسبب هاتين الرحلتين اللتين تمكنوا منها بسبب كونهم من جيران بيته، وأهل حرمه وقيل: أراد بالجوع: القحط الذي أكلوا فيه الجيف والعظام، فأغاثهم الله بعد ذلك وأمدهم برزقه. (وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ) أي: وآمنهم من خوف عظيم شديد الهول، وهو خوف أصحاب الفيل، أو خوف التخطف في بلدهم ورحلاتهم.