الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كأوقات الصلاة، والمضيَّق هو: ما لا يزيد على قدر ما تُفْعَل فيه العبادة كرمضان. والتحقيق أن الوقت الموسَّع جائز عقلًا وواقع شرعًا.
فإن قيل: وجوب الصلاة في أول الوقت لا يُعقل مع جواز تأخيرها لآخر الوقت، فما جاز تركه في وقت لا يعقل كونه واجبًا فيه.
فالجواب: أنَّ الصلاة واجبة في حِصَّة من حِصَص الوقت غير معينة، كما أن الواجب في خصال الكفارة واحد من ثلاثة أشياء غير معين.
82 -
وضدُّه القضا تداركًا لِما
…
سَبْقُ الذي أوجبَه قد عُلِما
"القضاء" لغةً: إتمام الشيء والفراغ منه ولو في وقته كقوله: {فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ} [النساء/ 103]، {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ} [البقرة/ 200]، {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ} [الجمعة/ 10].
وفي الاصطلاح هو: فعل العبادة كلّها خارج الوقت المقدَّر لها -على الصحيح الأداء- في حال كون ذلك الفعل تدارُكًا لشيءٍ عُلِمَ
تقدُّمُ ما أوجب فعله في خصوص وقته، وتدارك الشيء الوصول إليه، وسيأتي لهذا زيادة إيضاح.
83 -
من الأداء واجبٌ وما مُنِعْ
…
ومنه ما فيه الجواز قد سُمِعْ
يعني أن
الأداء له ثلاث حالات:
الأولى: أن يكون واجبًا كأداء الصلاة في وقتها ممن لم يقم به مانع، وتدارك مثل هذا بعد الوقت لا إشكال في كونه قضاءً.
الثانية: أن يكون ممنوعًا كصوم الحائض، وتسمية تداركه قضاء قيل: مجاز؛ لأنه لم يتقدم له وجوب، وقيل: قضاء حقيقةً بناءً على أن
القضاء يكفي فيه انعقاد سبب الوجوب وإن منع منه مانع كما يأتي إيضاحه إن شاء اللَّه.
الثالثة: أن يكون جائزًا كأداء المسافر للصوم، فتسميةُ تدارك هذا قضاءً قيل: مجاز نظرًا إلى التخيير في وقت الوجوب، وقيل: قضاء أيضًا حقيقة نظرًا لانعقاد سبب الوجوب بدخول رمضان وإن منع منه مانع السفر في رمضان.
84 -
واجتمع الأداء والقضاءُ
…
وربَّما ينفردُ الأداء
85 -
وانتفيا في النفل. . . .
…
. . . . . . . . . . .
يعني أن من العبادات ما يُوصَفُ بالأداء والقضاء معًا كالصلوات الخمس، ومنها ما يختص بالأداء ولا يُقْضَى كالجمعة فإنها لا تقضى إلَّا ظهرًا، ومنها ما لا يوصف بقضاء ولا أداء كمطلق النفل.
. . . . . . . . . . . والعبادَه
…
تكريرها لو خارجًا إعاده
86 -
للعذر. . . . . . . . .
…
. . . . . . . . . . . . .
يعني أن فعل العبادة مرة أخرى هو الإعادة في الاصطلاح سواء أعيدت في الوقت أم لا، وسواء أعيدت لخلل أو لطلب فضل الجماعة.
وقوله: "للعذر" يعني أن التكرار لابد أن يكون لعذر من خلل فيها أو تحصيل مندوب. والإعادة لغة هي: فعل الشيء ثانيًا، ومنه قول توبة
(1)
:
(1)
نُسِب البيت لغير واحد منهم كثيِّر والعوام بن عقبة، وهو بلا نسبة في "الكامل": =
من الخَفِرات البيض وَدَّ جليسُها
…
إذا ما انقضت أُحدوثة لو تعيدها
يعني تحدِّث بها مرة أخرى.
86 -
. . . . . . والرُّخصَّةِ حكمٌ غُيِّرا
…
إلى سهولة لعذر قُرِّرا
87 -
مع بقاء
(1)
علَّةِ الأصليّ
…
وغيرُها عزيمةُ النَّبيّ
يعني أن الرخصة في الاصطلاح هي حكم غُيِّر من صعوبة إلى سهولة لعذرٍ مع قيام سبب الحكم الأصليّ، فخرج بقَيْد التغيير ما كان باقيًا على أصله كالصلوات الخمس وهي عزيمة. وخرج بقيد السهولة ما غُيِّر إلى أصعب أو إلى مساوٍ، وهما النسخ. فمثال ما غُيِّر إلى صعوبة: تغيير حكم التخيير بين صوم رمضان وبين الإطعام المنصوص عليه بقوله: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ} الآية [البقرة/ 184]. فالتخيير الذي هو أسهل غُيِّر إلى ما هو أصعب منه، وهو تعيين الصوم المنصوص في قوله:{فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة/ 185]. ومثال ما غُيِّر إلى مساو: اسْتقبال بيت المقدس غُيِّر إلى اسْتقبال البيت الحرام، وهما في الصعوبة وعدمها سواء.
