الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سورة الفلق
وهي مكية، وآياتها خمس آيات
هذه السورة والتي بعدها نزلتا معًا كما في الدلائل للبيهقي، فلذا قرنتا واشتركتا في التسمية بالمعوذتين، ومن الافتتاح بقل أَعوذ، ولقد ورد في فضلهما أَخبار كثيرة، أَخرج مسلم والترمذي والنسائي وغيرهم أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"أُنْزِلَتْ عَليَّ اللَّيْلَةَ آيَاتٌ لَمْ أَرَ مِثْلَهُنَّ قَطُّ: "قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ، وَقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ".
مناسبة السورة لما قبلها:
لَمَّا شرح الله -سبحانه- أَمر الأُلوهية في السورة التي قبلها (قَلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ) جيءَ بهذه السورة (سورة الفلق) بعدها لتكون شرحًا لما يستعاذ منه بالله الأَحد -سبحانه- من أَنواع الشر.
مقاصد السورة:
في هذه السورة طلب الله من نبيه أَن يلجأَ إِليه فهو رب الفلق، وأَن يلوذ به من شر ما خلق (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ).
كما طلب إِليه أَن يتحصن به من شر الليل إِذا أَقبل بظلامه وبما فيه من مخاوف، ومن شر من يسعى بين الناس بالفساد والإِفساد، ويحل ما بينهم من عقد وصلات، ويصيبهم بالضرر، ومن شر حاسد يتمنى زوال ما يسبغ الله على عباده من نعمة:
(وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ).
(بسم الله الرحمن الرحيم)
(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (2) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (3) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (4) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (5))
المفردات:
(أَعُوذُ): أَلتجئ وأَعتصم.
(الْفَلَقِ): (فَعَل) بمعنى (مفعول) كقَصَصٍ بمعنى (مقصوص) من فَلَق: شَقَّ وفَرَّق، وهو يعم جميع الموجودات الممكنة، وخص عرفا بالصبح؛ لأَن الليل يفلق عنه. ويقال في المثل: هو أَبين من فَلَق الصبح.
(غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ) أَي: الليل إِذا دخل ظلامه، أَو القمر إِذا غاب.
(النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ): النساء السواحر ينفثن في عقد الخيط حين يسحرن، والنَّفَّاثات جمع نَفَّاثة، والنقث: النفخ مع ريق، وقيل بدونه.
(حَاسِدٍ): هو الذي يتمنى زوال النعمة عن غيره.
التفسير
1 -
(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ):
أَي: قل يا محمد: أَعوذ وأَلوذ برب الفلق، أَي: برب المخلوقات، ومبدع الكائنات، أَو قل: أَعتصم برب الصبح الذي ينجلي الليل عنه، وعن ابن عباس: الفلق: الخلق،
وأَخرج العوفي عنه أَنه فسره بالصبح، وعليه فتعليق العياذ باسم الرب المضاف إِلى الفلق المنبئ عن النور عقيب الظلمة، والسعة بعد الضيق هو عدةٌ كريمة بإِعاذة العائذ ممَّا يتعوذ، وإِنجائه منه، وتقوية لرجائه بذكر بعض نظائره، ومزيد ترغيب له في الجد والاعتناءِ بقرع باب الالتجاءِ إِليه عز وجل.
وقيل: إِن تخصيص الفلق بالذكر لأَنه أُنموذج من يوم القيامة، لأَن من الناس من يغدو فيلقى وينال خيرًا، ومنهم من يجد ما يضره ويكرهه.
وفي رواية عن ابن عباس وجماعة مِن الصحابة والتابعين أَن الفلق: جُبٌّ في جهنم، أَو وادٍ فيها.
2 -
(مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ):
أَي: من شر الذي خلقه من الثقلين وغيرهما، وقال بعض الأَفاضل، هو عام لكل شر في الدنيا والآخرة، وشر الإِنس والجن والشياطين، وشر السباع والهوام، وشر النار، وشر الذنوب والهوس، وشر النفس، وشر العمل.
