الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سورة نوح
عليه السلام
مكية، وهي ثمان وعشرون آية
وسميت سورة نوح لذكره في مفتتحها ومختتمها.
وجه اتصالها بما قبلها:
ووجه اتصالها بما قبلها - على ما قال جلال الدين السيوطي - وأَشار إِليه غيره بأَنه: سبحانه كما قال في المعارج: (إِنَّا لَقَادِرُونَ * عَلَى أَن نُّبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ) عقَّبه تعالى بقصة نوح عليها السلام المشتملة على إِغراقهم عن آخراهم، فوقعت موقع الاستدلال والاستظهار لتلك الدعوى القاضية باستبدالهم خيرًا منهم.
أَهم مقاصد السورة:
بدأَت بأَمر نوح عليه السلام أَن يدَعُوَ قومه إِلى عبادة الله وأَن ينذرهم ويخوفهم من عذابه، وقد وعدهم المغفرة على استجابتهم، والتأخير إِلى أَجل مُسَمًّى، الآيات من أَول السورة إلى قوله تعالى:(يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى).
ثم ذكرت شكايته عن إِعراضهم عنه، وعنادهم له بعد أَن أمعن في شغل جميع أَوقاته بدعائهم ونصحهم واستنفذ معهم كل وسائل الدعوة جهرية وسرية فلم تزدهم إلا فِرَارًا وإِصرارًا (قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا) الآيات. ثم وجهت الأَنظار إِلى دلائل القدرة في خلق السموات والكواكب، وفي خلق الأَرض وبسطها وما يتصل بها (أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا .. ) الآيات.
ثم سجلت إِصرارهم على عبادة الأَصنام حتى استحقوا عذاب الله وكان ذلك بإِغراقهم (وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا
…
) الآيات.
وختمت السورة ببيان أَن نوحًا عليه السلام لما يئس من قبولهم الدعوة دعا عليهم بالهلاكِ والانقراض. (رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنْ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا
…
) الآيات. ودعا لنفسه بالمغفرة ولأَبوبه ولمن دخل بيته مؤْمنًا وللمؤْمنينَ والمؤْمِنَاتِ.
(بسم الله الرحمن الرحيم)
المفردات:
(إِلَى قَوْمِهِ): هم سكان جزيرة العرب ومن قرب منهم.
(عَذَابٌ أَلِيمٌ): شديد موجع عاجل، وهو ما حل بهم من الطوفان أَو آجل وهو عذاب النار.
(إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ): منذر موضح من أَجل نفعكم من غير أَن أَسأَلكم على ذلك أَجرا.
(يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ): أَي: بعض ذنوبكم التي سبقت في الجاهلية.
(وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى): أَي: يمد في أَعماركم إِلى الأَمد الأَقصى الذي قدره الله لكم.
(إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لا يُؤَخَّرُ): أَي: ما قدره عز وجل لكم وأَنتم على ما أنتم عليه إِذا جاءَ لا يؤخر.
التفسير
1 -
نوح عليه السلام اسم أَعجمي معرب: معناه بالسريانية، الساكن، والمشهور أَنه عليه السلام ابن لَمْك - بفتح اللام وسكون الميم بعدها كاف - بن مَتُّوشَلَخَ - بفتح الميم
وتشديد التاءِ مضمونة وفتح الشين واللام والخاء - بن أَخنوخ، وفيه عن ابن عباس: كان بين آدم ونوح عليها السلام عشرة قرون. بعثه الله لأَربعين سنة، ومكث يدعو قومه أَلف سنة إِلَاّ خمسين عامًا، ومع ذلك لم يؤْمنْ به إِلا قليل، وهو من أُولي العزم، وكان في زمن شاع فيه الكفر وذاع، وقد اشتهر قومه بعباده الأَوثان، وأَكثروا من البغي والظلم والعصيان، وعاش بعد الطوفان ستين عامًا حتى كثر الناس وانتشروا، وفي التهذيب للنووي - رحمة الله تعالى - أَنه أَطوال الأَنبياء عمرًا، وقيل: إِنه أَطول الناس جميعًا عمرًا مطلقًا، وهو - على ما قيل - أَول من شرعت له الشرائع، وسنت له السنن، وأَول رسول أَنذر على الشرك، وأَهلكت أُمته، ويقول ابن كثير: الحق أَن آدم عليه السلام كان رسولًا أرسل إِلى زوجته ثم إِلى بنيه، وكان في شريعته الإِنذار على الشرك، ويقال لنوح: شيخ المرسلين، لأَنه أَطولهم عمرًا، وآدم الثاني.
أَرسله الله إِلى قومه وهم - كما قيل -: سكان جزيرة العرب ومن قرب منهم، لا أَهل الأَرض كافة؛ لاختصاص نبينا عليه الصلاة والسلام بعموم البعثة من بين الرسل جميعًا، والذي كان لنوح عليه السلام بعد قصة الغرق حدث بمحض الاتفاق لعدم وجود أَحد على الأَرض سوى قومه الناجين مع في السفينة، وفي إِسناد الفعل في قوله سبحانه:(إِنا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ) إِلى ضمير العظمة مع تأكيد الجملة، ما لا يخفى من الاهتمام والاعتناء بإِرساله عليه السلام (أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ) أَي: بأَن أنذرهم وخوفهم عاقبة كفرهم من الإِنذار، وهو إِخبار فيه تخويف وترويع، وتكون (أَن) مصدرية فإِن كانت مفسرة كان المعنى: إِنا أَرسلنا نوحًا إِلى قومِهِ، أَي: قلنا له أَمرًا، أَي: أَنذر قومك لما في الإِرسال من معنى القول دون حروفه، فلا محل للجملة من الإِعراب (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) موجع شديد عاجل وهو ما حل بهم بالطوفان كما قال الكلبي أَو آجل وهو عذاب النار كما قال ابن عباس أَو المراد خوف قومك، وحذرهم مما ينزل بهم إِن لم يؤْمنوا حتى لا يكون لهم عذر أَصلا يعتذرون به يوم يؤخذون أَخذ عزيز مقتدر.