وخرج بقيد "لِعُذْرٍ" ما تغير إلى سهولة لكن لا لعذر، كتغيير الوضوء لكل صلاة بما هو أسهل منه وهو أن يصلي بوضوئه ما شاء حتى ينتقض، لكنَّ هذا لا لعذرٍ طرأ بل حالة التغيير كحالة ما قبل التغيير فلا يُسمَّى رخصة.
= (2/ 804)، و"الأشباه والنظائر":(1/ 198) للخالديين، و"الأمالي":(1/ 84) للقالي.
(1)
كذا في الأصل وط: قيام.
وخرج بقيد قيام السبب الأصلي تغييرُ وجوب مصابرة الواحد من المسلمين عشرة من الكفار إلى مصابرته اثنين؛ لأن سبب الحكم الأول قلة المسلمين وقد زالت بعد ذلك بكثرتهم، وعذرها مشقة المصابرة
(1)
وهذا نسخ.
وقوله: "وغيرها عزيمة النَّبِيِّ"، يعني أن ما سوى الرخصة فهو عزيمة ما لم يتغير أصلًا، أو تغيَّر إلى صعوبة، أو إلى سهولة لا لعذر أو لعذر لا مع قيام السبب للحكم الأصلي، هذا مراده، ولا يصح على إطلاقه لما علمتَ من أن التغيير إلى أصعب أو إلى مساو أو إلى أسهل مع [عدم] قيام سبب الأصلي كلها قد يكون نسخًا، فالتحقيق وجود الواسطة بين الرخصة والعزيمة. والرخصة لغة: من الرَّخْص، وهو الليِّن الناعم، والعزيمة لغة: القصد المصمِّم.
88 -
وتلك في المأذون جزمًا توجدُ
…
وغيره فيه لهم تردُّدُ
يعني أن الرخصة تكون في المأذون بلا نزاع، ومراده بالمأذون ما لم يُنْهَ عنه مطلقًا، وذلك هو الواجب والمندوب والجائز، ومراد المؤلف أن فعل الرخصة يكون واجبًا، ومندوبًا، وجائزًا بلا نزاع، ومثال الرخصة الواجبة: أَكْلُ المضطر الميتة إذا خاف الهلاك، فهو واجب لوجوب حفظ النفس من الموت. ومثال المندوب: قَصْر الصلاة في السفر، فهي رخصة مسنونة، والإفطار في السفر عند من يرى الندبية. ومثال الجائزة: السَّلَم الذي هو بيعُ موصوفٍ في الذمة.
(1)
ط: زيادة المذكورة.
وقوله: "وغيره فيه لهم تردُّدُ" يعني أن غير المأذون وهو المكروه بقسميه والحرام هل يكون متعلق الرخصة أم لا؟ ومن هنا اختلف العلماء في العاصي بسفره هل يرخَّص له في قصر الصلاة وأكل الميتة وفي جواز التيمم في السفر المكروه؟ والصحيح عند المالكية هو ما رجَّحه سَنَدٌ
(1)
والقرطبي وابن عبدِ السلام وابن مرزوق من الجواز مطلقًا
(2)
.
89 -
وربما تجي لما أُخرج مِنْ
…
أصلٍ بمطلقِ امتناعه قَمِنْ
يعني أن الرخصة ربما أُطْلِقت على ما اسْتُثني من أصل كُلِّيّ يقتضي المنع، كضرب الدِّية على العاقلة، فإنه مُسْتَثنى من أصلٍ هو:{وَلَا تَزِرُ وَازِزُةٌ وزْرَ أُخرَى} [الأنعام/ 164] فهو أصل كُلِّيّ يقتضي منع تغريم العاقلة جناية غيرها، لكنه اسْتُثني من هذا الأصل، فمثله قد تطلق عليه الرخصة، وكبيع العرية ونحو ذلك.
وقول المؤلف: "قمن" نعت لقوله: "أصل". وقوله: "بمطلق امتناعه" متعلِّق بـ "قمن" بمعنى جدير، وتقريره: ما أخرج من أصل جدير بامتناع ذلك المُخْرج لو لم يُخرجه الشرع، ومراده بالإطلاق سواء كان الإخراج لعذر شاق أم لا، فالعذر الشاق كخوف الموت إن لم يأكل الميتة، والعذر الغير الشاق كالسَّلَم وضرب الدية على العاقلة ونحو ذلك.
(1)
هو سند بن عنان بن إبراهيم بن حريز بن الحسين بن خلف أَبو علي الأزدي من فقهاء المالكية، له شرح المدونة سماه الطراز (ت 541 هـ). انظر، "الديباج المذهب":(ص/ 126 - 127).
(2)
انظر "النشر": (1/ 52).
90 -
وما به للخبر الوصولُ
…
بنظرٍ صحَّ هو الدليلُ
يعني أن الدليل في اصطلاح الأصوليين هو ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبريّ. فقولهم: يمكن، يُفْهم منه أنَّه يسمَّى دليلًا ولو لم يُنظر فيه فالعبرة بالإمكان لا بالإطلاق، والمراد بالخبريّ، ما يتضمَّن نسبة خبرية كجملة فعلية أو اسمية، واحتُرِز به من غير الخبريّ، فإن الموصل إلى غير الخبريّ هو المعروف بالمُعَرِّفات وهي الحدود والرسوم. والنظر يأتي له تعريفه.
