الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عليه "بمثل السبب" أي بعلة أو شرط أو غاية وورد الأمر بعد ما زال ما عُلِّق عليه، وهذا هو مذهب جمهور أهل العلم كقوله تعالى:{وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} فإنَّ حظر الاصطياد أي تحريمه مُعلق على علة هي الإحرام، وقد ورد الأمر بالاصطياد بعد ما زالت تلك العلة.
274 -
إلا فذي المذهبُ والكثيرُ
…
له إلى إيجابه مصيرُ
أي وإلا يكن الحظر السابق على الأمر مُعلقًا على سبب أو شرط أو مانع بأن كان غير معلق على شيء مما ذُكِر "فذي" أي إلإباحة هي مذهب مالك وأصحابه أي هي مدلوله عندهم، والكثير من أهل الأصول لهم مصير إلى إيجابه أي إلى كونه للوجوب، فتحصل في ورود الأمر بعد الحظر ثلاثة أقوال قولان مطلقان وقول مفصل.
275 -
بعد الوجوب النهيُ لامتناع
…
للجلِّ والبعضُ للاتِّساع
يعني أن النهي اللفظي إذا ورد بعد الوجوب فهو لامتناع أي تحريم ذلك الواجب عند جل أهل الأصول، فتقدم الوجوب ليس قرينة صارفة له عن أصل وضعه الذي هو التحريم. وقال بعض الأصوليين: إن النهي بعد الوجوب للاتساع أي الإباحة لأن النهي عن الشيء بعد وجوبه يرفع طلبه فيثبت التخيير فيه.
276 -
وللكراهةِ برأيٍ بانا
…
وقيل للإبْقا على ما كانا
يعني أن
النهي الوارد بعد الوجوب
بانَ أي ظهر كونه للكراهة في رأي بعضهم، و"قيل للإبقا" أي وقال بعضهم: إن النهي بعد الوجوب للإبقاء على ما كان عليه الفعل المنهي عنه قبله من تحريم لكون الفعل مضرة أو إباحة لكونه
منفعة وإنما هو لإساقط الوجوب فقط ويرجع الفعل إلى ما كان عليه.
وأما النهي بعد السؤال فيُحمل على ما يُفهم من السؤال من إيجاب أو ندب أو إرشاد أو إباحة، فصما ورد منه للتحريم خبر مسلم والبخاري عن المقداد قال: أرأيتَ إن لقيتُ رجلًا من الكفار فقاتلني فضرب إحدى يدي بالسيف ثم قطعها ثم لاذَ مِنِّي بشجرة فقال: أسلمت، للَّه، أفأقتله يِا رسول اللَّه بعد أن قالها؟ قال:"لا". ومما ورد منه للكراهة حديث مسلم: أصَلِّي في مبارك الإبل؟ قال: "لا". وحديث أنس قال رجل: يا رسول اللَّه الرجل منا يلقى أخاه أينحني له؟ قال: "لا". وحديث سعد في الوصية بجميع ماله فقال صلى الله عليه وسلم: "لا". حَمَلَه على التحريم مَن فَهِم أن السؤال عن إباحة، ويحتمل أن يكون السؤال عن الندب.
277 -
كالنسخ للوجوب عند القاضي
…
وجلُّنا بذاك غيرُ راض
يعني أن القاضي عبد الوهاب قال: إنه إذا نسخ وجوب الشيء يبقى على ما كان عليه قبل الوجوب من تحريم أو إباحة وصار الواجب بالنسخ كأن لم يكن، وجلنا معاشر المالكية غير راضٍ بذاك أي بما قال القاضي وفاقًا لغير المالكية.
278 -
بل هو في القوي رفعُ الحرج
…
. . . . . . . . . . . .
"بل هو" أي نسخ الوجوب في القول القوي وهو قول الجمهور رفع الحرج عن الفاعل في الفعل والترك من الإباحة والندب عند القرافي والكراهة عند المحلي. وبيانه على ما قال في "شرح التنقيح" إن الأمر دل على جواز الإقدام والنسخ على جواز الإحجام فيحصل مجموع الجوازين من الأمر وناسخه لا من الأمر فقط ولا يرد أن نسخ استقبال بيت المقدس لم يبق معه
الجواز لأن اقتفاء الجواز من دليل آخر لا من مجرد النسخ.
. . . . . . . . . . . .
…
وللإباحة لدى بعضٍ يجي
يعني أن النسخ للوجوب يجي لدى بعض الأصوليين للإباحة بمعنى استواء الطرفين، وإنما حملوه على الإباحة لأنه بارتفاع الوجوب ينتفي الطلب فيثبت التخيير.
279 -
وقيل للندب كما في مبطل
…
أوجبَ الانتقالَ للتنفل
وقال بعض الأصوليين: إن النسخ للوجوب للندب أي إذا نسخ الوجوب بقي الندب إذ المحقق بارتفاع الوجوب انتفاء الطلب الجازم فيثبت الطلب غير الجازم، كما في طُرُوِّ مُبطل الصلاة أوجب الانتقال من الفرض للتنفل أي السلام عن نافلة أي شفع، ووجهه أن الواجب مندوب وزيادة فإذا طرأ ما يبطله بقي المندوب فلا يبطله بالكلية.
280 -
وجُوِّز التكليفُ بالمحالِ
…
في الكل من ثلاثةِ الأحوالِ
يعني أنه يجوز عقلًا أن يكلف اللَّه تعالى عبادَه بفعل مُحال في كل الأحوال الثلاثة أي سواء كان محالًا عادةً وعقلًا كالجمع بين السواد والبياض وهو المحال لذاته أم لغيره وهو الممتنع عادة فقط كالطيران من الإنسان أو عقلًا كالإيمان ممن علم اللَّه أنه لا يؤمن.
281 -
وقيل بالمنع لما قد امتنع
…
لغير علم اللَّه أن ليس يقع
أي وقال بعض المعتزلة وبعض أهل السنة: إن التكليف بالمحال الذي
امتنع لغير تعلق علم اللَّه بعدم وقوعه ممنوع؛ لأنه لظهور امتناعه للمكلفين لا فائدة في طلبه منهم. وأُجيب بأنَّ فائدته اختبارهم هل يأخذون في المقدمات فيترتب الثواب أوْلا فيترتَّب العقاب. وأما الممتنع لتعلُّق عِلْم اللَّه بعدم وقوعه فالتكليف به جائز وواقع إجماعًا وذلك كإيمان أبي جهل.
282 -
وليس واقعًا إذا استحالا
…
لغيرِ عِلْم ربنا تعالى
يعني أن التكليف بالمحال غير واقع في الشريعة إذا كانت استحالته لغير تعلُّق علم اللَّه تعالى بعدم وقوعه بشهادة الاستقراء وقوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} وأما وقوع التكليف بالثاني فلأن اللَّه تعالى كلف الثقلين بالإيمان وقال: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (103)} فامتنع إيمان أكثرهم لعلمه تعالى بعدم وقوعه.
283 -
وما وجودُ واجبٍ قد أطلقا
…
به وجوبُه به تحقَّقا
يعني أن الشيء الذي وجود الواجب المطلق منوط به وجوبه أي ذلك الشيء به أي بسبب وجوب الواجب المطلق قد تحقق عندنا معاشر المالكية وجمهور العلماء سببًا كان ذلك الشيء أو شرطًا إذ لو لم يجب لجاز ترك الواجب المنوط به. فاحترز بالمطلق عن الواجب المقيد وجوبه بسبب أو شرط فأسباب الوجوب وشروطه لا يجب إجماعًا تحصيلها بسبب وجوب ما توقف عليها من فعل كالنصاب يتوقف عليه وجوب الزكاة ولا يجب تحصيله.