قول نوح عليه السلام استئناف مبني على سؤال نشأَ عن حكاية إِرساله عليه السلام بالوجه المذكور وهو الإِنذار، فكأَنه قيل: ماذا فعل عليه السلام؟ فقيل: قال لهم (يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ) بين النذارة ظاهر الأَمر واضحه، لم أَدخر وسعًا في سبيل نصحكم، وهدايتكم إِلى طريق الرشاد؛ من أَجل نفعكم من غير أَن أَسألكم على ذلك أَجرًا وقوله:(أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ) متعلق بنذير في قوله سبحانه: (إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ) على مصدرية (أَن) أَو تفسيريتها، فعلى المصدرية يكون المعنى: إِنِّي نذير لكم بعباده الله وتقواه وإِطاعتي إِلى ما أدعوكم إِليه من الصلاح والفلاح، وعلى تفسيريتها يكون المعنى: إِن نذارتي هي: أَن اعبدوا الله واتقوه وأَطيعون، أَي: قولي، أَي: اعبدوا الله وحده واجتنبوا مآثمه، وأَطيعوني فيما دعوتكم إِليه، وأَمرتكم به وما نهيتكم عنه من عبادة الأَوثان والأَصنام.
(يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ) أَي: يمح الله عنكم بعض ذنوبكم وهي التي حصلت قبل الإِيمان لأَن الإِيمان يجُبُّ ما قبله كما يرى بعض العلماءِ، كما في قوله تعالى:(قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ)(1) وقيل: إِن المراد بالبعض المغفور قبل الإِيمان، هو ما يتعلق بحقوق الله فقط دون ما يتعلق بحقوق العباد كالقصاص ونحوه، أَو هي الذنوب العظام التي وعدكم الله عليها الانتقام - كما قال ابن كثير - وقيل المعنى: يصفح الله لكم عن ذنوبكم، واختاره ابن جرير على أَنَّ (مِنْ) بمعنى (عَنْ) وقد تابت عنها، أَو (من) بيانية بمعنى: يغفر لكم أَفعالكم التي هي الذنوب، كقوله تعالى:(فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الأَوْثَانِ)(2) فهي لبيان مبهم وهو أَفعالهم.
وللتوفيق بين هذه الآية (يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ) وقوله تعالى: (إِنَّ الله يِغَفْرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا) ونحوها لا يبعد أَن الله يغفر الذنوب جميعها لقوم، وبعضها لآخرين، وقيل: جيءَ بمن مع الكفرة مطلقًا في خطابهم دون المؤمنين في جميع القرآن تفرقة بين الخطابين.
(1) الأَنفال، من الآية:38.
(2)
الحج، من الآية:30.
(وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) المراد به الأَمد الأَقصى الذي قدره الله بشرط الإِيمان والطاعة (1) وراءَ ما قدره الله لهم على تقدير بقائهم على الكفر والعصيان، وكونهم لا يؤخرون إِلى الأَمد المسمى إِلا بشرط الإِيمان والطاعة صريح في أَن لهم أَجلا آخر لا يجاوزونه وهو ما قدر لهم إِن لم يؤمنوا، وقد يستدل بهذه الآية من يقول: إِن الطاعة، والبر، وصلة الرحم تزيد العمر. ذكره ابن كثير، لما ورد به الحديث:(صِلَة الرَّحِم تزيدُ في العُمر).
(إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) تعليل لما فهم من تعليقه سبحانه التأخير إلي الأَجل المسمى على الإِيمان، أَي: لأَن أَجل الله الذي قدره سبحانه لكم على تقدير بقائكم على الكفر إِذا جاءَ وأَنتم على حالكم لا يؤَخر عن وقته المقدر له، فبادروا إِلى الإِيمان والطاعة قبل مجيئه حتى لا يتحقق شرطه وهو بقاؤكم على الكفر، وقيل: المراد بتأخيرهم إِلى الأَجل المسمى تأَخير وقت عذابهم، وذلك بإِمالهم والتجاوز عنهم في الدنيا، فلا يوقع العذاب بهم مدة بقائهم إِلى أَن يأَتيهم العذاب المذكور في قوله تعالى:(مِن قَبْلِ أَن يَاتِيَهُمْ عَذَابٌ أَليِمٌ) فإِنه أَجل مؤقت حتمًا، وأَما الأَجل بمضي العمر، فهو محدود لا يتقدم ولا يتأَخر كما قال تعالى:(وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ)(2).
ولو كنتم من أَهل العلم لسارعتم لما أَمركم به نبيكم من الإِيمان والطاعة ليتحقق لكم البقاء إِلى أَجل مسمى، ولكنكم لستم من أَهله في شيء، فلذا لم تسارعوا لما أُمرتم به وآثرتم الكفر والضلال، أَو لو كنتم من أَهله لعلمتم بأَن الأَجل لا يؤَخر لو جاءَ وقته المقدر له، ولكنكم جهلتم ذلك فظللتم في غيكم سائرين.
(1) حثا لهم على الإيمان بنوح عليه السلام وبترك الإِمعان في الكفر والعناد، قيل: إِن الله قضى لهم: إِن آمنوا عمرهم، وإِن كفروا أَهلكهم.
(2)
الأعراف، الآية:34.
