الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عَرَّف به المؤلف مفهومَ الموافقة فالمساوي لا يدخل في اسْمِه وإن كان مثله في الاحتجاج.
وقول المؤلف: "إعطاء" خبر مبتدأ محذوف تقديره: هو، أي مفهوم الموافقة، والمصدر الذي هو المبتدأ يعمل عمل فعله وفعلُه يطلب مفعولين، فأضيف المصدر إلى مفعوله الأول وهو "ما" ومفعوله الثاني: المسكوت عنه. وقوله: "المسكوت" يعني المسكوت عنه. وقوله: "من باب أولى" يتعلَّق بقوله: "إعطاء". وقوله: "نفيًا أو ثبوتًا" مصدران منكَّران حالان من "ما" أي إعطاء ما للفظ في حال كونه منفيًّا أو ثابتًا للمسكوت عنه، وإلى مثل هذا الإشارة بقول صاحب "الخلاصة":
ومصدر مُنكَّرٌ حالًا يقعْ
…
بكثرة كبغتةٍ زيدٌ طلعْ
146 -
وقِيل ذَا فَحوى الخِطَاب والذي
…
سَاوَى بِلَحْنِهِ دعاه المُحْتَذي
يعني أن بعضهم جعل مفهوم الموافقة قسْمَين:
أحدهما: فحوى الخطاب، وهو ما كان المسكوت عنه فيه أولى بالحكم من المنطوق به.
والثاني: لحن الخطاب، وهو ما كان المسكوت عنه فيه مساويًا للمنطوق في الحكم، وهذا هو الحق. وكلُّ واحدٍ من القسمين يكون قطعيًّا وظنّيًّا، فتكون
أقسام مفهوم الموافقة
أربعة من ضرب اثنين في اثنين:
الأول: مفهوم موافقة أَحْروي قطعي، كفهم المجازاة على مثقال الجبل من المجازاة على مثقال الذرة المنصوص في قوله:{فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} [الزلزلة/ 7] الآية. وكفهم الاكتفاء بأربعة عدول من
الاكتفاء باثنين المنصوص في قوله: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} [الطلاق/ 2].
الثاني: مفهوم موافقة أحْروي ظَنِّي، كفهم النهي عن التضحية بالعمياء من نهيه صلى الله عليه وسلم عن التضحية بالعوراء
(1)
. ولم يكن هذا قطعيًّا، لأنَّ العوراء تُوْكَل في المرعى إلى
(2)
نفسها وهي ناقصة البصر فلا ترى كل المرعى، ونقصان بصرها مظنة لنقصان أكلها وذلك مظنة لهزالها، والعمياء يُقَدَّم لها الأكل فيختار لها مثلُ ما تختاره البصيرة لنفسها، فلم يكن عماها مظنة لهزالها كالعوراء، إلا أن هذا الاحتمال بعيد ولكن مَنَعَ القطعَ مع بُعْدِه.
الثالث: مفهوم موافقةٍ مساوٍ قطعي، كفهم حُرمة إحراق مال اليتيم وإغراقه من النهي عن أكله المنصوص في قوله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى} [النساء/ 10] الآية. وكفهم النهي عن البول في إناءٍ وصَبِّه في الماء الراكد من نهيه صلى الله عليه وسلم عن البول فيه
(3)
.
الرابع: مفهوم موافقة مساوٍ ظنيّ، كفهم سراية العتق في الأَمَة المُعْتَق بعضها من قوله صلى الله عليه وسلم:"من أعتق شِرْكًا له في عبد. . . "
(4)
(1)
تقدم تخريجه (ص/ 38 - 39).
(2)
الأصل: على.
