الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سورة الناس
وهي مكية، وآياتها ست
وتسمى مع ما قبلها -كما أشرنا إليه قبل-بالمعوذتين- بكسر الواو
مناسبتها لما قبلها:
قيل: هذه السورة والتي قبلها (الفلق) نزلنا معًا ولذلك قرنتا، مع ما اشتركتا فيه من التسمية بالمعوذتين، ومن الافتتاح بـ (قُلْ أَعُوذُ).
مقاصد السورة:
في السورة الكريمة أَمر من الله لنبيه أَن يلجأَ إليه ويستعيذ به؛ فهو خير من يُلجأُ إليه ويُستعاذ به: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ) ولذا فهو يستعين به لدفع شر عظيم، يخفى على الناس إِدراكه، لأَنه يجيئهم من طريق شهواتهم وأَهوائهم مستترًا عن العيون أَو ظاهرًا لها، مُخْفيًا وسوسته بالمكر والخديعة (مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاس* الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ).
(بسم الله الرحمن الرحيم)
(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَهِ النَّاسِ (3) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (4) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5) مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (6))
المفردات:
(بِرَبِّ النَّاسِ): بمربيهم ومدبر أحوالهم.
(إِلَهِ النَّاسِ): معبودهم الحق.
(الْوَسْوَاسِ): قال الزمخشري: اسم مصدر بمعنى الوسوسة، والمصدر بالكسر، والوسوسة صوت الحُلِيّ، والهمس الخفي، ثم استعمل في الخطرة المؤذية، وأُريد به هنا الشيطان؛ سمي بفعله مبالغة كأَنه نفس الوسوسة.
(الْخَنَّاسِ): صيغة مبالغة، أَو نسبة، أي: الذي عادته أن يخنس ويتوارى ويتأَخر إذا ذكر الله، من الخنوس: وهو الرجوع والاختفاء.
التفسير
1 -
(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ):
أمر الله سبحانه وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يستعين برب الناس ومالك أُمورهم ومربيهم بإفاضة ما يصلحهم، ودفعه ما يضرهم.
2 -
(مَلِكِ النَّاسِ):
عطف بيان جيءَ به لبيان أن تربيته تعالى إيَّاهم ليست بطريقة تربية سائر المُلَّاك لما تحت أيديهم من مماليكهم، بل بطريق الملك الكامل، والتصرف الكلي والسلطان القاهر، وكذا قوله تعالى:
3 -
(إِلَهِ النَّاسِ):
فإنه لبيان أن ملكه - تعالى- ليس بمجرد الاستيلاءِ عليهم، والقيام بتدبير أُمورهم، والتولي لترتيب مبادئ حفظهم وحمايتهم كما هو قصارى أمر الملوك، بل هو بطريق المعبودية المؤسسة على الألوهية المقتضية للقدرة التامة على التصرف الكامل فيهم: إحياءَ وإماتة، وإيجادًا وإعدامًا، وذكر القاضي أن في النظم الجليل إشعارًا بمراتب الناظر المتوجه لمعرفة خالقه: فإنه يَعْلَم أَولًا بما يَرَى عليه من النعم الظاهرة والباطنة أن له ربًّا.
ثم يتغلغل في النظر حتى يتحقق أنه سبحانه غنى عن الكل، وذَاتُ كل شيءٍ له، ومصارف أَمره منه، فهو الملك الحق. ثم يستدل بهذا النظر على أَنه المستحق للعبادة لا غيره.
وإنما قال: رب الناس، ملك الناس، إِله الناس، وهو رب كل شيءٍ ومَلِك كل شيءٍ وإله كل شيءٍ؛ لأن الناس هم الذين أَخطأُوا في صفاته وضلُّوا فيها عن الطريق السَّوِيِّ، فجعلوا لهم أربابًا ينسبون إليها بعض النعم ويلجأُون إليها في دفع النقم، ولم يكتف بإظهار المضاف إليه الذي هو الناس مرة واحدة، بل كرر لمزيد الكشف والإيضاح والتقرير والتشريف بالإضافة. وقيل: لا تكرار؛ فإنه يجوز أن يراد بالعام بعض أفراده، (فالناس) الأول بمعنى الأَجِنَّةِ والأَطفال المحتاجين للتربية، و (الناس) الثاني: المراد بهم الكهول والشبان لأنهم المحتاجون إلى من يسوسهم، و (الناس) الثالث: الشيوخ المتعبدون المتوجهون إلى عز وجل.
4 -
(مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ):
بيان للمستعاذ منه، أي: ألجأْ إليك رب الناس وملكهم وإلههم ومعبودهم أن تنجينا وتحفظنا من شر الشيطان الموسوس للناس، الكثير الخنوس والاختفاءِ؛ لأنه يأْتي من ناحية الباطل فلا يستطيع مقاومة الحق إذا صدمه، ولكنه يذهب بالنفس إلى أسوأ مصير إذا انجرَّت مع وسوسته، وانساقت معه إلى تحقيق ما خطر بالبال.
