الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سورة الجمعة
مدنية وآياتها إِحدي عشرة
الجمهور على أَن هذه السورة مدنية، ففي صحيح البخاري وغيره عن أَبي هريرة رضي الله عنه قال "كنا جلوسًا عند النبي صلى الله عليه وسلم حين نزلت سورة الجمعة" الحديث.
وإِسلام أَبي هريرة بعد الهجرة بالاتفاق، ولأَن أَمر الانفضاض عند مجئ تجارةٍ أَو لهو الذي جاءَ في آخر السورة، وكذا أَمر اليهود المشار إِليه بقوله تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ) لم يكن إِلا بالمدينة.
صلتها بما قبلها:
ووجه اتصالها بما قبلها أَنه تعالى: لَمَّا ذكر حال موسى عليه السلام مع قومه، ونعي عليهم إِيذاهم له، وذكر في هذه السورة حال الرسول صلى الله عليه وسلم وفضل أُمته تشريفًا لهم؛ لينظر الفرق بين الأُمتين، ولذا تعرض فيها لذكر اليهود، ولأَنه تعالى لَمَّا ذكر في السورة السابقة قول عيسى عليه السلام:(وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ) قال هنا: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا منْهُمْ
…
) إِشارة إِلى أَنه هو الذي بشر به عيسى، ولأَنه تعالى لَمَّا ختم السورة السابقة بالأَمر بالجهاد وسماه تجارة، ختم هذه السورة بالأَمر بالجمعة، وأَخبر أَنها خير التجارة الدنيوية، إِلى غير ذلك، من المناسبات.
بعض مقاصد السورة:
حكت سورة الجمعة أَنه تعالى يسبح له ما في السموات وما في الأَرض، ووصفته بأَنه الملك القدوس العزيز الحكيم، وأَنه هو الذي بعث في الأَمِّيِّين رسولًا منهم يُعَلِّمهم الكتاب والحكمة بعد أَن كانوا في جاهليتهم في ضلال مُبين، وضربت مثلًا للذين حملوا التوراة ولم يعملوا بها، أَنهم كمثل الحِمَار يَحمل أَسْفارًا وكتبًا وهو لا يعلم ولا يعمل بها، وكذبت اليهود في زعمهم أَنهم أَولياءُ لله من دون الناس، وتحدتهم بأَن يطلبوا من الله الموت إِن كانوا صادقين؛ ليكونوا في رِحاب من أَحبُّوه، وذكرت أَنهم لا يتمنونه أَبدًا بما قدمت أَيديهم من السيئات، وأَنهم يَفِرُّونَ منه وسيلاقُونه ثم يعودون إِلى الله - تعالى - فيحاسبهم ويجازيهم.
وحثت السورة المؤمنين على أَن يستجيبوا لنداءِ صلاة الجمعة ويتركوا التجارة مدة الصلاة وما يتصل بها؛ ليعودوا إِليها بعد الصلاة إِن شاءُوا، وحذَّرهم من إِيثارهم على الصلاة، ولأَمهم على الخروج من المسجد أَثناء خطبة الجمعة من أَجل اللَّهو والتِّجارة التي وصلت إِلى المدينة أَثناء الخطبة.
(بسم الله الرحمن الرحيم)
المفردات:
(يُسَبِّحُ لِلَّهِ): التسبيح: التنزيه.
(الْقُدُّوسِ): البالغ غاية الطهر، وهو على وزن فُعُّول من القدس وهو الطهر والقدوس من أَسماءِ الله الحسنى.
(الأُمِّيِّينَ): الذين لا يقرءُون ولا يكتبون.
(رَسُولًا مِنْهُمْ): رسولًا أُميًّا مثلهم.
(وَيُزَكِّيهِمْ): ويطهرهم من أَقذار العقائد والأَخلاق والعادات التي كانت لهم في الجاهلية.
(الْكِتَابَ): القرآن.
(وَالْحِكْمَةَ (1)): السنة.
(لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ): لفي بُعْد واضح عن الحق والحكمة، لجاهليتهم التي كانوا فيها.
(وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ) وبعثه في آخرين من الأُميين لم يؤمنوا بعد وسيؤمنون مثلهم.
(وَهُوَ الْعَزِيزُ): الغالب.
(الْحَكِيمُ): المتقن للأَمور.