واحترز بقوله: "صحَّ" من الفاسد إذ لا يمكن التوصل به إلى المطلوب. والدليل في اللغة: فعيل بمعنى فاعل من الدلالة وهي الإرشاد، واصطلاحًا: فهم أمرٍ من أمرٍ، أو كون أمر بحيث يفهم منه أمرٌ فُهم أو لم يفهم، ولا يكون الدليل عند الأصوليين إلَّا مركبًا.
91 -
والنَّظرُ الموصلُ من فكرٍ إلى
…
ظنٍّ بحكمٍ أو لعلمٍ مُسْجلا
يعني أن النظر في الاصطلاح
(1)
هو الفكر المؤدِّي إلى علم أو ظن، فإن كانت المقدمات يقينية أيد العلم، وإن كانت ظنية أفاد الظنّ.
والفكر حركة النفس في المعقولات، أما حركتها في المحسوسات فتخييل، فَـ "مِنْ" من قوله:"مِنْ فكرٍ" بيانية بيَّنت الموصِل وهو الفكر، كقوله:{فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ} [الحج/ 30] والأوثان هي الرجس. وقوله: "أو لعلم" أي أو الموصل لعلم. وقوله:
(1)
ط: الأحكام.
"مُسْجَلًا" أي مطلقًا، ومراده بالإطلاق: سواء كان العلم بذات أو نسبة.
92 -
الإدراك من غير قضًا تصَوُّرُ
…
ومَعْه تصديقٌ وذا مُشتَهِرُ
اعلم أولًا أن الإدراك في الاصطلاح هو: وصول النفس إلى المعنى بتمامه، فإن وصلت إليه لا بتمامه فهو الشعور، ومعنى كلام المؤلف أن النفس إذا وصلت إلى المعنى من غير قضاء عليه أي حكم عليه بإثبات شيء له أو نفيه عنه، كوصولها إلى معنى الحلاوة والمرارة والبياض والسواد، فهذا يمسى تصورًا، وهو تفعُّل من الصورة، لأن المدْرِك لحقائق الماهيات تنطبع صورها في مرآة ذهنه.
وقوله: "ومعه تصديق" يعني أن الإدراك مع القضاء على الموضوع بالمحمول يُسمى تصديقًا، ومراده أن النفس إذا وصلت إلى إدراك المحكوم عليه والمحكوم به، والنسبة الحكمية التي هي مَوْرِدُ الإيجاب والسلب، وكونها واقعة بالفعل، أو غيرُ واقعة، فهذه الإدراكات الأربعة هي التصديق، وعليه فالتصديق مركب من أربعة تصورات، ومذهب الحكماء أن التصديق هو التصور الرابع والثلاثة قبله شروط فيه، وعليه فهو بسيط، فالكل متفق على أن التصديق لا يمكن إلَّا بعد أربعة تصورات وهي: تصور الموضوع والمحمول، والنسبة الحكمية من غير إثبات لها ولا نفي كما يقع من الشاكِّ، وتصور وقوعها، بالفعل أو عدم وقوعها، إلَّا أن من يقول: التصور مركب يقول: إن توقفه على التصورات الثلاثة الأُول من توقف الماهية على أركانها، ومن يقول: هو بسيط يقول: هو من توقف الماهية على شرطها.
واعلم أنهم اختلفوا في الحكم هل هو سلب النسبة أو إيجابها فيكون فعلًا، أو اعتقاد سلبها أو إيجابها فيكون انفعالًا، ولا طائل تحت هذا الخلاف.
وقول المؤلف: "وذا مشتهر" يعني أن المشهور هو كون التصديق مركبًا من التصورات
(1)
الأربعة المتقدمة، ومذهب قدماء المناطقة خلافه، وإنما سُمِّي إثبات المحمول للموضوع أو نفيه عنه تصديقًا، لأنه خبر والخبر لذاته يحتمل التصديق والتكذيب فسمَّوه تصديقًا من التسمية بأشرف الاحتمالين.
93 -
جازمُه دون تغيُّرٍ عُلِمْ
…
علمًا وغيره اعتقادٌ ينقسم
94 -
إلى صحيحٍ إن يكن يُطابقُه
…
أو فاسدٍ إن هو لا يوافقه
(2)
الضمير في قوله: "جَازِمُهُ" للقضاء بمعنى الحكم، يعني أن الحكم بنسبة المحمول إلى الموضوع إذا كان جازمًا لا يمكن تغييره ولا التشكيك فيه بحال، كالحكم بأن الواحد نصف الاثنين، وأن الكُلَّ أكبر من الجزء يسمى في الاصطلاح علمًا. وإن كان جازِمُه يحتمل التشكيك فهو اعتقاد مطابق إن طابق الحق، وفاسد إن خالف الحق، كاعتقاد الفلاسفة قدم العالم وإن كانوا لا يشكون فيه؛ لأنه في الواقع قابل للتشكيك.
95 -
والوهْمُ والظنُّ وشكٌ ما احْتَملْ
…
لراجحٍ أو ضدِّه أو ما اعتدلْ
(1)
ط: التصديقات.
(2)
المطبوعات: يطابق، يوافق.