والمراد الاستعاذة من جميع شروره على البدن والنفس، وعُدَّ من شره -كما ورد في صحيح البخاري- أَنه يعقد على قافية رأس العبد إذا هو نام ثلاث عقد، مراده بذلك منعه من اليقظة للعبادة، وبعضهم عد منه التخبّط، إذِ الحق عند أهل السنة؛ أَن التخبط قد يكون من مسّ الشيطان، والخناس: المتواري المختفي المتأخر، إذا ذكر الله عز وجل أَمسك عن الوسوسة إلى أن تسنح له فرصة أُخرى، أخرج الحاكم وصححه، وابن المنذر وغيره: عن ابن عباس قال: "مَا مِنْ مَولُودٍ يُولَدُ إِلَّا عَلَى قَلْبِهِ الْوَسْوَاسُ، فَإِذَا عَقَلَ فَذَكَرَ اللَّهَ خَنَسَ، فَإِذَا غَفِلَ وَسْوَسَ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَ الوَسْوَاسَ الخَنَّاسَ". ولقد وصف الله هذا الوسواس الخناس بقوله.
5 -
(الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ):
أي: الذي يلقى خفية في صدور الناس ما يصرفهم عن سبيل الحق والخير والرشاد، ويدعوها إلى الشر والفساد، قيل: أُريد بصدور الناس: قلوبهم، وإنما جعلت الوسوسة
في الصدور، لأَنه عهد في كلام العرب أَن الخواطر في القلب، والقلب ممَّا حواه الصدر عندهم، أَلا تراهم يقولون: إِن الشك يحوك في صدرك ويجيش في صدري، وما الشك إِلَاّ في نفسه وعقله وقبله.
قال بعضهم: إِن الشيطان يدخل الصدر، فيُلقى منه ما يريد إِلقاءَه إِلى القلب، ويوصله إِليه ولا مانع عقلًا من دخوله في جوف الإِنسان ، وقد ورد السمع به فوجب قبوله، والإِيمان به، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم:(إِنَّ الَّشيْطَانَ لَيَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّم) ومن الناس من حمل ذلك على التمثيل.
6 -
(مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ):
هذه الآية الكريمة بيان للذي يُوسْوِس، على أَن الموسوس نوعان: إِنسي وجني كما قال تعالى: "وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا"(1).
وعن أبي ذر رضي الله عنه أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: (يَا أَبَا ذَرٍّ: تَعَوَّذْ باللهِ مِنْ شَيَاطِينِ الإِنْسِ وَالْجِنِّ) رواه الإِمام أحمد من حديث طويل، أَو (مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ) يتصل بـ (يوسوس) و (مِنْ) لابتداءِ الغاية، أَي: يوسوس الْمُوَسْوِسُ في صدور الْمُوَسْوِسُ إِليهم من جهة الجن أَنهم ينفعون أَو يضرون، ومن جهة الناس: أَن المنجمين والكهان يعلمون الغيب.
وقد بدئت السورة بطلب الاستعاذة برب الناس، ومن كان ربهم فهو القادر على دفع إِغواءِ الشيطان ووسوسته، وقد أرشد في هذه السورة إِلى الاستعانة به - تعالى شأْنه - كما أُرشد إِليها في الفاتحة، للإِشارة إِلى أَن ملاك الأَمر كله: هو التوجه إِلى الله وحده والإِخلاص له في القول والعمل والالتجاءِ إِليه فيما لا قدرة لنا على دفعه. والله أَعلم.
-
(1)
سورة الأنعام: الآية 112.
والحمد لله في البدءِ والختام، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي أُنزل عليه القرآن
والله نسأَل أَن يجعل خير أَعمالنا خواتيمها، وخير أَيامنا يوم لقائه، وأَن يرفع مقته وغضبه عنا، وأَلَاّ يؤاخذنا إِن نسينا أَو أَخطأْنا، وأَن يغفر لنا ولإِخواننا من أَعضاءِ لجنة التفسير الذين سبقونا إِلى رحمته ورضوانه، ولجميع المسلمين، كما نسأَله -سبحانه- أَن يوفقنا للعمل بالقرآن، وأَن يرحمنا به، وأَن يجعله لنا إِمامًا ونورًا وهدى ورحمة، وأَن يذكرنا منه ما نسينا، ويعلمنا منه ما جهلنا، ويرزقنا تلاوته آناء الليل وأَطراف النهار، وأَن يجعله حجة لنا وشفيعًا يوم الدين، يوم لا ينفع مال ولا بنون إِلَاّ من أَتى الله بقلب سليم، والله سبحانه وتعالى أَعلم وأَكرم وأَعظم.
وكان الفراغ من إتمام هذا العمل الجليل في يوم الأَربعاء السادس من جمادي الأُولى سنة اثنتَي عشرة وأَربعمائة وأَلف من الهجرة النبوية المباركة، الموافق الثالث عشر من شهر نوفمبر سنة إِحدى وتسعين وتسعمائة وأَلف من الميلاد وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
أَعضاءُ لجنة التفسير
السيد مصطفى شريف
…
عبد المهيمن محمد سليمان الفقي
إبراهيم السيد السويركي