(3)
أخرجه البخاري رقم (239)، ومسلم رقم (282) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(4)
أخرجه البخاري رقم (2503)، ومسلم رفم (1501) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
الحديث، ولم يكن هذا قطعيًا لاحتمال أن الشارع له في عِتْق الذكر غرض لم يكن في عتق الأنثى، ككونه يقف في صف القتال، ويولَّى القضاء والإمامة وغير ذلك من الولايات، إلا أن هذا الاحتمال بعيد؛ لأن الذكورة والأنوثة بالنسبة إلى العتق وصفان طرديان لا يُناط بهما حُكْم وإن كانا غير طرديين في بعض الأحكام غير العتق كالميراث والشهادة.
ولحنُ الخطاب مفهومُه، ومنه قوله تعالى:{وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ} [محمد/ 30]، وفحوى الخطاب ما يُفهم من
(1)
اللفظ أيضًا.
147 -
دَلالة الوِفاقِ للقياسِ
…
وهو الجلي تُعْزى لدى أُناسِ
يعني أن جماعةً من الأصوليين منهم الإمام الشافعي جعلوا دلالة مفهوم الموافقة غير لفظية، بل هي عندهم قياس جلي، فالضرب -مثلًا- للوالدين ممنوع بالقياس على التأفيف قياسًا جليًّا. وقس على ذلك
(2)
.
وقول المؤلف: "دلالة" مبتدأ خبره جملة "تُعْزَى". وقوله: "وهو الجلي" جملة اعتراضية، والمراد بـ "الوفاق" مفهوم الموافقة.
148 -
وقيل لِلّفظِ مع المَجازِ
…
وعَزْوُها للنقل ذو جوازِ
يعني أنه قيل: إن دلالة مفهوم الموافقة أي مدلوله تُعْزَى للّفظ والمجاز، فيقال فيها: لفظية مجازية، وعلى هذا فهي مجاز مرسل أطلق فيه الأخصر وأريد الأعم، فعلى هذا فالمراد بالنهي عن التأفيف النهي
(1)
الأصل: منه.
(2)
انظر "الرسالة": (ص/ 513)، و"قواطع الأدلة":(2/ 8).
عن جميع الأذى، فالتأفيف خاص أُرِيْد به عام وهو جميع الأذى، وقِسْ على ذلك.
وقوله: "وعَزْوُها للنقل ذو جواز" يعني أن عزوَ مدلول مفهوم الموافقة للنقل جائز، ومراده بالنقل أن العرفَ اللغويَّ نقل اللفظ من وضعه بثبوت الحكم للخاص إلى وضعه لثبوته للعام، كما نُقِل اسم الغائط عن المكان المنخفض إلى الخارج من الإنسان، وعلى هذا فلفظ التأفيف نقله العرفُ اللغوي إلى النهي عن كل أذى.
149 -
وغيرُ ما مرَّ هو المخالفه
…
ثُمَّتَ تنبيهُ الخطابِ خَالفَه
150 -
كذا دليلٌ للخطاب انضافا
…
. . . . . . . . . . . . .
يعني أن غير ما مر هو مفهوم المخالفة، وما مَرَّ هو مفهوم الموافقة فغيره هو مفهوم المخالفة، ومعنى مفهوم المخالفة: أن المسكوت عنه يخالف حكم المنطوق به، ويُسمى مفهوم المخالفة: تنبيه الخطاب ودليل الخطاب.
. . . . . . . . . . . . . . . . .
…
ودَعْ إذا الساكتُ عنه خافا
151 -
أو جَهِلَ الحُكمَ أو النطقُ انجَلَبْ
…
للسُّؤْلِ أو جَرْيٍ على الذي غَلَبْ
152 -
أو امتنانٍ أو وفاقِ الواقِعِ
…
والجهلِ والتأكيدِ عند السَّامعِ
يعني أن لمفهوم المخالفة موانع تمنع اعتباره:
الأول: الخوف كما لو قال قريبُ عهدٍ بالإسلام لعبده بحضور المسلمين: تصدَّق بهذا على المسلمين، فلا مفهوم لقوله:"على المسلمين" لأنه سكت عن غير المسلمين خوفًا من تهمة النفاق، وهذا
هو معنى قول المؤلف: "ودَعْ إذا السَّاكت" إلخ.