3 -
(وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ):
في هذا تخصيص لبعض الشرور بالذكر مع اندراجه فيما قبل، لزيادة مساس الحاجة إِلى الاستعاذة منه؛ لكثرة وقوعه، ولأَن تعيين المستعاذ منه أَدل على الاعتناءِ بالاستعاذة، والغاسق إِذا وقب، أَي: الليل إِذا اعتكر سواده وعم ظلامُه كُلّ شيءٍ، من قوله تعالى:"إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ"(1)، والتقييد بهذا الوقت لأَن حدوث الشرفية أَكثر، والتحرز منه أَصعب وأَعسر، ومن أَمثالهم (الليل أَخفى للويل) وقولهم: أَغدر من ليل، إِذ أَنه ستار يختفي في ظلامه المجرمون والعابثون بالأَمن، وهو عَوْنٌ لأَعدائك عليك، وتفسير الغاسق إذا وقب ذكر هو المأْثور عن ابن عباس ومجاهد، وقيل معناه: القمر إِذا امتلأَ نورًا، على أَن الغسق: الامتلاءُ، وَوُقُوبُه: دخْوُلُه في الكسوف واسوداده، أَو دخوله في المحاق
-
(1)
سورة الإِسراء: من الآية 78.
في آخر الشهر، والمنجمون يعدونه نحسًا، ولذلك لا تشتغل السحرة بالسحر المورث للمرض إِلَّا في ذلك الوقت، قيل: وهو المناسب لسبب النزول، واستدل على تفسيره بالقمر -بما أَخرجه الإِمام أَحمد والترمذي والحاكم وصححه وغيرهم عن عائشة قالت: نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا إِلى القمر لما طلع، فقال: (يا عائشةُ: استعيذي بالله تعالى من شَر هَذَا؛ فَإِنَّ هَذَا الْغَاسِقُ إِذَا وَقَبَ"، وقيل: الغاسق إذا وقب: الحية إِذا لدغت، وقيل: هو كل شر يعتري الإِنسان، والشر يوصف بالظلمة والسواد، ووقوبه: هجومه ووقوعه.
4 -
(وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ):
أَي: ومن شر السواحر اللاتي يَعْقدْن عقدًا وينفثن عليها، والنفث: النفخ مع ريق، قاله الزمخشري، وقيل: هو شبه النفخ يكون في الرّقية ولا ريق معه، ورجح ابن القيم رأْي الزمخشري.
روى البخاري وغيره أَن رسول الله سحر، قيل: والذي سحره لبيد بن الأَعصم وبناته، فمرض النبي صلى الله عليه وسلم فنزل جبريل بالمعوذتين، وأَخبره بموضع السحر، وبمن سحره، وبم سحره، فأَرسل صلى الله عليه وسلم عليًّا والزبير وعمارًا فنزحوا ماءَ البئر وهو كنقاعة الحناءِ، ثم رفعوا راعوثة (1) البئر فأَخرجوا أَسنان المشط ومعها وتر قد عقد فيه إِحدى عشرة عقدة مغرزة بالإِبر، فجاءُوا بها النبي صلى الله عليه وسلم فجعل يقرأ المعوذتين عليها، فكان كلما قرأَ آية انحلت عقدة، ووجد عليه الصلاة والسلام خفة، حتى انحلت العقدة الأخيرة عند تمام السورتين فقام النبي صلى الله عليه وسلم كأَنما نشط من عقال. (آلوسي).
ونقل الماتُرِيدِي عن أَبي بكر الأَصم أَنه قال: إِن حديث السحر المروي هنا متروك، لما يلزمه من صدق قول الكفرة: إِنه عليه الصلاة والسلام مسحور، وهو مخالف لنص القرآن الكريم، وقال الإِمام المارزي: قد أَنكر ذلك الحديثَ المبتدعةُ لأَنه يحط من منصب
-
(1)
الراعوثة: حجر يقوم عليه المستقي - ويسمى أَيضًا الراعوفة، ولقد جاء بهذا الاسم في بعض الروايات.
النبوة ويشكك فيها، وأَن تجويزه يمنع الثقة بالشرع، وأُجيب بأَن الحديث صحيح وغير معارض لنص، ولا يلزم عليه حط منصب النبوة والتشكيك فيها؛ لأَن الكفار أَرادوا بمسحور أَنه مجنون، وحاشاه، أَو مرادهم أَن السحر أَثر فيه وأَن ما يأْتيه من الوحي تخيلات السحر، وهو كذب أَيضًا؛ لأَن الله عصمه فيما يتعلق بالرسالة، وقال القاضي عياض: قد جاءَت روايات حديث عائشة مبينة أَن السحر إِنما تسلط على جسده الشريف وظواهر جوارحه لا على عقله وقلبه واعتقاده.