المفردات:
(فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلا فِرَارًا): تباعدا من الإِيمان وإِعراضًا عنه.
(جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ): سدوا مسامعهم عن استماع الدعوة، ووضع أَناملهم فيها كناية عن ذلك.
(وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ): بالغوا في التغطي بها، واستغشى على وزن استفعل. والصيغة تدل على المبالغة لما فيها من الطلب.
(وَأَصَرُّوا) أي: أَكبوا وأَقاموا على الكفر والمعاصي، من الإِصرار على الذنب: وهو الامتناع من الإِقلاع عنه وأَصله من الصَّرة. وهي الشدة.
التفسير
6،5 - {قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (5) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (6)}:
يخبر الله عز وجل عن عبده ورسوله نوح عليه السلام أَنه توجه إِليه - سبحانه - مناجيًا وحاكيًا له بقصد الشكوى - وهو أَعلم بحاله - ما لقي من قومه، وصبره عليهم، وما جرى بينه وبينهم من القليل والقال في تلك المدد الطوال، بعد ما بذل في الدعوة غاية المجهود، وجاوز في الإِنذار كل حد معهود، وسلك معهم مختلف الحيل بعزم وتصميم فلم يُجْدِ
معهم كل ذلك نفعًا، ولم يؤث ثمرا، حكى كل هذا لربه مناجيًا وشاكيًا فقَال:(رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا) أَي: دعوتهم إلي الإِيمان والطاعة دعاءً متواصلا. شغل ليلي ونهاري من غير فتور ولا توان امتثالا لأَمرك (فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلا فِرَارًا) أَي: هَرَبًا مني وبعدا عني، وعما نصحتهم به، ودعوتهم إِليه، وإِسناد الزيادة إِلى الدعاء لسببيته لها على سبيل المجز، كما في قوله تعالى:(وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا)(1).
9،8،7 - {وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (7) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (8) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (9)}:
تتابع الآيات ذكر تمادي هؤُلاءِ الكفرة في الضلال واندفاعهم في الإِعراض والتكذيب مما جعله عليه السلام يستمر في حكاية شكواه لربه فيقول: (وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ
…
) الخ أَي: كلما دعوت قومي إِلى الإِيمان وللاستجابة إِلى ما أَدعوهم إِليه من ترك الشرك والعصيان لتغفر لهم ذنوبهم، وتتجاوز عن سيئاتهم، وتدخلهم يوم الجزاءِ مدخلا كريمًا (جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ) أَي: سدوا مسامعهم عن استماع الدعوة إلي الحق. فجعلهم الأَصابع في الآذان كناية عن انصرافهم عن الحق، وقد أَخبر الله من كفار قريش أَنهم كانوا يصنعون مثيل هذا عند استماعهم للقرآن الكريم:(وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ)(2).
ولا مانع من حمل قوله سبحانه: (جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ) على إِرادة الحقيقة بسدها بالأَصابع. (وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ) بالغوا في التغطي. بها كأَنهم طلبوا منها أن تغشاهم كراهة النظر إِليه من فرط نفورهم من الدعوة، ومقتهم لها، وقال ابن جريج عن ابن عباس: تنكروا له لئلا يعرفهم، وقال سعيد بن جبير والسّدي: غطوا رءُوسهم لئلا يسمعوا ما يقول.
(1) الأنفال، من الآية رقم:2.
(2)
فصلت، آية رقم:26.
(وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا) أَي: أَكبوا على ما هم عليه من الكفر بإِصرار والتزام، وقد صار الإِصرار حقيقة عرفية في الملازمة، والانهماك في الأَمر. قال الراغب: الإِصرار: التعمد في الذنب، والتشديد فيه، والامتناع من الإِقلاع عنه، وقد استكبروا عن اتباع نبيهم عليه السلام استكبارًا عظيمًا، وقيل: استكبروا نوعًا من الاستكبار غير معهود قبلهم، والاستكبار: طلب الاتصاف بالكبر من غير استحقاق له.
وحاصل المعنى: أَن نوحًا عليه السلام كان كلما دعاهم إِلى دين الحق ليظفروا بمغفرة ربهم عطَّلوا مسامعهم عن سماع الدعوة فجعلوا فيها أصابعهم على الكناية أَو على الحقيقة.
وبالغوا في التغطي بثيابهم كراهة النظر إِليه، ولئلا يعرفهم فيدعوهم إِلى ترك الكفر الذي أَقاموا عليه، وتمسكوا به، واستكبروا عن اتباعه عليه السلام والانقياد لدعوته استكبارًا عظيمًا ليسوا أَهلا له.
{ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (8) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (9)} أَي: إِني دعوتهم تارة بعد أُخرى ومرة عقب غيرها. يعني أَنها دعوات متتابعة، على وجوه متخالفة، وأَساليب متغايرة، بعد أَن دعاهم في أَوقات متنوعة، وفي ذلك تعميم لوجوه الدعوة بعد تعميم أَوقاتها، و (ثُمَّ) لتفاوت وجوه الدعوة وأَساليبها لا للتراخي الزمني وقوله سبحانه:(ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا) يشعر بأَن الجهر وقع مسبوقًا بالسر وهو الأليق بمن همُّه الاستجابة؛ لأَنه أَقرب إِليها لما فيه من اللطف بالمدعو عند دعوته به: أَي: أَنه عليه السلام افتتح الدعوة بالمناصحة في السر فلما لم يقبلوا ثنَّى بالمجاهرة، فلما لم تؤَثر ثلَّث بالجمع بين الإِسرار والإِعلان.
المفردات:
(يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا): غزيرًا متتابعًا، وهي من صيغ المبالغة التي يشترك فيها المذكر والمؤنث.
(وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ): أَي حدائق وبساتين.
التفسير:
10 -
{فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10)} :
روي أَن رجالا أَتوا إلي الحسن، فشكوا إِليه ما نزل بهم، فقال لكل منهم: استغفر الله، وفقيل له أَتاك رجال يشكون أَلوانًا، ويسأَلون أَنواعًا، فأَمرتهم كلهم بالاستغفار، فقال: ما قلت من نفسي شيئًا إنما اعتبرت قول الله عز وجل حكاية عن نبيه نوح عليه السلام أَنه قال: (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ) الآية. أَي: استغفروه بالتوبة عن الشرك والمعاصي، لتنعموا بخيري الدنيا والآخرة. وقوله تعالى:(رَبَّكُمْ) تحريكًا لداعي الاستغفار (إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا) بمعنى أنه غفار للتائبين دائم المغفرة وكثيرها، كأَنهم تعالوا قالوا: إِن كنا على الحق فكيف نتركه؟ وإِن كنا على الباطل فكيف يقبلنا ويتلطف بنا بعد ما عكفنا على الباطل دهرًا طويلا؟ كأَنه استبعاد منهم، فأَمرهم بما يمحق ما سلف منهم من المعاصي، ويجلب إِليهم النافع، وذلك هو الاستغفار الذي وعدهم عليه تحقيق أُمور هي أَحب إِلى نفوسهم، وأَوقع في قلوبهم من الأمور الأُخروية لديهم، وهي الرغبات الدنيوية التي جبلوا على حبها، والتعلق بها لما فيها من الفوائد العاجلة التي يشير إِليها قوله تعالى:
11 -
{يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11)} :
قال قتادة: كانوا أَهل حب للدنيا، فاستدعاهم إِلى الآخرة من الطريق التي يحبونها، وقيل: لما كذبوا بعد تكرير الدعوة حبس الله عنهم القطر، وأَعقم أَرحام نسائهم أَربعين سنة وقيل: سبعين سنة، فوعدهم إِن آمنوا أَن يرزقهم الله تعالى الخصب، ويرفع عنهم ما كانوا فيه - ولا شك أَن نزول المطر - ولا سيما إِذا كان عزيزًا - من أَعظم النعم التي تتعلق بها نفوسهم
وتهفوا إِليها قلوبهم في مواطنهم التي يشيع فيها الجفاف، وينتشر بها القحط، وقد استدعاهم بذلك إِلى الآخرة، ويراد من السماء: السحاب أَو المطر.
12 -
{وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (12)} :
أَي: ويزدكم الله مالا وبنين، وكانوا يحبوهما، ويعلمون على الاستكثار منهما، فحركوا بما يُفيئه الله عليهم منها إِلى الإيمان، كما حركوا كذلك بأن يجعل سبحانه لهم في ديارهم بساتين وحدائق فيها أَنواع الثمار التي تحقق لهم كل مناعم الحياة ويجعل لهم أَنهارًا جارية أَو مطلقة لتحيا بها مزارعهم، وبساتينهم، وليجدوا فيها كل منافعهم، وأَعيد الفعل (يَجْعَلْ) مع الأَنهار للاعتناء بها، لما أَن لها مدخلا عاديًّا أَو أَكثريا في وجود الجنات ورعاية في بقائها الذي هو أَهم من أَصل وجودها، وترك إِعادة (وَيُمْدِدْكُمْ) مع البنين لأَنه لا تكمل المنفعة والسعادة إلا باجتماع كل من الأَموال والبنين معًا؛ لذلك ترك إِعادة العامل (يُمْدِدْكُمْ) بينهما لأَنهما كالشيءِ الواحد. قال البقاعي: المراد بالجنات والأَنهار في الآخرة، والجمهور على أَن ذلك في الدنيا تحريكًا لهم على الإِيمان. وبعد أَن دعاهم بالترغيب، عدل بهم إِلى الدعوة بالترهيب فقال:
{مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (13) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (14)}
المفردات:
(لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا): أَي: لا تعتقدون لله عظمة، على أَن الرجاءَ بمعنى الاعتقاد. والوقار بمعنى العظمة: أَو، لا تخافون لله عظمة. فيكون الرجاءُ بمعنى الخوف، قال الأَخفش: الرجاءُ هنا: الخوف؛ لأَن مع الرجاءَ طرفًا من الخوف: ونقل أَيضًا عن ابن عباس كونه بمعنى الخوف.
(وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا): جمع طور، أَي: تارات وكرات، حيث خلقكم أَولا ترابًا ثم نطفًا ثم علقًا ثم مضغًا ثم عظامًا ولحومًا ثم خلقًا آخر.
التفسير:
14،13 - {مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (13) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (14)}:
إِنكار لأَن يكون لهم سبب ما في عدم رجائهم لله وقارًا، أَي عظمة، بمعنى أَي سبب حصل لكم حتى جعلكم غير خائفين عظمة الله.
أَو غير متعقدين لله عظمة موجبة لتعظميه - سبحانه - بالإِيمان به والطاعة له، وقيل: المعنى ما لكم لا تكونون على حال تأملون فيها تعظيم الله إِياكم في دار الثواب، ويراد على هذا بالوقار التوفير، وهو تعظيم، وكونه من الله بمعنى رضاه عنهم وتفضله عليهم بأَسمى الجزاء (وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا) أَي: الحال أَنكم تعلمون أَنه عز وجل خلقكم مُدْرجًا لكم في كرات وأَدوار متعاقبة، وحالات مختلفة. فبدأَكم نطفًا ثم علقًا ثم مضغًا ثم عظمًا ولحومًا ثم خلقا آخر، فتبارك الله أَحسن الخالقين، وبمثل هذا قال ابن عباس وعكرمة وقتادة وغيرهم، والإِخلال بتوقير مَنْ هذا شأنه في القدرة القادرة والإِحسان العام مع العلم به، لا يكاد يصدر من عاقل، والجملة (وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا) مقررة لإِنكار أَي سبب مبرر لما وقع منهم من عدم رجائهم لله وقارًا، بعد أَن تفضل عليهم بالتكوين والإِيجاد، وبكل مقومات حياتهم من نعم وآلاء.