(فَضْلُ اللَّهِ): إِحسانه وعطاؤه.
التفسير
1 -
جاءَ التعبير بلفظ المضارع (يُسَبِّحُ) ليفيد أَن تسبيح ما في السموات وما في الأَرض لله تعالى متجدد في كل وقت، والمراد من (مَا فِي السموات وما في الأَرض) جميع أَجزائهما وما استقر فيهما، وتسبيح ذلك إِما تسبيح دلالة كما في قول الشاعر:
وفي كُلَّ شيءٍ لَهُ آيَةٌ
…
تَدُلُّ عَلَي أَنَّهُ الْوَاحِد
وإِما تسبيح مقال، وهو في كلِّ شيءٍ بحسبه، ومن ذلك قوله تعالى في سورة النور:(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ)(2) وكقوله في سورة سبأ: (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا
(1) وتطلق الحكمة أيضا على حسن التصرف في الأمور.
(2)
الآية 41.
يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ)، (1) وكقوله تعالى في سورة ص:(إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ (18) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ) (2)، وكقوله في سورة الإِسراء:"تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا"(3).
والمعنى الإِجمالي للآية: يسبح لله وينزهه عن الشريك وجميع صفات النقص - يسبح له - ما في السموات وما في الأَرض من أَجزائهما وما استقر فيهما، المالك لهما الغالب لكل ما سواه الحكيم المتقن لكل الأُمور، ومن كان شأنه ذلك فلا يصح أَن يعبد سواه.
2 -
الأُميُّون هم الذين لا يقرءُون ولا يكتبون، نسبوا إِلى الأُم للإِيذان بأَنهم على فطرتهم التي ولدوا عليها، فقد ولدوا لا يقرءُون ولا يكتبون، ولم يطرأ على تلك الفطرة ما يغيرها، وقد كانت هذه سِمَتَهُم التي عرفوا بها بين الأُمم، وإِن كنت تري فيهم الخطباء والبلغاء والفصحاء بفطرتهم، وهذا المعنى أَخرجه البخاري ومسلم وغيرهما بأَسانيدهم عن النبي صلى الله عليه وسلم أُمِّيًّا مثلهم، وفي ذلك يقول الله تعالى:(وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (48) بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلا الظَّالِمُونَ) (4).
قال الماوردي: فإِن قيل: ما وجه الامتنان بأَن بعث في الأُميِّين نبيًّا أُمِّيًّا، فالجواب عنه ثلاثة أَوجه:
(أَحدهما) لموافقة ما تقدمت به بشارة الأَنبياء.
(1) من الآية 10.
(2)
الآيتان 18 - 19.
(3)
الآية 44.
(4)
سورة العنكبوت 48، 49.
(ثانيها): لمشاكلة حاله لأَحوالهم فيكون أَقرب إِلى موافقتهم له.
(ثالثها) لينتفي عنه سوء الظن في تعليمه ما دعا إِليه من الكتب التي قرأَها والحكم التي تلاها.
ونزيد على ذلك أَن الله اختاره أُمِّيًّا، لتكون أُميَّته مؤكدة لإِعجاز القرآن، وكونه آية على صدقة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم لأُمِّيَّته يحرك لسانه وينطق بالقرآن عقب سماعه من جبريل ليحفظه فلا يغيب عنه شيءٌ منه فطمأَنه الله - تعالى - إِذ تعهد أَن يجمعه في صدوره، بعد فراغ جبريل عليه السلام من تبليغه، وفي ذلك يقول سبحانه:(لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17) فَإِذَا قَرَانَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ) (1) وقد تضمن القرآن علوم الأَولين والآخرين، وتحدث عن الماضي والحال والاستقبال، وعن الآيات التي يستدل بها على الله، وعن أَدلة التوحيد والبعث، وأَسرار العلوم والفنون، وعن التمكين لأُمته في المشارق والمغارب، ويرحم الله البوصيري إِذ يقول:
كَفَاكَ بِالعِلْم في الأُمّي مُعْجِزة
…
في الجَاهِلِيَّة والتَّأدِيب في اليتم
وقد اختار الله هذه الأُمة الأُمية؛ ليكون الرسول منهم؛ لأَنهم أَهل شجاعة وهمة، قادرون على الثبات أَمام الأَهوال، ولتظهر بهم قدرة الله، حيث حوَّل جاهليتهم إِلى علم وعرفان، يفوق ما عرفه البشر من العلوم والفنون.