الثاني: جهل المتكلم لحكم المسكوت عنه كما لو قال مفتٍ يجهل حكم زكاة المعلوفة: في السّائمة زكاة، فلا مفهوم له؛ لأنه إنما سكت عن المعلوفة لجهله حكمها، وهذا معنى قوله:"أو جَهِلَ الحكمَ"، وهو فعلٌ ماض.
الثالث: كونه جوابًا لسؤال كما لو سئل أحد عن السائمة فقال: فيها زكاة، فلا مفهوم له، لأن تخصيص السائمة بالذكر إنما هو لأجل مطابقة السؤال، وهو معنى قوله:"أو النُّطِق انجلْب للسؤل".
الرابع: كونه جاريًا مجرى الغالب، كقوله تعالى:{وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ} [النساء/ 23] فلا يدل على أنها إن لم تكن في الحجر لا تحرم، لأنه خَرَجَ مخرجَ الغالب، لأن الغالب في الربيبة أن تكون في حجر زوج أمها، وعلى هذا جمهور العلماء، وهو معنى قوله:"أو جَرْيٍ على الذي غلب" بخفض "جَرْيٍ" عَطْفًا على "السؤْل" أي: والنطق انجلب لسؤالٍ أو جريٍ على الغالب.
الخامس: الامتنان، كقوله تعالى:{لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا} [النحل/ 14] فلا يدل على منع القديد، لأن تخصيص الطَّريّ بالذكر لأنه أنسب إلى الامتنان، وهذا معنى قوله:"أو امتنانِ" بالجر أيضًا عطف على قوله: "للسُّؤْلِ".
السادس: موافقة الواقع، كقوله تعالى:{لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران/ 28] لأنه نزل في قوم والَوا اليهودَ دون
المؤمنين، فنزلت الآية ناهية عن نفس الصورة الواقعة من غير قصد التخصيص بها، بل موالاة الكفار حرام مطلقًا، وهذا هو معنى قوله:"أو وفاق الواقع".
السابع: جهل السامع للمنطوق دون المفهوم، كما لو قلت لإنسانٍ يعلم أن جمعَ الأختين بنكاح حرام، ويجهلُ حرمةَ جمعهما في الوطء بملك اليمين: جَمْعُ الأختين بملك اليمين حرام، فلا يُفْهم منه أن جمعهما بالنكاح غير حرام؛ لأن التخصيص بالذكر لجهل السامع حكم المنطوق دون المفهوم، وهذا معنى قوله:"والجهل" ويتعلق بقوله: "والجهل" قوله: "عند السامع" ولا تكرار بين هذا وبين قوله: "أو جهِلَ الحكم" لأن الجهل في الأول جهل المتكلم وفي الثاني جهل السامع.
الثامن: التأكيد للسامع كقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يحلُّ لامرأةٍ تؤمن باللَّه واليوم الآخر أن تحد على ميت. . . "
(1)
الحديث؛ لأن قوله صلى الله عليه وسلم: "تؤمن باللَّه واليوم الآخر" لتأكيد النهي والتغليظ فيه، فلا يُفْهم منه أن المرأة التي لا تؤمن باللَّه يحل لها ذلك، وقول المؤلف "عند السامع" راجع للجهل والتأكيد معًا كما تقدم.
153 -
ومقتضى التخصيص ليس يَحظُلُ
…
قَيْسًا وما عُرِضَ ليس يَشمُلُ
مراده بـ "مقتضي التخصيص" الأمور الثمانية التي ذكرنا أنها تمنع اعتبار مفهوم المخالفة، فالخوف -مثلًا- اقتضى تخصيص المسلمين دون
(1)
أخرجه البخاري رقم (1280)، ومسلم رقم (1486) من حديث أم حبيبة رضي الله عنها.