المفردات:
(سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا): متطابقة بعضها فوق بعض كالقباب من غير مماسَّة.
(وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا): أَي: مصباحًا يستضيء به أَهل الدنيا كما يستضيءُ النَّاس بالسراج في بيوتهم.
(وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ بِسَاطًا): أَي كالبساط في رأَي العين؛ لأَن الكرة العظيمة يري كلُّ من عليها ما يليه مسطحًا.
(سُبُلًا فِجَاجًا): أَي: طرقًا واسعات. والفجاج: جمع فج، وهو الطريق الواسعة، وقيل: هو اسم للمسلك بين جبلين.
التفسير:
16،15 - {أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (15) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (16)}:
بيان الآيات كونية للاستدلال بها على ما يوجب توقير الله وتعظيمه - جل شأَنه - والمعنى: أَلم تشاهدوا أَيها القوم عظمة الله، وكمال قدرته فيما أَبدع من آيات كونية، وتنظروا إِليها نظر تفكر واعتبار، كيف خلق الله العظيم سبع سموات متطابقة من غير مماسَّة، بعضها فوق بعض، وهي في غاية الإِحكام والإِتقان وإِبداع الصنع، كما قال - سبحانه - في سورة الملك (مَا تَرىَ فيِ خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُت) الآية (وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا) ليزيل ظلمة اللَّيل تمكينًا للنَّاس من أَداءِ مهامهم وفق ما تدعوا إِليه شئون حياتهم. "قال الفخر: القمر في السماءِ الدنيا وليس في السموات بأَسرها" وإِنما قال: فيهن لأَنها محاطة بالسموات كلها، فما فيها يكون كأنه في جميعها (1)، وقدَّر - سبحانه القمر - منازل وبروجًا وفاوت نوره، فتارة يزداد حتى يتناهى ثم يتناقص حتى يستتر؛ ليدل على مضي الشهور والأَعوام كما قال تعالى:(وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ)(2).
(1) أو، لأن كل واحدة منها شفافة، فترى كلها كأنها سماء واحدة. فساغ أن يقال: فيهن.
(2)
يونس، من الآية رقم:5.
(وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا) أَي: كأَنها مصباح مضيء لوجه الأَرض وسائر الآفاق كما يستضيئون بالسرج في بيوتهم ليبصروا في ضوئها ما يحتاجون إِليه. ولما كان نور الشمس أَشد وأَتم وأَكمل في الانتفاع به من نور القمر عبَّر عنها بالسراج لأَنه يضيءُ بنفسه، وعبر عن القمر بالنور لأَنه يستمد نوره من غير، ويؤيد هذا - كما قيل - ما تقرر في علم الفلك من أَن نور الشمس ذاتي فيها، ونور القمر عرض مستمد من نورها، وتلك ولا شك آيات ناطقة بالقدرة البالغة، والعظمة الكاملة التي تدعو إِلى توقير الله وتعظيمه.
18،17 - {وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (17) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا (18)}:
بعد أن ذكر عز وجل الأَدلة الكونية أَتبعها بذكر ما في الأَنفس من براهين وآيات، وفي ذكر هذه الأُمور دلالة بينة على عظمة الله، وكمال قدرته، والمعنى: أَن الله سبحانه وتعالى أَنشأَكم من الأَرض، وأَخرجكم منها، فاستعير الإِنبات للإِنشاء لكونه أدل على الحدوث والتكوّن من حيث إِنه محسوس مشاهد، وقد أَكد (أَنبَتَ) بقوله:(نَبَاتًا) أَي: أَنشأَكم منها إِنشاء لا شك فيه، وأَخرجكم من ترابها كما يخرج النبات من خلاله، وهم وإِن لم ينكروا الإِنشاءَ والحدوث، فقط جعلوا بإِنكار البعث كمن أَنكر الإِنشاء والحدوث، وفي ذلك إِشارة إِلى خلق آدم عليه السلام حيث خلق من ترابها ثم جاءَت من آدم ذريته.
قال المفسرون: لمَّا كان إِخراجهم وإِنشاؤهم إِنما يتم بتناولهم عناصر المواد الغذائية النباتية والحيوانية المستمدة من الأَرض، كانوا مشابهين للنبات الذي ينمو بامتصاص غذائه من الأَرض فلذا سمى سبحانه خلقهم وإِنشاءَهم إِنباتًا (ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا) أَي: في الأَرض بالمواراة فيها إذا متم (وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا) محققًا لا ريب فيه عند البعث وكان العطف بثم في قوله سبحانه: (ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا) لما بين الإِنشاء والإعادة من الزمن المتراخي الواقع فيه التكليف الذي استحقوا به الجزاءَ بعد الإِعادة، وكان العطف بالواو دون ثم في قوله:(وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا) مع ما بينهما من الزمان المتراخي، لأَن أَحوال البرزخ والآخرة في حكم شيء واحد، فهي لاتصالها وتحقق وقوعها لا محالة، لم يعتبر فيها التراخي في الزمن لأَنها تشبه أَن تكون قضية واحدة.