وأَنكر بعضهم أَصل السحر -ونفى حقيقته، وأَضاف ما يقع منه إلى خيالات باطلة لا حقائق لها.
ومذهب أَهل السنة وعلماءِ الأُمة على إثباته وأن له حقيقة كحقيقة غيره من الأَشياءِ؛ لدلالة الكتاب والسنة على ذلك ولا يستنكره العقل.
قال الزمخشري: ومعنى الاستعاذة (شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ) أَن يستعاذ من عملهن الذي هو صنعة السحر، ومن إِثمهن في ذلك، وأَن يستعاذ مما يصيب الله به من الشر عند نفثهن.
ويجوز أَن يراد بالنفاثات: النساءُ الكيّادات من قوله تعالى: "إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ"(1) تشبيهًا لكيدهن بالسحر والنفث في العقد، أَو اللاتي يَفْتِنَّ الرجال بتعرضهن لهم وعرض محاسنهن عليهم.
وقيل: المراد من النفاثات في العقد: من يمشي بين الناس بالنميمة ليقطعوا روابط المحبة ويبدوا شمل المودة، وقد شبه عملهم بالنفث وشبهت رابطة الوداد بالعقدة، والعرب تسمى الارتباط الوثيق بين شيئين عقدة، كما سمي الارتباط بين الزوجين (عقدة النكاح) (أهـ: كشاف).
5 -
(وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ):
أَي: ونستعيذ بك ربنا من شر حاسد إِذا حسد، أي: إِذا أَظهر ما في نفسه من الحسد وعمل بمقتضاه بترتيب مقدمات الشر ومبادئ الإِضرار بالمحسود قولًا وفعلًا، ومن ذلك
-
(1)
من الآية 28 من سورة يوسف.
ما قيل: النظر إِلى المحسود وتوجيه نفسه الخبيثة نحوه على وجه الغضب، فإِن نفس الحاسد حينئذ تتكيف بكيفية خبيثة ربما تؤثر في المحسود، بحسب ضعفه وقوة نفس الحاسد، تؤثر شرًّا ربما يصل إِلى حد الإِهلاك، ورب حاسد يؤذي بنظره مثل ما تؤدي بعض الحيات بنظرهن، وذكروا أَن الحاسد والعائن -من يصيب الناس وتؤذيهم بالنظر إِليهم- يشتركان في أن كلًّا منهما تتكيف نفسه وتتوجه نحو من تريد أَذاه، إلا أَن العائن تتكيف نفسه عند مقابلة العين للمحسود والمعانية له، والحاسد يحصل حسده في الغيبة والحضور، وأَيضًا قد يعِين أَي:(يصيب بعينيه) من لا يقصد حسده من إِنسان أَو حيوان أَو زرع.
والحسد: هو تمني زوال النعمة عن الغير، والحاسد ممقوت عند الله وعند عباده، آتٍ بابًا من الكبائر، ويطلق الحسد على الغبطة مجازًا، وكان ذلك شائعًا في العرف الأَول: وهي تمني أَن يكون له مثل ما لأَخيه من النعمة من غير تمني زوالها من غيره، وهذا لا بأْس به إِذا كان في الخير، ومن ذلك ما صح من قوله صلى الله عليه وسلم:"لا حسد إِلَاّ في اثنتين: رجل آتاه الله مَالًا وَسَلَّطَهُ عَلى هَلَكَتِهِ فِي الحَق، ورَجُلٍ آتَاهُ اللهُ الحِكْمَةَ فهُوَ يَقضِي بِهَا ويُعَلِّمُهَا لِلنَّاسِ" وإِنما خص هؤلاء الثلاثة: الغاسق، والنفاثات، والحاسد بالنص على الاستعاذة منهن -مع أَن قوله تعالى:(مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ) يشملهم- لأَن كلًّا منهم يَخْفَى أَمرُه ويعظم ضررُه ويلحق الشر بالإِنسان من حيث لا يعلم، كأَنما يغتال به، ولذا قالوا: شر العُدَاةِ: المُدَاجِي الذي يكيدك من حيث لا تشعر.