يعني أن الحكم إذا كان غير جازم بأن كان معه احتمالُ نقيض المحكوم به من وقوع النسبة أو عدمه ينقسم إلى وهْمٍ، وظنٍّ، وشكّ، فالوهم هو: الحكم بالشيء مع احتمال نقيضه احتمالًا راجحًا، كالحكم بكذب العدل في خبره؛ لأن الراجح من الاحتمالين صدق العدل لا كذبه. والظن ضد الوهم بأن احتمل النقيض احتمالًا مرجوحًا كالحكم بصدق العدل في خبره. والشك: ما احتمل النقيض مع تساوي الاحتمالات كالحكم بصدق مجهول الحال في خبره.
وقيل في الوهم والشك: إنهما ليسا من التصديق إذ الوهم ملاحظة المرجوح، والشك التردد في الوقوع وعدمه، والتحقيق: أن الواهم حاكم بالطرف المرجوح حكمًا مرجوحًا، وأن الشاكَّ إن كان شكه لتعارض الأدلة فهو حاكم بالتردد، وإن كان لعدم النظر فهو غير حاكم، ومن هنا اختلف في الوقف هل يُعد قولًا أو لا؟
فإذا عرفتَ حدَّ الوهم والظن والشك فاعلم أن اتباع الوهم حرام، واتباع الظن في العقائد حرام أيضًا، واتباعه في الفروع العمليَّة جائز إن لم يمنع منه مانع شرعيّ، كالقضاء بشهادة عدل واحد، وإن غلب على الظنِّ صدقه فهو مما قدم فيه النادر على الغالب، والشك ساقط الاعتبار إلَّا في النادر كالنضح من الشكِّ في إصابة النجاسة.
96 -
والعلم عند الأكثرين يختلف
…
جزمًا. . . . . . . . . . .
يعني أن عِلم المخلوقات يتفاوت في جزئياته، فالعلم مثلًا بأن الواحد نصف الاثنين أقوى من العلم الحاصل بالتواتر، وعلمه صلى الله عليه وسلم لا
يساوي علمنا، وحق اليقين أقوى من عين اليقين، وعين اليقين أقوى من علم اليقين
(1)
.
. . . . . . . . . . . . . .
…
. . . .وبعضهم بنفْيهِ عُرِفْ
97 -
وإنما له لدى المُحقِّقِ
…
تفاوتٌ بحسب التعلُّق
98 -
لما لَه من اتّحادٍ مُنْحتِمْ
…
معَ تعدُّدٍ لمعلومٍ عُلِمْ
يعني أن بعض المتكلمين نفى تفاوت العلم في جزئياته قائلًا: إن العلم الحادث انكشاف واحد فضرورِيُّه ونظرِيُّه بالنسبة إلى الجزم وعدم إمكان التشكيك سواء، وإنَّما يتفاوت عندهم بكثرة المتعلَّقات، فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام علموا من صفات اللَّه ما لم يعلمه غيرُهم، لأن العلم عندهم
(2)
صفة واحدة متعلقاتها متعددة، وذلك هو معنى قوله:"لماله من اتحاد منحتم مع تعدد لمعلوم"، والتحقيق أن العلم يتفاوت في نفسه وهو مذهب أهل السنة والجماعة، ولا شك أن علم النبي صلى الله عليه وسلم بمسألة يعلمها عوام المؤمنين أقوى من علم العوام في نفس القدر الذي علمه العوام وهو واضح.
99 -
يُبنى عليه الزَّيْدُ والنقصانُ .... هل ينتمي إليهما الإيمانُ
يعني أن الخلاف في العلم هل يتفاوت في نفسه بالقوة في الجزم يُبْنَى عليه الخلاف في نقص الإيمان -بمعنى التصديق- وزيادته.
(1)
انظر "النشر": (1/ 57).
(2)
أي بعض المتكلمين.
والتحقيق أنَّه يزيد وينقص كما صرحت به الآيات القرآنية بالنظر إلى نفس التصديق، وبالنظر إلى زيادة الأعمال أيضًا ونقصانها.
100 -
والجهلُ جافي المذهَب المحمود
…
هو انتفاءُ العلمِ بالمقصود
يعني أن الجهل -في المذهب الصحيح- هو انتفاء العلم بما شأنه أن يقصد ليعلم بأن لم يُدْرك أصلًا وهو الجهل البسيط، أو أُدْرِك على خلاف هيْئته في الواقع وهو الجهل المركب، كاعتقاد الفلاسفة قِدَم العالم.
وخرج بقوله: "المقصودِ"، عدم العلم بما تحت الأرضين مثلًا فلا يسمى جهلًا اصطلاحًا. وقيل: الجهل إدراك المعلوم على خلاف هيْئته في الواقع، وهذا الحدُّ لا يتناول إلَّا المركب.
101 -
زوالُ ما عُلِمَ قُل نِسيانُ
…
والعلمُ في السَّهْوِ لَهُ اكتنانُ
يعني أن النسيان هو: زوال المعلوم من القوة الحافظة والقوة المدركة، فيُسْتأْنف تحصيله لأنه غير حاصل لزواله. والسهو هو: اكتنان المعلوم أي غيبته عن القوة الحافظة مع أنَّه غير غائب عن القوة المدركة، فهو الذهول عن المعلوم الحاصل فينتبه له بأدنى تنبيه، وقيل: النسيان غفلة عن المذكور، والسهو غفلة عن المذكور وغيره، وقيل: هما مترادفان
(1)
.
102 -
ما رَبُّنا لم يَنْهَ عنه حسنُ
…
وغيرُه القبيحُ والمُسْتهجَنُ
يعني أن الحسن شرعًا ما لم ينه اللَّه عنه، فيدخل فيه الواجب
(1)
انظر "النشر": (1/ 60).
والمندوب والجائز. والقبيحُ المُسْتهجَن هو: ما نهى اللَّه عنه من حرام أو مكروه أو خلاف الأولى، وقيل المكروه واسطة بين الحسن والقبيح فلا يسمى قبيحًا لأنه لا يذم عليه، ولا حسنًا لأنه لا يسوغ الثناء عليه وهو قول إمام الحرمين
(1)
.
والخلاف في أفعال غير المكلفين كالبهائم والنائم ونحو ذلك هل هو من الحسن أو لا، لا فائدةَ فيه ولا طائلَ تحته. والحسن عند المعتزلة ما حسَّنه العقل والقبيح ما قبَّحه.
103 -
هل يجب الصومُ على ذي العُذْرِ
…
كحائضٍ ومُمْرَضٍ وسَفْرِ
يعني أنَّه اختلف في الحائض في رمضان والمريض والمسافر فيه ونحوهم هل يَصْدق عليهم أن الصوم واجب عليهم في وقت العذر أم لا؟ حجة من يقول: هو غير واجب عليهم ظاهرة، لأنه حرام على الحائض وحرمته تنافي وجوبه عليها، ولأنه جائز الترك للمريض والمسافر وجواز تركه ينافي وجوبه أيضًا.
وحجَّة من يقول بصدق الوجوب عليهم أنَّه يجب عليهم القضاء بقدر ما فاتهم، فكأن الآتي به بدلًا من الفائت والبدل واجب، فدل
(2)
على أن الفائت واجب وإلَّا لم يكن بدلًا منه. ومما يوضح ذلك أنَّه لو صام قدر الأيام الفائتة من غير نيةِ تداركِ ما فات من رمضان فإنه لا
(1)
نقله عنه في "النشر"، وهو بمعناه في "البرهان":(1/ 216)، وانظر "الإحكام":(1/ 72 - 73) للآمدي.
(2)
الأصل: يدل.
يُجزئ ذلك الصوم، فدل على أنَّه قضاءٌ واجبٌ.
وتقريب هذا للذهن: أن العلماء اختلفوا في انعقاد سبب الوجوب هَلْ يسمَّى به الشيء واجبًا يجب قضاؤه تداركًا، لوجوبه بانعقاد سببه ولو منع من تأثير سبب الوجوب مانع الوجوب كالحيض أو تخلَّف شرطُ الوجوب
(1)
كالمرض والسفر لأن شرط وجوب الصوم بالفعل في رمضان الإقامة فيه وعدم المرض، وهذا القول هو الصواب وهو مذهب الجمهور، خلافًا لما درج عليه المؤلف تبعًا لابن رشد من الفرق بين الحيض وبين المرض والسفر، أو لا يُسمّى واجبًا إلَّا إذا صاحب انعقاد سبب وُجوبه انتفاءُ كل الموانع ووجودُ كل الشروط. وتظهر فائدة هذا الخلاف في نية صيام الأيام الفائتة من رمضان، فعلى صِدْقِ الوجوب عليه وقت العذر ينوي القضاء تداركًا لذلك الواجب الفائت وهذا قول الجمهور، وعلى عدم صِدْقِ الوجوب ينوي الأداء، لأن تدارك صيام ما فات واجب مؤتنف بدليل جديد كقوله:{فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة/ 184] وأمره صلى الله عليه وسلم الحائض بصوم ما فاتها في الحيض
(2)
على هذا القول، وهذا هو معنى قول المؤلف:"وهو في وجوبِ قصدٍ" البيت.
104 -
وجوبُه في غير الأوَّلِ رجَحْ
…
وضعفُهُ فيه لديهمُ وضَحْ
105 -
وهو في وجوبِ قصدٍ لِلأَدا
…
أو ضدِّه لقائلٍ به بدا
(1)
بعده في الأصل: لما، ولعله سبق قلم.
(2)
فيما أخرجه البخاري رقم (321)، ومسلم رقم (335) من حديث عائشة رضي الله عنها.
مراد المؤلف بالبيت الأول هو ما قدمنا من الفرق بين المرض والسفر فلا يمنعان صِدْقَ الوجوب، وبين الحيض فإنه يمنع صِدْقَ الوجوب على ما قاله ابن رشد. ومراده بالبيت الثاني هو ما قدمنا من أنَّه على القول بالوجوب ينوي في البدل القضاء، وعلى ضده ينوي فيه الأداء، والضمير في قوله:"وهو" راجعٌ إلى الخلاف بمعنى ثمرته.
106 -
ولا يكلِّفُ بغير الفعلِ
…
باعثُ الأنْبِيَا ورَبُّ الفَضْلِ
يعني أن اللَّه تعالى لا يكلِّف إلَّا بفعل؛ لأن غير الفعل غير مقدور للمكلف، واللَّه تعالى يقول:{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة/ 286]، {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن/ 16]. وأما التكليف بإذعان النفس وانقيادها وتصديقها بالعقائد، والتكليف بالندم على الذنب فهو -في الحقيقة- تكليف بالأسباب المؤدية إلى ذلك لا بمجرد الانفعال من إذعان في الأول وندم في الثاني. والفعل في كلام المؤلف يشمل أربعة أشياء وهي: الفعل، والقول، والعزم المُصَمِّم لأنه فعل القلب، والترك.
أما الفعل الظاهر كالسرقة والزنا مثلًا فلا إشكال في تسميته فعلًا.
وأما القول فقد سماه اللَّه فعلًا لأنه فعل اللسان وذلك في قوله: {. . . زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ} [الأنعام/ 112] الآية.
وأما القصد المُصَمِّم فالدليل على كونه فعلًا قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار" قالو: يا رسول اللَّه قد عرفنا القاتل فما بال المقتول؟ قال: "إنه كان حريصًا على قتل
صاحبه"
(1)
فبيَّن صلى الله عليه وسلم أن عزمه المُصمِّمَ على قتل صاحبه فِعْل قبيح دخل بسببه النار، واحْتُرِز بالعزم المصمم عن الهَمِّ فلا يؤاخذ به لقوله صلى الله عليه وسلم:"من همَّ بسيئةٍ فلم يعملها كُتِبَت له حسنة كاملة. . . "
(2)
، وقوله تعالى:{إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا} [آل عمران/ 122].
وأما الترك فالدليل على أنَّه فعلٌ قوله تعالى: {لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [المائدة/ 63] فسمَّى تركهم للأمْرِ بالمعروف والنهي عن المنكر صنعًا، وقوله صلى الله عليه وسلم:"المسلم من سَلِمَ المسلمون من لسانه ويده"
(3)
فسمَّى كفَّ الأذى إسلامًا، فدلَّ على أن الكفَّ فعلٌ. ويدُلُّ لأن الترك عَمَل قولُ الراجز:
لئن قعدنا والنبيُّ يعملُ
…
لَذاكَ مِنَّا العمل المضلَّلُ
(4)
وكون الترك فعلًا هو مراد المؤلف بقوله:
107 -
فكفُّنا بالنَّهي مطلوبُ النَّبي
…
والتَّركُ
(5)
فعلٌ في صحيح المذهب
(1)
أخرجه البخاري رقم (31)، ومسلم رقم (2888) من حديث أبي بكرة رضي الله عنه.
(2)
أخرجه البخاري رقم (6491)، ومسلم رقم (131) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
(3)
أخرجه البخاري رقم (10)، ومسلم رقم (40) من حديث عبد اللَّه بن عمرو رضي الله عنهما. وأخرجاه أيضا من حديث أبي موسى رضي الله عنه.
(4)
ذكر الحافظ في "فتح الباري": (7/ 291) أن الزبير بن بكار أخرجه. ولعله في "الموفقيات" ولم أجده في المطبوع منه.
(5)
في المطبوعات: والكف.
يعني أن الذي كلفنا به الشارع هو الكف بمعنى الترك والانتهاء، أي صَرْف النفس عن المنهي عنه، وذلك فعل يحصل بفعل الضد للمنهي عنه [فـ]ـالمقصود بالذات هو الانتهاء، وأما فعل الضد فقد يُقْصَد بالالتزام وقد لا يُقصد أصلًا إذا كان المتكلم غافلًا عنه، وذلك لا يتأتَّى في كلام اللَّه تعالى.
108 -
له فروعٌ ذُكِرَتْ في المنْهَجِ
…
وسرْدُها من بعدِ ذا البيت يجي
109 -
من شُرْبٍ أو خيطٍ ذكاةٍ فضلِ ما
…
وعَمَدٍ رَسْمٍ شهادةٍ ومَا
110 -
عطَّلَ ناظرٌ وذو الرَّهْن كذا
…
مُفرِّط في العلفِ فادْرِ المأخذا
111 -
وكالتي رُدَّتْ بعيبٍ وعَدِمْ
…
وليُّها وشبْهِها مِمَّا عُلِمْ
فقوله: "من شرب" متعلق بالبيت قبله وهو قول صاحب "المنهج"
(1)
:
وهل كَمَن فعل تاركٌ كَمَن
…
له بنفعٍ قدرةٌ لكن كَمَنْ
أي له قدرة بنفع كامن من شرب، يعني أن من عنده فضل شراب فلم يعطه مضطرًّا حتى مات يضمن ديته؟ على أن الترك فعل وهو الحق، لا على مقابله فلا ضمان.
وقوله: "أو خيط" يشير إلى مَنْ مَنَع خيطًا من ذي جائفة يخيطها به حتى مات يضمن ديته على أن الترك فعل أيضًا.
(1)
(ص/ 69 - مع شرحه إعداد المهج)، والمنهج منظومةٌ في قواعد الفقه المالكي، اسمها "المنهج المنتخب في قواعد المذهب" لأبي الحسن الزقاق (ت 912 هـ) طبعت قديمًا. انظر "جامع الشروح والحواشي":(3/ 1501، 1947).