وكان كل رسول يبعث إِلى قومه خاصة، ولكن محمدًا الرسول الأُميّ بُعث إِلى الناس كافة، فدان لرسالته العرب والفُرس والرُّومان وغيرهم من أَهل المشارق والمغارب، فسبحان الله القادر على ما يشاء.
وقد عينت الآية الأُمة التي بعث منها، ولم تعين الأُمم الذين أُرسل إِليهم؛ ليفهم من ذلك أَن رسالته مفتوحة لا محدودة، وقد علم عموم بعثته للعالم من قوله:(هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ)(2)، وقوله (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا .... )(3).
(1) سورة القيامة 16 - 19.
(2)
سورة التوبة من الآية: 33.
(3)
سورة سبأ من الآية: 28.
والمعنى الإِجمالي للآية: هو الله الذي بعث في الأُمِّيَّين رسولًا منهم أُمِّيًّا مثلهم، يتلو عليهم آياته التي سمعها ووعاها من جبريل أَمين الوحي الإِلهي، ويُعَلِّم هؤلاءِ الأُمِّيَّن هذا الكتاب فيقرؤه عليهم فيحفظونه لصفاءِ فطرتهم وقوة حفظهم، ويكتبه الكتّاب منهم ويعلمهم السنة التي تشتمل على مختلف أَنواع الحكم الشرعية والنقلية والعقلية كأَسرار الكون ودلالتها على المكوّن سبحانه وتعالى ويطهرهم من عقائد الجاهلية وأَخلاقها، وعاداتها، وإِنهم كانوا من قبل بعثه فيهم لفي ضلال عن الحق بيِّن واضح.
3 -
{وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (3)} :
لفظ (وَآخَرِينَ) على لفظ الأُمِّيِّين أَو على الضمير في (يُعَلِّمُهُمْ، وَيُزَكِّيهِمْ).
والآية صريحة في أَن هؤلاءِ الآخرين من الأُميين، وأَنهم لم يلحقوا بعد بمن قبلهم في الالتقاءِ بالرسول وأَخذ العلم عنه، وسيلحقون بهم بعد نزول هذه الآية كما يفيده لفظ (لَمَّا) فإِنهم تفيد نفي ما دخلت عليه حالا، وتوقع حصوله مستقبلًا، فهي تخالف (لَمْ) في ذلك، إِذ هي تفيد النفي دون توقع حصول المنفي بعدها.
وعملًا بظاهر الآية نقول: إِنها نزلت قبل أَن يسلم جميع الأُميين العرب، فلا تزال حينئذ - بقية منهم في جاهليتهم، ولكنهم سيلحقون بمن قبلهم في الإِيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم في حياته، هذا ما عنَّ لنا في فهم الآية الكريمة، وهذا لا يمنع عموم رسالته المدلول عليه بما تقدم.
وقد اختلف المفسرون في بيان المراد من هؤلاءِ الآخرين من الأُميين، فقال ابن عمر وسعيد بن جبير: هم العجم، واستشهدوا بما جاءَ في صحيح البخاري ومسلم عن أَبي هريرة قال:(كنا جلوسًا عند النبي صلى الله عليه وسلم إِذ نزلت سورة الجمعة، فلما قرأَ (وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ) قال رجل: مَنْ هؤلاءِ يا رسول الله؟ فلم يراجعه النبي صلى الله عليه وسلم حتى سأَله مرة أَو مرتين أَو ثلاثًا قال: وفينا سلمان الفارسي. قال: فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على سلمان، ثم قال: لو كان الإِيمان عند الثريا لناله رجال من هؤلاءِ).
وقال عكرمة: هم التابعون، وقال مجاهد: هم الناس كلهم - يعني من بعد العرب الذين بُعِث فيهم محمد صلى الله عليه وسلم، وقال ابن زيد ومقاتل بن حيان: هم مَن دخل في الإِسلام بعد النبي صلى الله عليه وسلم إِلى يوم القيامة.
ويرد على هذه التأويلات أَمران:
(أَحدهما) أَن الضمير في (وَآخَرِينَ مِنْهُمْ) يعود على الأُميين في الآية التي قبلها وهؤلاءِ الذين ذكروا في التأويلات السابقة ليسوا أُميين، والأُميون هم العرب كما تقدم.