284 -
والطوقُ شرطٌ للوجوب يُعرف
…
إن كان بالمحال لا يُكَلَّف
يعني أن الطوق أي قدرة المكلف شرطٌ في وجوب الشيء المتوقف عليه
وجود الواجب المطلق بناءً على مذهب الجمهور من أن اللَّه تعالى لا يكلِّف عباده بالمحال، فإذا كان الشيء المتوقف عليه وجود الواجب المطلق غير مقدور للمكلف فإنه لا يجب بوجوبه، كتوقف فعل العبد بعد وجوبه على تعلق علم اللَّه وإرادته وقدرته بإيجاده فهذا القسم لا يوصف بالوجوب إلا على مذهب من يجوز التكليف بالمحال فلا يقيده بالقدرة. قاله حلولو. ثم مثل للشيء المقدور للمكلف المتوقف عليه وجود الواجب المطلق فقال:
285 -
كعلمنا الوضوء شرطًا في أدا
…
فرضٍ فأمرُنا به بعدُ بَدا
يعني إذا علمنا من الشارع أن الوضوء شرط في أداء فرض الصلاة فأمرنا به أي بالوضوء أي وجوبه علينا بعد أمرنا بالصلاة أي وجوبها علينا بدا أي ظهر لأن الوضوء مقدور لنا. ولا فرق في الوجوب بين كون الشرط شرعيًّا كالوضوء أو عقليًّا كترك ضد الواجب أو عاديًّا كغسل جزء من الرأس لتحقق غسل الوجه فلا يمكن عادة غسل الوجه بدون غسل جزء من الرأس. ومنه إمْساك جزء من الليل للصائم وفيه خلاف عندنا، وهل دلالة دليل الواجب المطلق على وجوب سببه أو شرطه بالتضمن أو الالتزام أو من دليل خارجي؟ أقوال.
286 -
وبعض ذي الخُلْف نفاه مطلقا
…
. . . . . . . . . . . .
يعني أن بعض المخالفين لمذهب مالك نفى وجوب المقدور للمكلف الذي لا يوجد الواجب المطلق إيجابه إلا به بوجوب ذلك الواجب. "مطلقًا" أي سواء كان سببًا أو شرطًا؛ لأن الدال على ذلك الواجب ساكت عنه فالأمر عندهم لا يقتضي إلا تحصيل المقصود لا الوسيلة ولم يعطوا الوسيلة حكم مقصدها.
.
…
والبعضُ ذو رأيين قد تفرَّقا
يعني أن بعض المخالفين لنا غير المطلقين ذهبوا إلى رأيين مختلفين فبعضهم قال: إنه يجب بوجوبه إن كان سببًا كإمساس النار لمحل يجب إحراقه فإنه سبب لإحراقه عادة، بخلاف الشرط كالوضوء للصلاة، والفرقُ أن السبب لاستناد المسبب إليه أشد ارتباطًا من الشرط بالمشروط لأنه يلزم من وجوده وجود المسبب بخلاف الشرط مع المشروط. وقال إمام الحرمين: يجب إن كان شرطًا شرعيًّا كالوضوء للصلاة لا عقليًّا كترك ضد الواجب أو عاديًّا كغسل جزء الرأس لغسل الوجه فلا يجب بوجوب مشروطه.
287 -
وما وجوبُه به لم يَجِبِ
…
في رأي مالكٍ وكل مذهب
يعني أن الواجب الذي وجوبه مقيد به، أي بالشرط أو السبب، أي بوجوده كالزكاة وجوبها متوقف على ملك النصاب لم يجب بوجوب ذلك الواجب المقيد به "في رأي مالك وكل مذهب" أي فهو أمر مُجمع عليه.
288 -
فما به تركُ المحرَّم يرى
…
وجوبَ تركه جميعُ من دَرَى
يعني أن الشيء الذي تَرْك المحرم منوط بتركه أي متوقّف عليه يَرَى "جميعُ من درى" من العلماء وجوب تركه لتوقف ترك المحرم الذي هو واجب عليه.
289 -
وسوِّيَنَّ بين جهلٍ لَحِقا
…
بعد التعيُّن وما قد سَبقا
يعني أن الجهلَ اللاحقَ بعد التعيين كما لو طَلَّق معينةَ من زوجاته ثم نسيها، والجهلَ السابقَ على التعيين كما لو اختلطت منكوحة بأجنبية أو ميتة
بمذكى = سواء في وجوب ترك الجائز الذي لم يميز عن المحرم فيحرم عليه جميع زوجاته في الأولى، والمنكوحة والمذكى في الثانية لاختلاط الزوجة بالأجنبية والمذكى بالميتة وعدم تمييزهما منهما. ومثل الواجب المطلق المندوب المطلق الذي لا يوجد إلا بعد وجود مقدور للمكلف فإن ذلك المقدور يندب لندب ذلك المطلق.
290 -
هل يجبُ التنجيزُ في التمكُّن
…
أو مطلق التمكين ذو تعيُّن
يعني أنهم اختلفوا في التمكُّن المشترط في التكليف هل يجب فيه التنجيز؟ أي أن يكون ناجزًا بناءً على أن الأمر لا يتوجه إلا عند المباشرة أو يكفي مطلق التمكن؟ أي التمكن في الجملة بناءً على أن الأمر يتوجه قبل المباشرة، وهذا هو الحق.
291 -
عليه في التكليف بالشيء عُدِم
…
موجِبُه شرعًا خلافٌ قد عُلِم
أي ينبني على الخلاف في وجوب التنجيز في التمكن وعدم وجوبه الخلافُ في جواز التكليف عقلًا بالشيء من مشروط أو مسبب المعدوم "موجبه شرعًا" من شرط أو سبب. فمن أوجب التنجيز في التمكن منع التكليف بما ذُكِر ومن لم يوجبه فيه واكتفى بمطلق التمكن جَوَّز التكليف به.
وينبني على هذا الخلاف أيضًا الخلاف في وجوب الشرط أو السبب بوجوب الواجب المطلق، فمن أوجب التنجيز في التمكن لم يوجب الشرط أو السبب بوجوب الواجب المطلق، ومن لم يوجبه فيه أوجبه بوجوبه.
292 -
فالخلْف في الصحةِ والوقوع
…
لأمرِ من كَفَر بالفروع
أي ويُبنى على الخلاف المذكور الخلاف في صحة خطاب الكفار بفروع الشريعة ووقوعه، والقولان موجودان في المذهب من غير ترجيح، ومن شيوخ المذهب من يرجح عدم وقوع خطابهم بها، والقول الأول وهو أنهم مخاطبون بها هو الذي صححه السبكي وعزاه ابن الحاجب للمحققين وحجته قوله تعالى:{وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (6) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} ، وقوله تعالى:{يَتَسَاءَلُونَ (40) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (41) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ} ، وقوله صلى الله عليه وسلم:"الإسلام يجب ما قبله" لأن الجبّ هو القطع وإنما يُقْطَع ما هو متصل فلولا القطع لاستمر التكليف.
293 -
ثالثها الوقوعُ في النهي يُرَد
…
بما افتقاره إلى القصد انْفَقَد
يعني أن ثالث الأقوال هو القول بوقوع تكليف الكافر بالنواهي دون الأوامر لإمكان امتثالها مع الكفر لأن متعلقاتها ترك ولا تتوقف على نية التقرب المتوقفة على الإيمان، لكن هذا القول "يُرَد" عند ابن رشد والفهري والأبياري بالمأمورات التي "انفقد" أي عُدِم افتقارها إلى القصد أي النية كأداء الديون ورد الودائع وكل ما لا يفتقر إلى النية ويصح مع عدم الإيمان.
294 -
وقيل في المرتد. . . . .
…
. . . . . . . . . . . . .
أي وقال بعضهم: إن تكليف الكفار بالفروع واقع في المرتدين عملًا باستمرار تكليف الإسلام دون الكافر الأصلي وهذا هو رابع الأقوال.
. . . . . . . . . . . . . فالتعذيبُ
…
عليه والتيسيرُ والترغيبُ
أي ويُبنى على الخلاف في خطاب الكفار بالفروع الخلاف في تعذيبهم عليها وعلى الإيمان معًا في الآخرة. ويُبنى عليه أيضا تيسير الإسلام على الكافر بسبب كثرة فعله للحسنات فييسر له الإسلام. ويُبنى عليه أيضًا ترغيبهم في الإسلام إذا سمعوا أنه يهدم ما قبله من الآثام.
295 -
وعلَّلَ المانعُ بالتعذُّرِ
…
. . . . . . . . . . . . .
يعني أن المانع من تكليف الكفار بالفروع علَّلَ ذلك بتعذر الإيمان منهم لأنهم لا يطيقونه في الحال لاشتغالهم بالضلال.
(وهو) أي التعليل بالتعذر (مُشكلٌ لدى المحرِّر) أي المحقِّق وهو القرافي.
296 -
في كافر آمن مطلقًا. . . . .
…
. . . . . . . . . . . . .
أي بظاهره وباطنه لكنه كفر بعدم التزام الفروع كأبي طالب فإنه كان يقول:
ألم تعلما أنا وجدنا محمدًا نبيًّا
…
كموسى خط في أول الكتب
(و) استشكله أيضًا
. . . . . . . . . . في
…
من كُفْره فِعلٌ كإلقا المصحف
أي في الكافر الذي كفره فعل كإلقاء المصحف في القَذَر، وإنما استشكل القرافي التعليل المذكور في هذا القسم والذي قبله لأن الإيمان
أو بباطنه فقط كعبد اللَّه بن أُبيّ لعنهما اللَّه.
297 -
والرأيُ عندي أن يكون المُدْرَك
…
نفيَ قبولها فذا مُشْترك
يعني أن الرأي الأصوب عند الناظم أي يكون المدرك أي العلة في عدم خطاب الكفار بالفروع عدم قبولها منهم لكفرهم، لأن الطاعة لا تنفع مع الكفر فلا يكلفون بما لا ينفعهم، وهذا التعليل مشترك بين جميع أقسام الكفر الأربعة.
298 -
تكليفُ من أحدَث بالصلاة
…
عليه مُجْمعٌ لدى الثقاتِ
يعني أن تكليف المحدِث بالصلاة مع تعذُّرها منه في حالة حَدَثه مُجمع عليه عند الثقات أي المجتهدين لكنه مكلف بالطهارة قبلها وهذا الإجماع حجة من لا يشترط التنجيز في التمكن ويصح عنده التكليف بالمشروط حال عدم الشرط.
299 -
وربطه بالموجِبِ العقليّ
…
حتمٌ بِوَفْق قد أتى جلي
يعني أن ربط التكليف لكل أحد بالموجب العقلي كالحياة للعلم وكفهم الخطاب للتكليف بالعمل واجب باتفاق [جلي أي] واضح لا نزاع فيه، وكالشرط العقلي الشرط اللغوي نحو: إن دخلت المسجد فصل ركعتين. وأما الشرط العادي كغسل جزء من الرأس لغسل الوجه فليس بشرط في صحة التكليف اتفاقًا وإنما الخلاف في الشرط الشرعي كما رأيت.
300 -
دخولُ ذي كراهة فيما أُمِر
…
به بلا قيدٍ وفصلٍ قد حُظِر
يعني أن دخول المكروه الخالي من الفصل في المأمور به إذا كان بعض
جزئياته والأمر غير مقيد بغير المكروه محظور أي ممنوع، والمكروه الخالي من الفصل ما كانت له جهة واحدة أو جهتان بينهما لزوم. هذا هو مذهب الجمهور خلافًا للحنفية في قولهم: إنه يتناوله. أما إن قُيد بغير المكروه فلا يدخل اتفاقًا.
301 -
فنفي صحةٍ ونفي الأجر
…
في وقت كُرْهٍ للصلاة يجري
يعني أنه يجري على عدم دخول المكروه الخالي من الفصل في المأمور به غير المقيد بغير المكروه نفي صحة الصلاة النافلة ونفي ثبوت الأجر فيها إذا وقعت في وقت كره أي وقت تكره فيه الصلاة أي لا تصح ولا يثاب عليها.
302 -
وإن يكُ الأمرُ عن النهي انفصل
…
فالفِعل بالصحة لا الأجرِ اتَّصل
يعني أن الأمر إذا انفصلت جهته من جهة النهي بأن تعددت جهتهما "فالفعل متصل بالصحة لا الأجر" أي موصوف بالصحة ولكن لا أجر فيه، ومعنى كونه صحيحًا أنه لا يطلب من المكلف فعله ثانيًا، كالصلاة في الدار المغصوبة إذ الصلاة والغصب يوجد كل منهما بدون الآخر، وتعدُّد الجهات كتعدد الذوات، فهي مأمور بها من جهة أنها صلاة ومنهيٌّ عنها من جهة الغصب وكل من الجهتين منفكة عن الأخرى، فلذلك ثبتت لها الصحة دون الثواب عقابًا لفاعلها.
303 -
وذا إلى الجمهور ذو انتساب
…
. . . . . . . . . . . . .
يعني أن هذا الذي ذكر من صحة الصلاة المذكورة وعدم الثواب فيها منسوب إلى الجمهور من المالكية وغيرهم.
. . . . . . . . . . . . .
…
وقيل بالأجر مع العقاب
أي وقال بعضهم بثبوت الأجر في الصلاة في المكان المغصوب من جهة أنها صلاه مأمور بها مع ثبوت العقاب لفاعلها من جهة الغصب، قال القرافي: ينبغي أن يقابل بين الثواب والإثم فإن تكافئا أو زاد الإثم بطل الثواب، وإن زاد الثواب بقي الزائد منه للمصلي.
قلت: وهذا القول هو الأحسن والأظهر عندي.
304 -
وقد رُوي البطلانُ والقضاءُ
…
. . . . . . . . . . . . .
أي وقد روى ابن العربي عن مالك رحمه اللَّه تعالى أنها أي الصلاة في المكان المغصوب باطلة يجب قضاؤها، وهذا هو مذهب الإمام أحمد وأكثر المتكلمين.
. . . . . . . . . . . . .
…
وقيل ذا فقط له انتفاءُ
أي وقال بعضهم وهو القاضي والرازي: إن ذا الأخير وهو القضاء له انتفاء أي منتف عن الصلاة في المكان المغصوب، أي قالا إنها باطلة لكن لا يلزم قضاؤها.
قلت: ويمكن أن يقال أيضًا في هذه الصلاة المذكورة أي الصلاة في المكان المغصوب: إنها صحيحة مُثَاب عليها ولا عقاب معها من جهة الغصب لأن الغصب سيئة والصلاة حسنة والأصل في الشريعة محو السيئة بالحسنة لا العكس لقوله تعالى: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} ، وليس من شروط صحة الصلاة ولا من أركانها صحة ملك المكان الواقعة فيه، وهذا القول لم أر من صرح به من الأصوليين وأظنني لم أُسْبَق إليه وإنما استنبطته من قوله تعالى:
{إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} وذلك لأن الصلاة حسنة وشغل ملك الغير بتلك الحسنة سيئة وقد اجتمعا، وقد نصَّ اللَّه تعالى في الآية على أن الحسنة تمحو السيئة وظاهر الآية أنها تمحوها مطلقًا أي سواء اجتمعتا فى وقت واحد كما هنا أو ترتبتا بأن سبقت السيئة الحسنة في الزمن.
ثم شرع الناظم يمثل للمأمور به الذي انفردت فيه جهة النهي عن جهة الأمر فقال:
305 -
مثلُ الصلاة بالحرير والذهب
…
. . . . . . . . . . . . .
أي فإنها مأمور بها من جهة أنها صلاة أيضًا ومنهي عنها من جهة الحرير والذهب.
. . . . . . . . . . . . .
…
أو في مكان الغَصْب. . . . .
أي فإنها مأمور بها من جهة أنها صلاة أيضًا ومنهي عنها من جهة الغصب.
. . . . . . . . . . . . .
…
. . . . . والوضو انقلب
أي وكالوضوء المقلوب أي المنكس فإنه مأمور به جهة كونه وضوءًا منهي عنه من جهة التنكيس.
306 -
ومَعْطنٍ ومنهجٍ ومقبره
…
كنيسةٍ وذي حميمٍ مجزره
أي وكالصلاة في معاطن الإبل، والمنهج أي الطريق، والمقبرة، والكنيسة، وذي الحميم وهو الحمام، والمجزرة أي مكان الجزر، والمزبلة أي مكان طرح الزبل فإن الصلاة في هذه المواضع مأمور بها من جهة أنها صلاة
ومنهي عنها من جهة حيض الناقة وإمناء الجمل في الأول، وخوف النجاسة والتشويش بمرور الناس في الثاني، وخوف النجاسة فقط في الثالث والرابع والسادس والسابع، ووسوسة الشيطان في الخامس.
307 -
من تاب بعد أن تعاطى السَّبَبا
…
فقد أتى بما عليه وجبا
يعني أن من تاب بعد تعاطيه لسبب المعصية على كماله، كالخارج من المكان المغصوب تائبًا أي نادمًا على الدخول فيه عازمًا على عدم العود إليه فقد أتى بالواجب عليه لأن فيه تقليل الضرر، بشرط الخروج بسرعة وسلوك أقرب الطرق وأقلها ضررًا، وبشرط قصد ترك الغصب سواء كانت توبته قبل وجوده مفسدة المعصية أو بعد وجودها وارتفعت بل:
308 -
وإن بقي فسادُهُ كمن رجع
…
عن بثِّ بدعةٍ عليها يُتبع
309 -
أو تاب خارجًا مكان الغصب
…
أو تاب بعدَ الرَّمي قبل الضرب
يعني أن التائب من المعصية بعد أن تعاطى سببها آب بالواجب عليه وإن بقي فساده، كمن تاب من بدعة بعدما بثها في الناس وقبل أخذهم بها أو بعده وقبل رجوعهم عنها، وكمن تاب من الغصب حال كونه خارجًا من مكان الغصب، وكذا من تاب بعد الرمي للقوس وقبل الضرب أي الإصابة فالتائب في هذه المسائل الثلاثة آتٍ بالواجب عليه خلافًا لأبي هاشم المعتزلي وأبيه أبي علي الجبائي في أنه آتٍ بحرام.
310 -
وقال ذو البرهان إنه ارتبك
…
مع انقطاعِ النهي للذي سلك
أي وقال صاحب البرهان وهو إمام الحرمين: إنه أي التائب بعدما
تعاطى السبب على كماله كالأمثلة المذكورة مرتبك أي مشتبك في المعصية مع انقطاع تكليف النهي الذي هو إلزام الكف عن الشغل وإنما انقطع للذي سلك أي لأخذه في قطع المسافة للخروج تائبًا المأمور به. فاعتبر إمام الحرمين في الخروج جهة معصية وهي الإثم بحصول الضرر بالشغل لملك الغير بالخروج، وجهة طاعة وهي امتثال الأمر بقطع المسافة بالخروج وإن لزمت الأولى من الثانية إذ لا ينفك امتثال الأمر بالخروج عن الشغل بخروجه تائبًا.
311 -
وارتكبِ الأخفَّ من ضُرَّيْن
…
. . . . . . . . . . . . .
يعني أن ارتكاب أخفّ الضررين عند تقابلهما من أصول مذهب مالك، ومن ثَم جبر المحتكر على البيع للطعام عند احتياج الناس إليه، وجار المسجد إذا ضاق، وجار الطريق والساقية إذا أفسدهما السيل.
. . . . . . . . . . . . .
…
وخَيِّرن لدى استوا هذين
يعني أن المكلف مخير عند استواء الضرين المتقابلين في ارتكاب أيهما شاء وذلك:
312 -
كمن على الجريح في الجرحي سقط
…
وضَعَّف المُكْثَ عليه من ضَبَط
أي كمن سقط على جريحٍ بين جرحى بحيث يقتله إذا بقيَ عليه، وإن انتقل عنه انتقل إلى كُفؤ مماثل له في صفات القصاص فَقَتله لعدم موضع يعتمد عليه إلا بَدَن كُفؤ، فهو مخير عند بعضهم لاستواء المقام والانتقال. وقال قوم:
يمكث وجوبًا لأن الضرر لا يُزال بالضرر مع أن الانتقال فعل مبتدأ بخلاف اللبث. وضَعَّف القولَ بالمكث عليه أي على الجريح المسقوط عليه أولًا من ضَبَط المسألة أي حقَّقها بأن مكثه الاختياري كانتقاله. وقال إمام الحرمين: لا حكمَ في هذه المسألة من إذن أو منع.