غيرهم، والجهل اقتضى تخصيص المتكلم ما يعلمه دون ما يجهله، والسؤال اقتضى تخصيص المسؤول عنه لمطابقة الجواب له، وقس على ذلك.
فإذا عرفتَ ذلك فمعنى البيت: أن مقتضى التخصيص وإن مَنَع اعتبارَ مفهوم المخالفة فإنه لا يمنع المسكوت عنه على المنطوق إذا كان بينهما جامع، أي علة يصح بها القياس، فقوله تعالى:{وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا} [فاطر/ 12] مثلًا لما كان الطرِيّ أنسب للامتنان، واقتضى ذلك تخصيصه بالذكر، فلا يمنع من قياس القدِيد على الطري لعدم الفارق المؤثِّر بينهما. وهذا المثال مبنيٌّ على القول بأن الإلحاق بنَفْي الفارق قياس، ويسمى: القياس في معنى الأصل.
وقوله -مثلًا-: {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ} [آل عمران/ 28] الآية كونها نزلت في واقعةٍ اقتضى تخصيصها بتلك الواقعة، فمنع اعتبار مفهوم المخالفة، ولكن لا يمنع قياس المسكوت عنه وهو موالاة الكفار والمؤمنين معًا على المنطوق وهو موالاة الكافرين من دون المؤمنين؛ لأن العلة في مَنْع الموالاة الكفر وهي موجودة في الفرع كوجودها في الأصل، وقس على ذلك.
وقول المؤلف: "وما عُرِض" بالبناء للمفعول، ومراده به لفظ المنطوق، فعبَّر عن اللفظ بما عُرِض؛ لأنه معروض أي موصوف بالعوارض العارضة له، كالتقييد بصفة أو نحوها، ومعناه: أن لفظ المنطوق لا يشمل المسكوت عنه حتى يستغني بشموله له عن القياس، وهذا هو الحق. والقولُ بأنه يشمله بعيد، إذ لا يخفى أن الغنم السائمة لا تشمل
المعلوفة، والطري لا يشمل القديدَ، واتخاذ الكفار من دون المؤمنين لا يشمل اتخاذهم مع المؤمنين وهكذا.
154 -
وهْوَ ظرفٌ عِلَّةٌ وَعَدَدُ
…
ومنه شرطٌ غايةٌ تُعتمدُ
يعني أن مفهوم المخالفة أقسام:
الأول: مفهوم الظرف زمانيًّا أو مكانيًّا، فالزمانيُّ نحو قوله:{الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} [البقرة/ 197] فيفهم منه أنه لا حج في غيرها، والمكانيُّ نحو قوله:{وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} [البقرة/ 187] يُفهم منه أن الاعتكاف لا يصح في غير المساجد، وبه قال بعض العلماء.
الثاني: مفهوم العلة نحو: "أَعْط السَّائل لحاجته" يفهم منه أن غير المحتاج لا يُعطى، ومفهوم العلة نوع من مفهوم الصفة، والصفة أعم لأنها قد تكون مكمِّلة للعلة لا علة مستقلة كالسَّوْم عند من يقول بأن لا زكاة في المعلوفة؛ لأن السَّوْم ليس عِلَّة الزكاة، ولو كان علة تامة لوجبت الزكاة في الوحوش لأنها سائمة، ولكن العلة نعمة الملك وهي مع السوم أتم.
الثالث: مفهوم العدد، نحو قوله تعالى:{فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} [النور/ 4] أي لا أكثر.
الرابع: مفهوم الشرط، كقوله تعالى:{وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ} [الطلاق/ 6] يُفهم منه أنهنَّ إن كنَّ غير أولات حمل لا يجب الإنفاقُ عليهن.
الخامس: مفهوم الغاية، كقوله تعالى:{فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة/ 230] يُفْهم منه أنها إن نكحت زوجًا غير الأول
حلَّت له أي الأول. وقول المؤلف: "تُعْتَمَد" بالبناء للمفعول، ونائبه ضمير الغاية أي يُعْتمد عليها في الاحتجاج، وجملةُ الفعل نعت لغاية.