20،19 - {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (19) لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا (20)}:
أَي: إِنه سبحانه جعل الأَرض فسيحة ممتدة كالبساط تتقلبون عليها كما تتقلبون على بطنكم في بيوتكم، وليس في الآية ما يدل على أَن الأَرض ليست كروية كما في البحر وغيره لأَن الكرة العظيمة يري كلُّ من عليها ما يليه مبسوطًا (لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا) أَي: خلقها الله لكم لتسقروا عليها، وتسلكوا فيها أَين شئتم من نواحيها وأَرجائها، وأَقطارها طرقًا واسعات في أَسفاركم وتنقلكم، وقيل: هي المسالك بين جبلين: وكل هذا ممَّا ينبههم به نوح عليه السلام على قدرة الله وعظمته في خلق السموات والأَرض، ونعمة عليهم فيما جعل لهم من المنافع السماوية والأَرضية، وفي إِنشائهم من الأَرض، ثم إِعادتهم إِليها، وإِخراجهم منها بالبعث؛ لذلك فهو وحده الذي يجب أَن يعبد، ويوجد ولا يشرك به أَحد حيث إِنه لا نظير له، ولا كفء، ولا ند، ولا صاحبه، ولا ولد، ولا وزير، ولا مشير، بل هو العلي الكبير.
المفردات:
(مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ): ولَد محركة مفردة، ووُلْد - بضم الأَول وسكون الثاني - قيل: هو مفرد كذلك، وقيل: هو جمع ولد كأسد وأُسْد.
(مَكْرًا كُبَّارًا): بالغ الغاية في الكِبر.
(وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ): أَي: التزموا عبادتها ولا تتركوها على الإِطلاق.
(وَدًّا وَلا سُوَاعًا
…
): هي أَصنام خمسة من أَصنامهم وخصت بالذكر مع أَن لهم غيرهما لأَنها أَعظم معبوداتهم وأَكبرها.
التفسير
22،21 - {قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (21) وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (22)}:
يقول تعالى مخبرًا عن نوح عليه السلام: إِن نوحًا أَنهى إِلى ربه - وهو العليم الذي لا يعزب عنه شيء - أَن قومه عصوه مع أَنه سلك معهم في دعوته إِلى الله الأساليب المتنوعة المشتملة على الترغيب تارة والترهيب أُخرى، ومع كل ذلك لم يتبعوه، بل خالفوه، وأَسلموا قيادهم لأَبناءِ الدنيا ممن غفل عن أَمر الله، ومُتع بأَموال وأَولاد، وهي في نفس الأمر استدراج وإِمهال وليست لتفضيل وإِكرام. لهذا قال مناجيًا ربه وشاكيًا:(رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي) أي: داوموا على عصياني.
(وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلا خَسَارًا) أَي: استمروا في إِقبال ورغبة على اتباع رؤسائهم الذين أَبطرتهم أَموالهم وغرتهم أَولادهم وصار ذلك سببًا لزيادة خسارهم في الآخرة زيادة جعلتهم أَهلًا لأَن يكونوا أُسوة وقدوة لأتباعهم في الخسار، وفي أَنهم استحبوا العمى على الهدى، وآثروا الحياة الفانية على الدار الباقية، وفي وصفهم بما ذكر إِشعار بأَن الأتباع إِنما اتبعوهم لوجاهتهم الحاصلة لهم بسبب الأَموال والأولاد، لا لما شاهدوا فيهم من نهج قويم يدعو إِلى اتباعهم.
(وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا): باتباعهم. قال ابن زيد: أَي كبيرًا في الغاية، ويراد به احتيالهم في الدين، وصدهم للناس عنه وإِغراؤهم وتحريضهم على أَذِيَّة نوح عليه السلام ولهذا كان (كُبَّارًا) أَبلغ من (كبير) وإِذا اعتُبر التنوين في (مَكْرًا) للتفخيم زاد أَمر المبالغة في مكرهم وفي عطف هذه الجملة على جملة الصلة وهي قوله تعالى: (لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ
…
) إِشارة إِلى أَنهم ضموا إلي ضلالهم إِضلال الأتباع في تسويلهم لهم بأَنهم على الحق والهدىة، وأَنهم على شيء نافع. روي أَن بعض الأعراب الجفاة سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ هذه الآية فقال: ما أَفصح ربك يا محمد.
24،23 - {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (23) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا (24)}:
أَي: وقالوا: لا تتركوا عبادة آلهتكم مطلقًا إِلى عبادة رب نوح عليه السلام ولا تتركوا عبادة هؤلاءِ الأصنام المذكورة، وخصوها بالذكر مع اندراجها فيما سبق من النهي عن ترك عبادة الآلهة جميعًا لأَنها كانت أَكبر معبوداتهم الباطلة وأَعظمها، وإِن كانت متفاوتة في العظم حسب زعمهم كما يوحي إِليه إِعادة (لا) مع بعضها وتركها مع بعضها.
أَخرج البخاري وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس قال: صارت الأَوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد، أَما وَدّ فكانت لكلب بدومة الجندل، وأَما سواع فكانت لهذيل، أما يغوث فكانت لمراد ثم لبني غطيف بالجرف عند سبأ، وأَما يعوق فكانت لهمذان، وأَما نسر فكانت لحمير لآل ذي كَلاع، وهي أَسماء رجال صالحين من قوم نوح عليه السلام فلما هلكوا أَوحى الشيطان إِلى قومهم أَن انْصبُّوا إِلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها انصبابا، وسموها بأَسمائهم، ففعلوا، فلم تعبد حتى إِذا هلك أُولئك ونسخ العلم عبدت. أهـ: ابن كثير.
وقيل: هي أَسماءُ رجال صالحين كانت بين آدم ونوح عليهما السلام، وقيل: هم من أَولاد آدم، فلما ماتوا قال إِبليس لمن بعدهم: لو صورتهم صورهم فكنتم تنظرون إِليهم وتتبركون بهم ففعلوا. فلما مات أَولئك قال لمن بعدهم: إِنهم كانوا يعبدونهم، فعبدوهم.
وذكر المفسرون في ذلك روايات وقِصصا كثيرة، فمن أَرادها فليرجع إِليها في كتب التفسير.
(وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا) أَي: أَضل هؤلاءِ الرؤساءُ خلقًا كثيرًا قبل الذين أَوصوْهم بأَن يتمسكوا بعبادة الأَصنام، فهم ليسوا بأَول من أَضلوهم، ويشعر بذلك المعنى في قوله تعالى:(وَقَدْ أَضَلُّوا) والاقتران بعد حيث أَشار ذلك إِلى أَن الإِضلال استمر منهم إلي زمن الإِخبار بإضلال الطائفة الأَخيرة. وقال الحسن:: وقد أَضلوا، أَي: الأَصنام التي اتخذوها آلهة خلقًا كثيرًا من الناس. فهو كقول الخليل عليه السلام: (رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ)(1) وعود ضمير العقلاءِ عليها وهو واو الجماعة في قول الحسن لتنزيل الأَصنام منزلتهم عندهم وفي زعمهم.
(وَلا تَزِدْ الظَّالِمِينَ إِلا ضَلالًا) أَي: قال: رب إنهم عصوني .. الخ، وقال:(وَلا تَزِدْ الظَّالِمِينَ إِلا ضَلالًا) والغرض الشكاية وإِبداءُ العجز واليأس منهم وطلب النصرة عليهم، والمراد بالضلال الذي دعا عليهم بزيادته: إِما الضلال في ترويج مكرهم ومصالح دنياهم، فيكون دعاء عليهم بعدم الاهتداء إِلى تيسير أُمور أُخراهم، وإما الضلال بمعنى الضياع والهلاك كما في قوله تعالى:(إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ)(2)، وهو مأَخوذ من الضلال في الطريق لأَن من ضل فيها هلك. ووضع الظاهر وهو قوله:(وَلا تَزِدْ الظَّالِمِينَ) موضع ضميرهم للتسجيل عليهم بالظلم المفرط، ولتعليل الدعاء عليهم به.
(1) سورة إبراهيم، من الآية:36.
(2)
سورة القمر، الآية:47.
(رَبِّ لا تَذَرْ): أَي: لا تترك من الكافرين.
(دَيَّارًا): من يسكن دارا، أَو من يدور ويتحرك في الأَرض ذهابًا وإِيابًا من الدار، أَو الدوران، والمراد: لا تترك منهم أَحدا، والديار من الأَسماءِ التي لا تستعمل إِلَاّ في النفي العام يقال: ما بالدار ديار، أَي: ما بها أَحد.
(إِلا فَاجِرًا كَفَّارًا): أَي: من سيفجر ويكفر، فوصفهم بما يصيرون إِليه لوثوقه بذلك نتيجة لتجربته الطويلة.
(وَلا تَزِدْ الظَّالِمِينَ إِلا تَبَارًا): أَي: هلاكًا، يقال: تبر يتْبَر من بابي: قتل وتعب: إِذا هلك، ويعدى بالتضعيف فيقال: تبّره الله: إِذا أَهلكه.
التفسير
25 -
المعنى: إِن هؤلاء الكفار بسبب كثرة ذنوبهم وعتوهم، وإِصرارهم على كفرهم ومخالفتهم رسولهم أُغرقوا بالطوفان (فَأُدْخِلُوا نَارًا) هي نار البرزخ، ويراد بها عذاب القبر، أَي: انتقلوا من برودة الماءِ إِلى حرارة النار، ومن مات في ماءٍ أَو نارٍ أو أَكلته السباع أَو الطير مثلًا أَصابه ما يصيب المقبور من العذاب أَو النعيم؛ قال الضحاك: كانوا يغرقون من جانب ويحرقون بالنار من جانب، ولا غرابة في ذلك؛ فالله يجمع بين الماءِ والنار كما قال ابن الأَنباري والتعقيب ظاهر على أَن المراد إِدخالهم بعد الإِغراق نارًا هي نار البرزخ، أَما إِذا أُريد بها نار الآخرة كما قيل: فيكون التعقيب لعدم الاعتداد بما بين الإِغراق وإِدخال نار جهنم من زمن لاتصاله وتحقق الإِدخال. وتنكير النار إِما لتعظيمها وتهويلها أَو لأَنه عز وجل أَعد لهم نوعًا من العذاب على حسب خطيئاتهم.
(فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا): أَي: لم يكن لأَحد منهم مغيث ولا معين ولا مجير ينقذه من عذاب الله كقوله تعالى: (لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلا مَنْ رَحِمَ)(1) وفيه تعريض بأَن آلهتهم التي اتخذوها آلهة من دون الله تعالى غير قادرة على نصرهم، وفي ذلك من التهكم بهم ما فيه.
26 -
{وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (26)} :
معطوف على نظيره (قَالَ نْوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي) وقوله تعالى: (مَّمِا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا
…
) الآية. اعتراض بين الدعاءين للإيذان من أَول الأَمر بأَن ما أَصابهم من الإِغراق والإِحراق لم يصبهم إِلَاّ من أَجل خطيئاتهم التي عدها نوح عليه السلام وأَشار إِلى استحقاقهم العذاب لأَجلها، والمعروف أَن هذا الدعاءَ كان قبل هلاكهم.
(1) سورة هود، من الآية:43.
والمعنى: ربِّ لا تترك على الأَرض من الكافرين أَحدًا يسكن دارًا، أَو لا تترك منهم من يدور ويتحرك على الأَرض لأَنهم استحقوا الهلاك بما اقترفوا من آثام وبما استمسكوا به من كفر وطغيان، ويراد بالكافرين قومه الذين دعاهم إِلى الإِيمان والطاعة فلم يجيبوا.
27 -
{إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (27)} :
أَي: إِنك إِن تترك أَحدا منهم يضلوا عبادك عن طريق الحق، ولعل المراد بهم من آمن به عليه السلام وبإِضلالهم إِياهم: ردهم إِلى الكفر بنوع من الخداع والمكر، أَو المراد بهم من ولد من المؤمنين، وبإِضلالهم إِياهم: صدهم عن الإِيمان، أَو من ولد من الكافرين ولم يبلغ حد التكليف، فكانوا يحولون بينهم وبين الإِيمان بغرس العدواة والبغض في قلوبهم لنوح عليه السلام وفي بعض الأَخبار: أَن الرجل منهم كان يأتي بابنه إِلى نوح عليه السلام ويقول: احذر هذا فإِنه كذاب، وأَبي أَوصاني بمثل هذه الوصية، فيموت الكبير وينشأَ الصغير على ذلك. قيل: ومن هنا قال عليه السلام: (وَلا يَلِدُوا إِلا فَاجِرًا كَفَّارًا) أَي: من سيفجر بعمله ويكفر بقلبه، فوصفهم بما يصيرون إِليه من الفجور والكفر لاستحكام علمه بما يكون منهم، ومن أَعقابهم بعد ما جربهم واستقرأَ أَحوالهم أَلف سنة إِلَاّ خمسين عامًا، ومثله قوله عليه السلام:(إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ)، وقيل: أَراد بقوله: (وَلا يَلِدُوا إِلا فَاجِرًا كَفَّارًا) أَي: من طبع وجُبل على الكفر والفجور، وقد علم ذلك بوحي كقوله - سبحانه -:(وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلا مَنْ قَدْ آمَنَ)(1) وكأَنَّ قوله: (إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ
…
) الآية. اعتذار منه عليه السلام ممَّا عسى يرد عليه من أَن الدعاءَ عليهم بالاستئصال مع احتمال أَن يكون من ذريتهم من يؤْمن، وذلك ممَّا لا يليق بالأَنبياء - عليهم الصلاة والسلام.
وعن قتادة ومحمد بن كعب والربيع وغيرهم أَنه عليه السلام ما دعا عليهم إِلا بعد أَن أَخرج الله كل مؤْمن من الأَصلاب وأَعقم أَرحام النساء، وقد استجاب الله دعاءَه، فأَهلك
(1) سورة هود، من الآية:36.
جميع من على وجه الأَرض من الكافرين حتى ولده من صلبه الذي اعتزل عن أَبيه وقال: (سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنْ الْمَاءِ)(1) الآية.
28 -
خص عليه السلام والديه أَولًا بالدعاء بالمغفرة، ثم عمم المؤمنين والمؤمنات؛ لأَنهما أَحق وأَولى نسبًا ودينًا وكانا مؤمنين، ولولا ذلك لم يجز الدعاء لهما بالمغفرة، وقيل: أَراد بهما آدم وحواء.
(وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِي مُؤْمِنًا) قال الضحاك: يعني دخل مسجدي، وبه قال الجمهور وابن عباس، ولا مانع من حمل الآية على ظاهرها، وهو أَنه دعا بالمغفرة لمن دخل منزله وهو مؤمن كما قال ابن كثير، وقيل: المراد بالدعاء لمن دخل سفينته أَو شريعته، وقيد الداخل بكونه مؤمنًا، لأَنه علم أَن من دخل مؤمنًا لا يعود إِلى الكفر، وبهذا القيد خرجت امرأَته، وابنه كنعان، ولكن لم يجزم بخروجه إِلَاّ بعد ما قيل له: إِنه ليس من أَهلك (وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) من كل أُمة إِلى يوم القيامة، وذلك يعم الأَحياءَ منهم والأَموات وهو تعميم بعد تخصيص، واستغْفر ربه عز وجل إِظهارًا لمزيد الافتقار إِليه سبحانه وحبًّا للمستغفر لهم من والديه والمؤمنين. (وَلا تَزِدْ الظَّالِمِينَ إِلا تَبَارًا) قال السدي: إِلا هلاكًا، وقال مجاهد: إِلا خسارًا في الدنيا والآخرة. قيل: هلك معهم أَولادهم أَيضًا لكن لا على وجه العقاب لهم، بل لتشديد عذاب آبائهم وأمهاتهم بهلاك أطفالهم الذين كانوا أَعز عليهم من أَنفسهم، وسئل الحسن عن ذلك فقال: قد علم الله براءَتهم فأَهلكهم بغير عذاب لهم.
وقيل: لم يكن معهم أَطفالهم حين غرقوا؛ لأَن الله سبحانه أَعقم أَرحام نسائهم وأَيبس أَصلاب آبائهم قبل الطوفان بأَربعين أَو سبعين عاما، وقد دعا عليه السلام دعوتين: دعوة على الكافرين بالتبار، ودعوة للمؤمنين بالمغفرة، وحيث استجيبت له الأُولى في حق الكفار، فاستحال أَلَاّ تستجاب له الثانية في حق المؤمنين، وهو سبحانه أَكرم الأَكرمين.
والله أَعلم.
(1) سورة هود: من الآية: 43.