وقوله: "ذكاة"، يشير إلى من مرَّ بصَيْدٍ لم تنفذ مقاتله وأمكنته تذكيته فلم يفعل حتى مات هل يضمن بناءً عَلى أن الترك فعل أم لا؟
وقوله: "فضل ما"، يشير إلى من منع فضل مائِهِ عن زرع جاره حتى هلك، هل يضمنه بناء على أن الترك فعل أيضًا؟
وقوله: "وعمدٍ" يُشيرُ إلى من عنده عَمْد فطلبها منه صاحب جدار خائفٍ سقوطه فلم يفعل حتى سقط، فعلى أن الترك فعل يضمن لا على مقابله.
وقوله: "رسمِ شهادةٍ" على إضافة الأول إلى الثاني معناه أن من أمْسَك رسم شهادة أي وثيقة حق حتى تلف الحق فإنه يضمنه على أن الترك فعل، وعلى عدم الإضافةِ وتنوينِ قوله:"رسمٍ" وعطفِ "شهادةٍ" بحذف العاطف، فهما مسألتان؛ قوله:"رسمٍ" يشير إلى وثيقة الحق المتقدمة، وقوله:"شهادةٍ" يعني أن من كتم الشهادة حتى ضاع الحق هَلْ يغرم لأن الترك فعل أو لا؟
وقوله: "وما عطَّل ناظر"، يشير إلى ما عطله الناظر على اليتيم ونحوه من عقاره، فلم يُكْرِهِ حتى فاتت غلته لعدم الكراء مع إمكانه، وترك الأرض حتى تبوَّرَت، هل يضمن لأن الترك فعل أم لا لأنه غير فعل؟
وقوله: "وذو الرهن" يعني صاحب الرهن الحائز للرهن وهو المُرتَهَنُ إذا عطله ولم يُكْرِه حتى فاتت غلَّته بعدم الكراء، هل يضمن بناء على أن الترك فعل أم لا؟
وقوله: "كذا مفرط في العلف" يشير إلى من دُفِعَت له دابة مع علفها وقيل له: اعلفها ثم لم يقدِّم لها العلف حتى ماتت، فهل يضمن
أوْ لا بناءً على الاختلاف في الترك هل هو فعل؟
وقوله: "وكالتي رُدَّت بعيب وعَدِمْ وليُّها" بالبناء للفاعل بمعنى أفلس، يشير إلى أن ذات العيب يُزوجها وَليُّها القريب فيفلس هل يرجع عليها الزوج بالصداق؟ لأن سكوتها فعل للغرور أم لا؟ لأن ترك الإخبار بالعيب ليس بفعل. وشِبْه هذه المسائل فيه الخلاف المذكور.
112 -
والأمرُ قبلَ الوقتِ قد تعلَّقا
…
بالفعل للإعلام قد تحقَّقا
يعني أن الأمر وسائرَ أقسام التكليف يتعلق عند الجمهور بالفعل قبل دخول وقته إعلامًا به، ومعنى الإعلام: اعتقاد وجوب إيجاد الفعل الواجب مثلًا لا نفس الإيجاد، وقِسْ عليه باقي الأحكام.
113 -
وبعدِ للإلزامِ يستمرُّ
…
حال التَّلبُّسِ وقومٌ فَرُّوا
يعني أن الفعل إذا دخل وقته تعلق به التكليف إلزامًا قبل المباشرة فهو مكلف وملزم بأن يباشره بالامتثال، وذلك هو معنى قوله:"وبعد للإلزام".
وقوله: "يستمر" حال من الإلزام، أي: وبعد دخول الوقت يتعلق به التكليف للإلزام حال كون ذلك الإلزام مستمرًّا حال مباشرة الفعل والتلبس إلى الانتهاء منه، فمن أحرم في الصلاة مثلًا لم يزل التكليف بها مستمرًا عليه حتى يفرغ منها لانتفاء كلها بانتفاء جزءٍ منها، وهذا هو الحق.
وقوله: "وقوم فروا" يعني أن قومًا من الأصوليين وهم إمام الحرمين والغزالي والمعتزلة فرّوا من استمرار الإلزام بعد المباشرة، وزعموا أنَّه ينقطع بابتداء المباشرة خوف تحصيل الحاصل، وهو عبثٌ لا فائدة فيه. وردُّ هذا المذهب ضاهر وهو ما ذكرنا آنفًا من أن العبادة المركبة من
أجزاء كالصلاة إذا ضاع جزء منها ضاعت كلها وهو ظاهر، وسيأتي
(1)
أن ثمرة الخلاف تظهر في فرض الكفاية إذا شرع فيه.
114 -
فليس يُجري من له يُقدِّمُ
…
ولا عليه دونَ حظرٍ يُقْدِمُ
115 -
وذا التعبُّدُ. . . . . . .
…
. . . . . . . . . . . .
يعني أن التكليف لما كان لا يتعلق بالفعل قبل وقته إلزامًا وإنَّما يتعلق به على سبيل الإعلام به فقط = كانَ تقديمُه غيرَ مُجْزٍ ولا جائز، فكونه قبل وقته لا يلزم يدل على أن تقديمه لا يجوز ولا يُجزئ، وكونُه لا يُجزئ هو مراد المؤلف بقوله:"فليس يُجزئ"، وكونه لا يجوز هو مراده بقوله:"ولا عليه دون حظر يُقدم" أي لا يقدم عليه إقدامًا خاليًا من الحظر وهو المنع، وإنما لم يُجْزِ ولم يَجُزْ لأنه آتٍ بغير ما أمر به لأنه لم يؤمر به إلَّا في وقته، ومن أتى بغير ما أُمِر به فعدم براءة ذمته ظاهر، ولا يجوز الإقدام على العبادة إلَّا على وجهها الشرعي، لأن اللَّه يقول:{آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (59)} [يونس].