313 -
والأخذُ بالأول لا بالآخر
…
مُرَجَّح في مقتضى الأوامر
يعني أن الأخذ بالمعنى الأول أي الأقل والأخف لا بالمعنى الآخر أي الأكثر والأثقل "مرجَّح في مقتضى" أي مدلول الأوامر المعلقة على معنى كلي له جزئيات متباينة في الكثرة، والمرجِّح له القاضي عبد الوهاب وما زاد على المعنى الأول ساقط أو مندوب عنده، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
314 -
وما سواه ساقط أو مستحب
…
لذاك الاطمئنانُ والدَّلْكُ انْجَلَب
يعني أن ما سوى المعنى الأول أي الزائد عليه من مقتضى الأمر إما أن يكون ساقطًا وإما أن يكون مستحبًا. قوله: "لذاك" إلخ، يعني أن ذاك الخلاف في الأخذ بمقتضى الأمر هل بأوله أو بآخره انجلب له أي انبنى عليه الاطمئنان والدَّلْك؟ فعلى ما رجَّحَه عبد الوهاب يكون الواجب أقل ما يطلق عليه اسم الطمأنينة والزائد عليه مستحب، ويكون الواجب في الدلك أقل ما يُطلق عليه اسم الدلك والزائد عليه ساقط. وعلى القول الثاني يكون الواجب فيهما أكثر ما يطلق عليه اسم الطمأنينة والدلك احتياطًا.
حجة القول المرجَّح الجمع بين دلالة الأمر على الوجوب وكون الأصل
براءة الذمة، وحُجة الثاني الاحتياط.
وليست القاعدة خاصة بالأمر بل هي عامة في كل لفظ له معنى كُلِّي له جزئيات متباينة في الكثرة، فتدخل فيها أيْمان الطلاق وسائر الألفاظ المحتملة، كمن حلف بالحرام وحنث هل تُحمل يمينه على أدنى ما تحتمله وهو طلقة بائنة أو على أعلاه وهو الثلاث؟ ورُجِّح القول بحَمْلِه على طلقةٍ بائنة حيث لا نية له سوى مطلق التحريم إذا لم يجر عرف باستعمال الحرام في ثلاث طلقات، وهو الذي أحْكُم به وأُفتي.
315 -
وذاك في الحكم على الكُلِّيِّ
…
مع حُصول كثرةِ الجُزْئي
يعني أن الخلاف في الأخذ بالأخف أو الأثقل المذكور في البيتين قبل محله في الحكم على الكلي الذي له جزئيات أكثر من واحد وتلك الجزئيات متفاوتة بالشدة والخفة كما رأيت.
316 -
وربما اجتماع أشياء انحظل
…
مما أتى الأمرُ به على البدل
317 -
أو الترتُّبِ. . . . . . . .
…
. . . . . . . . . . . . .
أي وربما انحظل أي امتنع اجتماع شيئين أو أشياء مما أتى من المأمورات الأمر به على البدل والترتب.
الأول: كتزويج المرأة من كُفئين فإنه مأمور به على سبيل البدل بأن تزوج لأحدهما مكان الآخر ويحرم الجمع بينهما.
والثاني: كأكل المذكى والميتة فإنه مأمور به لكن على الترتيب فلا يجوز أكل الميتة إلا عند عدم المذكى في حال الضرورة ويحرم الجمع بينهما.
…
...
…
... وقد يُسَنُّ
…
وفيه قُل إباحةٌ تعنُّ
أي وقد يُسن الجمع بين الشيئين أو الأشياء. و"تعنّ" أي تعرض فيه الإباحة أيضًا فيباح الجمع بينهما. فالأول: كستر المحرم عورته بثوبين يكفيه واحد منهما، لكن يُنْدَب له الجمع بينهما بأن يجعل أحدهما رداء والآخر أزرة. والثاني: كالجمع بين التيمم والوضوء لمن حُكْمه التيمم وتحمَّل المشقة وتوضأ بعد أن تيمم.