155 -
والحصرُ والصفةُ مثلُ ما عُلِمْ
…
من غَنَمٍ سامَتْ وسائمِ الغنمْ
يعني أن النوع السادس من أنواع مفهوم المخالفة: مفهوم الحصر، نحوُ:{إِيَّاكَ نَعْبُدُ} [الفاتحة/ 5] فإن الحصر المدلول عليه بتقديم المعمول يُفهم منه عدم عبادة سواه جل وعلا.
وأن السابع من أنواع مفهوم المخالفة: مفهوم الصفة، والمراد بها عند الأصوليين: لفظٌ مُقَيِّد لآخر ليس شرطًا ولا غاية ولا استثناء، ويدخل فيها الحال لأنها وَصْفٌ لصاحبِها قَيْدٌ لعامِلِها، نحو:"أحْسِن إلى العبد مطيعًا واضربه مُسيئًا" فإنه يُفهم من الأول عدمُ الإحسان إن لم يطع، ومن الثاني عدم الضرب إن لم يعص، وسواء تقدمت نحو:"في سائمة الغنم الزكاة" أو تأخرت نحوُ: "في الغنم السائمة زكاة"
(1)
وإليه الإشارةُ بقوله: "من غنمٍ سامَت وسائمِ الغنم". وقوله: "عُلِم" بالبناء للمفعول.
فإن قيل: النعت لمجرد المدح أو الذم صفة لا مفهومَ لها. فالجواب: أن الاحتراز عنها وقع بأن المراد بالصفة لفظ مخصّصٌ. . . إلخ، وما كان لمجرد المدح أو الذم لا تخصيصَ فيه.
156 -
معلوفةُ الغَنَمِ أو ما يُعلَفُ
…
الخلْفُ في النَّفْي لأيٍّ يُصرَفُ
(1)
جاء في كتاب أبي بكر لأنس لما وجَّهَه عاملًا على البحرين: "وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومئة شاة. . " أخرجه البخاري رقم (1454).
يعني أنهم اختلفوا في المقيد بقيد، هل يرجع النفي والإثبات إليهما معًا -أعني القيد والمقيد- أو يرجعان للقيد فقط؟ فالغنم السائمة في قول المؤلف:"من غنم سامت وسائم الغنم" قُيِّدت بالسَّوْم، فعلى أن النفيَ والإثبات يرجعان لهما معًا فمفهوم قولك:"في الغنم السائمة زكاة" أن الغنم المعلوفة لا زكاة فيها لمراعاة القيد والمقيد معًا في المفهوم. وعلى أنهما راجعان للقيد فقط فمفهوم: "في الغنم السائمة زكاة" أن غير السائمة مطلقًا لا زكاة فيه، غنمًا كان أو إبلًا أو بقرًا لأن النظر على هذا القول إلى خصوص القيد الذي هو السَّوْم دون المقيَّد الذي هو الغنم في المثال.
وقول المؤلف: "معلوفةُ الغنم" مبتدأ والموصول عطف عليه. وقوله: "يُعلَف" بالبناء للمفعول. وقوله: "الخُلْف" مبتدأ آخر والمجرور بعده خبره، والمبتدأ الآخر وخبره خبر الأول، والضمير الرابط في الجملة الخبرية بينها وبين المبتدأ محذوف لدلالة المقام عليه؛ لأن التنوين في قوله:"أيٍّ" عِوَض عنه، وتقرير المعنى: الخُلْف في النفي لأيهما يصرف؛ هل هو معلوفة خصوص الغنم نظرًا إلى القيد والمقيَّد، أو هو المعلوفة مطلقًا ولو كانت إبلًا وبقرًا نظرًا إلى القيد دون المقيَّد.
157 -
أضعفها اللَّقَبُ وهو ما أُبي
…
من دونِه نظمُ الكلامِ العربي
يعني أن أضعف أنواع [مفهوم] المخالفة هو مفهوم اللَّقب، وضابط اللقب: هو الاسم الجامد كأسماء الأجناس، والعَلَم بأنواعه الثلاثة، وأسماء الجموع. وجمهور العلماء على أن اللقب لا مفهوم له، وهو الحق، وربَّما كان اعتباره كفرًا، فقوله تعالى:{مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ}
[الفتح/ 29] الآية -مثلًا- لو قال أحد فيه بمفهوم اللقب فقال: يُفهم منه أن غير رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لم يكن رسولًا، فإنه يكفر بالإجماع. وقيل باعتباره، وهو قول الصيرفي، والدقَّاق، وابن خويز منداد، وبعض الحنابلة
(1)
.
وقول المؤلف: "وهو ما أُبي من دونه" إلخ، كأنه يشير إلى جواب عن سؤال، وإيضاحُه أن يقال: لو لم يكن لِلَّقب مفهومًا
(2)
لما كان في تخصيصه بالذكر فائدة كما عللوا به مفهوم الصفة.
والجواب: بأن اللقب ذُكِر ليسند إليه الحكم فقط إذ لا يمكن إسناد خبريّ بدون مسند إليه، وذلك هو معنى قوله:"وهو ما أُبي من دونه نظم الكلام العربي".
واعلم أن التحقيق عدم اعتباره، وعدم الفرق بين العَلَمِ واسم الجنس خلافًا لمن قال باعتباره مطلقًا، ولمن قال باعتباره في اسم الجنس دون العَلَمِ.
فإن قيل: جاء عن مالك -رحمه اللَّه تعالى- ما يدلُّ على اعتبار مفهوم اللقب، وذلك أنه قال باشتراط النهار في الأضحية وأنها لا تُجزئ إن ذُبِحت ليلًا، مستدلًّا بمفهوم قوله تعالى:{وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ}
(3)
[الحج/ 28] الآية، والأيام جمع يوم،
(1)
انظر "جمع الجوامع": (1/ 254 - مع حاشية البناني).
(2)
كذا في الأصل، وصححت في الهامش بخط مغاير: مفهومٌ.
(3)
انظر "التهذيب في اختصار المدونة": (2/ 43)، و"بداية المجتهد":(1/ 509)، و"الجامع لأحكام القرآن":(12/ 30).
وهو اسم جنس لزمان النهار.
فالجواب: أنه مفهوم ظرف لا مفهوم لقب، وقد قدمنا اعتبار مفهوم الظرف.
158 -
أعلاه لا يُرشِد إلا العُلَما
…
. . . . . . . . . . . . .
يعني أن أعلى -أي أقوى- مفاهيم المخالفة مفهوم الحصر بأداة النفي والإثبات نحوُ: "لا إله إلا اللَّه"، ومَثَّل له المؤلف بقوله:"لا يرشد إلا العلما" فمنطوقه عند الأصوليين نفي الإرشاد عن غير العلماء، ومفهومه إثبات الإرشاد لهم. ومذهب البيانيين عكس هذا، والتحقيق أن الكل منطوق، لأن النفيَ منطوقٌ صريح
(1)
والإثبات كذلك كما لا يخفى
(2)
.
. . . . . . . . . . . .
…
ما لِمَنْطوقٍ بضَعْفٍ انتمى
يعني أن المرتبة الثانية في القوة من مراتب مفهوم المخالفة هو ما قيل فيه: إنه منطوق بالإشارة قولًا ضعيفًا كمفهوم "إنما" ومفهوم الغاية، فإنهما يليان النفي والإئبات في القوة كقوله:{إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (7)} [التحريم] يُفْهَم منه أن الإنسان لا تُوزَن له حسنة لم يعملها ولا سيئة لم يعملها، وقوله:{حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة/ 230] يُفهم منه حِلِّيتها له إن نكحت غيره، وممن قال بأن مفهومَ "إنما" والغاية منطوقٌ القاضي أبو بكر الباقلاني
(3)
. وهذا القول بناءً على كون المنطوق منه غير صريح
(1)
الأصل والمطبوعة: صريحًا.