(وثانيهما) أَنه صلى الله عليه وسلم لا يُعلِّم هؤلاءِ الآخرين ولا يزكيهم، وإِنما يعلمهم ويزكيهم المسلمون الذين ورثوا الكتاب والحكمة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ويجاب عن الأَول: بأَن الذين يتوقع منهم الإسلام بعده صلى الله عليه وسلم أُمِّيُّون من جهة العلم النافع، فهم ما بين وثنيين وأَهل كتاب غيروه وبدلوه، فهم في حكم الأُميين، فلما أَسلموا تعلموا الكتاب والحكمة وطهرت نفوسهم، وبذلك زالت أُميتهم العلمية، على أَن غالبية الشعوب التي دخلها الإِسلام كانوا لا يقرءُون ولا يكتبون فهم أُميون باعتبار أَغلبيتهم.
ويجاب عن الثاني: بأَن إِسلام مَنْ بعده صلى الله عليه وسلم ناشيء عما تركه فيهم من آثار رسالته من الكتاب والحكمة، فكأَنه بُعِث فيهم، ولا تغفل عما فهمناه أَولًا من نص الآية، فهو أَظهر من تلك الآراءِ التي أَجبنا على ما وجه إِليها من الاعتراضات، والله ولي التوفيق.
وفي عموم رسالته صلى الله عليه وسلم لمن عاصروه ولمن بعدهم إِلى يوم القيامة يقول - سبحانه -: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ)(1).
4 -
{ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (4)} :
أَي: ذلك الذي تقدم من بعث محمد صلى الله عليه وسلم في الأُميين وسواهم؛ ليهتدوا - ذلك - فضل الله وعطاؤه العظيم، يعطيه من يشاءُ وهو محمد صلى الله عليه وسلم ولا يشاءُ - سبحانه - لأَحد بعده،
(1) سورة الصف: 9.
فهو خاتم الأَنبياءِ والمرسلين، والله صاحب الإِحسان والعطاء الجزيل الذي تُحتقر نعم الدنيا بالقياس عليه.
المفردات:
(مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ): صفة اليهود الذين كلفوا العمل بالتوراة.
(ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا): ثم لم يعملوا بها.
(أَسْفَارًا): جمع سِفر وهو الكتاب الكبير، وسمي بذلك؛ لأَنه إِذا قريءَ يسفر عن معناه.
(الَّذِينَ هَادُوا): الذين دانوا باليهودية.
(مُلاقِيكُمْ): موافيكم ومقابل لكم حيثما كنتم.
التفسير:
5 -
هذه الآية مرتبطة بما قبلها، فهي تشير إِلى أَن ذلك الرسول المبعوث في الأَميين، قد نَعتَه الله هنا بما نعته به في التوراة، فقد نُعِت فيها بأَنه النبي الأُمي المبعوث إِلى أَمة أميين.
والمعنى: مثل من جاءَهم نعت الرسول في التوراة وهم اليهود وقد علموه ولم يؤْمنوا به كمثل الحمار يحمل أَسفارًا لا ينتفع بها، فليس له منها إِلا الحمل، (بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ) أَي، بئس مثل القوم مثل الذين كذبوا بآيات الله ولم ينتفعوا بها، فالمثل المقدر هو المخصوص بالذم (1).
وقد ختم الله الآية بقوله: (وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) أَي: لا يهدي اليهود الظالمين الذين وضعوا التكذيب في موضع التصديق وأَصروا على ذلك.
6 -
قل أَيها الرسول: يأيها الذين دانوا باليهودية إِن زعمتم أَنكم أَحباء لله دون غيركم من الناس، فاطلبوا من الله أَن يميتكم وينقلكم من دار البلية إِلى دار الكرامة إِن كنتم صادقين فيما زعمتموه من أَنكم مختصون بحب الله، فإِن من أَيقن أَنه من أَهل الجنة، أَحب أَن يتخلص إِليها من دار المحن والأَكدار.
وقد أَمر الرسول صلى الله عليه وسلم أَن يقول لهم ذلك إِظهارًا لكذبهم، وإِنهم كانوا يقولون: نحن أَبناء الله وأَحباؤُه، ويزعمون أَنه لا يدخل الجنة إِلا من كان هودًا، إِلى غير ذلك من سائر دعاواهم الكاذبة.