وقول المؤلف: "وذا التعبد" يعني أن هذا الذي لا يُجزئ قبل وقته ولا يجوز الإقدام عليه هو ما تمحَّض للتعبد كالصلاة والصوم.
وقوله: "يُقْدم" الأخير مضارع أقدم على الأمر إذا تقدم إليه، والأول مضارع قدَّم مضعّفًا أيْ فعل الفعل قبل وقته.
. . . . . . . . . . . . وما تَمَحَّضا
…
للفعل فالتقديمُ فيه مُرْتَضى
(1)
انظر البيت رقم (119).
يعني أن الفعل إذا تمحَّض للفعل يعني المفعولية يرتضَى تقديمه قبل وقته لأنه جائز مُجْزٍ، وتقريبه للذهن: أن يكون المقصود من الفعل ثمرة ظاهرة معقولة تحصل بمجرد إيقاع الفعل كقضاء الدين، ورد الوديعة والمغصوب، فتقديمه قبل وقت اللزوم جائز مجزٍ ما لم يشتمل التقديم على أمر محرم نحو:"ضَعْ وتعجَّل" فيمنع لذلك العارض
(1)
.
116 -
وما إلى هذا وهذا ينتسبْ
…
ففيه خُلْفٌ دون نصٍّ قد جُلِبْ
يعني أن المنتسب "إلى هذا وهذا" أي ما فيه شائبة التعبد وشائبة المفعولية كالزكاة، فإنه يختلف في تقديمه هل يجوز ويجزئ أم لا؟ فالقول بالتقديم نظرًا لما فيه من شائبة المفعولية، والقول بعدمه نظرًا لما فيه من شائبة التعبد، فالزكاة مثلًا من حيث قصدُ سَدِّ خلّة الفقير كقضاء الدين ونحوه من حيث حصولُ
(2)
الثمرة بمجرد الفعل، ومن حيث التنصيص على القدر المخرَّج والقدر المُخْرَج منه فهي أمر تعبُّدِي غير معقول المعنى، وكيف يعقل الإنسان وحده أن زكاة مئة وعشرين من الغنم كزكاة الأربعين!
وقوله: "دون نص قد جُلِب"، يعني أن محل الخلاف في المترَدِّد بين التعبد والمفعولية هل يقدم قبل وقته أم لا؟ فيما إذا لم يَرِد نصٌّ بجواز التقديم والإجاز بلا خلاف. ومثال ما ورد النصُّ بجواز تقديمه الوضوء فإن متردد بين التعبد والمفعولية، لأن خصوص هذه الأعضاء
(1)
انظر "النشر": (1/ 67).
(2)
رسمها في الأصل: وصول.
دون غيرها ولزوم غسلها للمحْدِث ولو نظيفة أمرٌ تعبُّدي لا تظهر فيه حقيقة نتيجة الفعل كظهورها في غير التعبدي.
وكون الوضوء ينظِّف هذه الأعضاء معقول المعنى؛ لأن التنظيف تحصل ثمرته بمجرَّد الفعل، ولذا كان أَبو حنيفة لا يشترط النية في طهارة الحدث قائلًا: إنها كطهارة الخبث، وأن المقصود بالكل النظافة، إلَّا أن الوضوء أجمع المسلمون على جواز تقديمه قبل دخول وقت الصلاة
(1)
، فهو خارج بالنص، وذلك هو معنى قول المؤلف:"دون نص".
117 -
وقال إن الأمر لا يوجَّه
…
إلَّا لدى تلَبُّس مُنْتَبِهُ
يعني أن قومًا من الأصوليين لهم انتباه في الفنِّ زعموا أن الأمر لا يتوجَّه إلَّا عند مباشرة الفعل، وكذلك كل الأحكام التكليفية عندهم زاعمين أن القوة المستجمعة لشرائط التأثير لا توجد إلَّا عند المباشرة، لأن المؤثِّر التَّامَّ لا يتخلف عنه أثره، فدلَّ عدم وجودِ الفعل قبل المباشرة على عدم تمام المؤثِّر، والتكليف عندهم لا يتوجَّه إلَّا عند القدرة التامة على التأثير. وإذا قيل لهم: يلزم على هذا أن يترك الإنسان المباشرة فلا يتوجَّه إليه خطابٌ بتكليف أبدًا، أجابوا بأن اللوم المتوجه من عدم مباشرة الفعل قبل التلبس مرتب على التلبس بضده، وهو الكفّ عن الفعل، وهو معنى قول المؤلف:
118 -
فاللوم قبله على التلبُّسِ
…
بالكفِّ وهْيَ من أدقِّ الأسسُ
(1)
انظر "الإجماع ": (ص/ 34) لابن المنذر، و"الإقناع":(1/ 196) لابن القطان.