(2)
انظر "نشر البنود": (1/ 98).
(3)
انظر "النشر": (1/ 98).
كما تقدم.
159 -
فالشرط فالوصفُ الذي يناسبُ
…
فمطلَقُ الوصف الذي
(1)
يقاربُ
160 -
فعددٌ ثَمَّتَ تقديمٌ يلي
…
وَهُوَ حجَّةٌ على النَّهْجِ الجَلي
يعني أن المرتبة الثالثة في القوة من مراتب مفهوم المخالفة هي: مفهوم الشرط نحو: {وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ} [الطلاق/ 6] كما تقدم، وإنما كان بعد مفهوم الغاية، و"إنما" لأن مفهوم الشرط لم يُنْقل أنه منطوق بخلافهما كما تقدم.
وأن المرتبة الرابعة: مفهوم الوصف المناسب للحكم، وسيأتي للمؤلف تعريف المناسب بأنه ما تتضمَّن إناطةُ الحكم به مصلحة نحو:"في الغنم السائمة زكاة"
(2)
. ووجه مناسبة الوصف بالسوم أن الموجب للزكاة نعمة الملك وهي مع السوم أتم، وإنما تأخر هذا عن مفهوم الشرط لأن بعض القائلين به -أي مفهوم الشرط- خالفَ في مفهوم الوصف المناسب
(3)
.
وأن المرتبة الخامسة: مفهوم الوصف الذي لم تظهر له مناسبة، كما لو قال: في الغنم العُفْر زكاة، فإناطة الحكم بوصف "العفر" لا تظهر مناسبته.
قال مُقَيِّده عفا اللَّه عنه: مثل هذا المثال وصف طَرْدي لا تصلح
(1)
في نسخة: ما.
(2)
تقدم تخريجه.
(3)
كما هو قول ابن سُرَيج وغيره، انظر "البحر المحيط":(4/ 14، 37).
إناطة الأحكام به في المعاملات، وأما التعبديَّات فلا يشترط فيها ظهور العلة، ولذلك مَثَّلوا به في الزكاة لأنها تعبدية
(1)
، فلو فُرِض أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"في الغنم العُفْر زكاة"، لقال العلماء بأن غير العفر لا زكاة فيها، وإن كانت مناسبة الوصف بالعفر غير ظاهرة.
وأن المرتبة السادسة: مفهوم العدد نحو: {فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ} [النور/ 4]، ووجوب الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة سبعًا وإنما تأخر العدد عما قبله لأن قومًا من القائلين بمفهوم الوصف أنكروا مفهوم العدد.
وأن المرتبة السابعة: مفهوم تقديم المعمول، فإنه يُفهم منه الحصر كقوله تعالى:{إِيَّاكَ نَعْبُدُ} [الفاتحة/ 5] يُفهم منه عدم عبادة غيره.
وفائدة التفاوت في القوة تقديم الأقوى عند التعارض.
وقول المؤلف: "وهو حجة على النهج
(2)
الجلي" يعني أن مفهوم المخالفة حجة على القول المشهور، وهو مذهب الجمهور، وخالف الباقلانيُّ في مفهوم الشرط، وأبو حنيفة في جميع أنواع مفهوم المخالفة، وأنكره مطلقًا قومٌ في الخبر دون الإنشاء، وأنكره السبكيُّ
(3)
في غير الشرع، وإمام الحرمين الصفة التي لا تناسب
(4)
، وقومٌ العدد.
* * *
(1)
انظر ما تقدم عند البيت رقم (116).
(2)
الأصل: القول.
(3)
أي: تقي الدين، حكاه عنه ابنه في "الجمع":(1/ 255).
(4)
انظر "البرهان": (1/ 309 - 310).