(1) راجع الآلوسي.
7 -
{وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (7)} :
ولا يتمنى الموت هؤلاءِ اليهود - لا يتمنونه - أَبدًا، إِيثارًا للحياة الدنيا على الآخرة وخوفًا من عقابهم على ما قالوه في النبي صلى الله عليه وسلم.
وجاءَ في حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمَّا نزلت هذه الآية: "والذي نفس محمد بيده لو تمنوا الموت ما بقي على ظهرها يهودي إِلا مات".
8 -
قل لهم أَيها الرسول: إِن الموت الذي تفرون من طلبه إِياكم فإِنه ملاقيكم عند مجيء آجالكم، ثم تردون يوم البعث إِلى الله عالم ما غاب وما حضر، فينبئكم بما كنتم تعلمون في دنياكم من المساوئ، ويجزيكم عليها أَسوأَ الجزاء.
المفردات:
(نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَة): دُعِيَ بالأَذن لصلاة الجمعة في يومها.
(فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ): فامضوا إِلى صلاتها التي يذكر فيها اسم الله ولا تتخلفوا عنها، وأَطلق لفظ (ذِكْرِ اللَّه) على الصلاة مجازًا؛ لأَنه أَهم مقاصدها.
(1) جملة "فإنه ملاقيكم" خبر إِن السابقة في محل رفع، واقترنت بالفاء؛ لأن اسم إن وهو الموت لما وصف بالموصول وصلته (الذي تفرون منه) وهو في معنى الشرط، وما بعده في معنى الجزاء، فكأَنه قيل: إِن فررتم من الموت فإِنه ملاقيكم.
(وَذَرُوا الْبَيْعَ): واتركوا البيع والشراءَ حتى تُصَلُّوها.
(قُضِيَتْ الصَّلاةُ): أُدِّيت.
(وَابْتَغُوا): واطلبوا.
التفسير:
9 -
المقصود من النداءِ لصلاة الجمعة الأَذان الشرعي المعهود لما فيه من قول المؤَذِّن: "حَيَّ عَلي الصَّلَاة" أَي: أَقبلوا عليها وتعالوا لأَدائها، ولفظ الجمعة بضم الميم وتسكينها، قال ابن عباس: نزل القرآن بالتثقيل - أَي: بالضم - والتخفيف أَي: تسكينها، فاقرءُوا جُمُعة - بضم الميم - وفتح ميمها جائز لغة ولكنه لم يرد قراءَة.
وكان يقال ليوم الجمعة يوم العَرُوبة - بفتح العين - واختلف في أَول من سماه يوم الجمعة، فقيل: هو كعب بن لؤي، وهو أَول من قال: أَمَّا بعد - قاله أَبو سلمة.
وقيل: أَول من سماه جمعة الأَنصار، قال ابن سيرين: جَمَّع أَهل المدينة من قبل أَن يقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وقبل أَن تنزل (الجمعة) وهم الذين سموه يوم الجمعة، وذلك أَنهم قالوا: إِن لليهود يومًا يجتمعون فيه في كل سبعة أَيام وهو السبت، وللنصارى يوم مثل ذلك وهو الأَحد، فتعالوا فلنجتمع حتى نجعل لنا يومًا نذكر الله ونصلي فيه ونستذكر - أَو كما قالوا - فقالوا: يوم السبت لليهود ويوم الأَحد للنصارى فاجعلوه يوم العَروبة، فاجتمعوا إِلى أَسعد بن زرارة (أَبو أُمامة) رضي الله عنه فصلى بهم يومئذ ركعتين وذكرهم، فسموه يوم الجمعة حين اجتمعوا، فذبح لهم شاة فتغدوا وتعشوا منها لقلتهم، فهذه أَول جمعة في الإِسلام - ارجع إِلى الآلوسي وغيره. وروي أَنهم كانوا اثني عشر رجلا، وعلى أَي حال فإِنه سمي يوم الجمعة لاجتماع الناس فيه.
وأَما أَول جمعة جمّعها النبي صلى الله عليه وسلم بأَصحابه فكانت في قباء، فقد قدم النبي صلى الله عليه وسلم مهاجرًا حتى نزل بها، على بني عمرو بن عوف يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة