الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أن هذا الشيء المُجاز فيه هو سماع المُجيز بأن يثبت ذلك عنده بطريقٍ تفيدُ العلم أو غلبة الظن. وقال قوم من أهل الحديث: لا يجوز العمل ولا الرواية بالإجازة، قال شعبة: لو جازت الإجازة لبطلت الرحلة في طلب العلم
(1)
.
598 -
لِشبْهِها الوقْفَ تجي لمن عُدِمْ
…
وعدَمُ التفصيل فيه مُنْحَتِمْ
يعني أنه تجوز
الإجازة للمعدوم
، نحو: أجزتُ لمن سيولد لفلان رواية هذا الكتاب عنِّي، لمشابهتها للوقف. وقوله:"وعدم التفصيل" يعني أن الإجازة للمعدوم تجوز مطلقًا من غير تفصيل خلافًا لمن قال: لا تجوز مطلقًا، ولِمَن فصَّل في ذلك قائلًا: إن كان المعدوم تَبَعًا لموجود جازت نحو: أجزت لك ولمن سيولد لك، وإن لم يكن المعدومُ تبعًا لموجود نحو: أجزتُ لمن سيولد لك، لم تَجُز.
599 -
والكَتْبِ دونَ الإذنِ بالذي سُمع
…
إن عُرِفَ الخَطُّ وإلا يمتنع
قوله: "والكَتْبِ" بالخفض عطفًا على قوله: "الإجازة" يعني أنه يجوز العمل بالكتب دون الإذن بالرواية بأن يكتب راوٍ لغيره بأن هذا سماعه، ولم يقل له: أجزتُ لكَ روايته عَنِّي، فإنَّ العملَ به يجوز دون الرواية، ومحلّ جوازِهِ إذا كان يعرفُ الخطَّ الذي كتب به إليه الراوي، أو شَهِدَت عليه بينة، فإن لم يعرفه ولم تقم عليه بينة لم يَجُز العملُ به وذلك هو مراده بقوله:"إن عرف الخط وإلا يمتنع"، ومفهوم قوله:"دون الإذن" أنه لو أذن له مع الكتب لكان إجازة.
(1)
أخرجه الخطيب في "الكفاية": (1020).
600 -
والخُلْفُ في إعلامه المُجَرَّدِ
…
واعْمِلَن منه صحيحَ السَّنَدِ
يعني أنهم اختلفوا في إعلام الشيخ المجرَّد عن الإجازة، كما إذا قال لك الشيخ: هذا الحديث أو هذا الكتاب من سماعي عن فلان، مقتصرًا على ذلك هل تجوز الرواية [عنه] بهذا أم لا؟ والقول بالجواز ذهب إليه كثير من الأصوليين والفقهاء والمحدثين، وممن ذهب إليه من المالكية ابن حبيب وصححه عياض
(1)
. والقول بالمنع قال به أيضًا جماعة من الأصوليين وكثير من المحدثين، وممن جزم به الغزالي
(2)
. وحجة المنع القياس على الشاهد إذا ذكر شهادته في غير مجلس الحكم، فإنه لا يجوز تحمُّلها إلا بإذنه، وقالوا أيضًا: قد يحدِّث الإنسان بشيء ولا يُجَوِّز روايته عنه لكونه يعلم فيه خَلَلًا مانعًا من القبول.
أما العمل بإعلامه المجرَّد فهو جائز إذا كان صحيح السند والمتن أو حسن السند والمتن، فالمدارُ على صحة المتن أو حُسنه صحَّ الإسناد أو حَسُن أم لا، والمتن والإسناد كل منهما يصح ويحسن دون الآخر، فالإسنادُ قد يكون صحيحًا مع أن المتن غيرُ صحيح لعلةٍ أو شذوذ، كما أن المتن يكون صحيحًا مع أن الإسناد غير صحيح كما في الصحيح لغيره، لأن كثرة الطرق وإن كانت ضعيفة قد يشدُّ بعضُها بعضًا فيصح المتن بمجموعها مع أن كل واحد منها بانفراده ضعيفٌ.
لا تخاصم بواحدٍ أهلَ بيتٍ
…
فضعيفان يغلبان قويًّا
(1)
في "الإلماع": (ص / 107 - 108).
(2)
انظر "المستصفى": (1/ 165).
وقس على ذلك الحَسَن.
601 -
والأخذُ عن وِجادةٍ مما انحْظَل
…
وَفْقًا وجُلُّ الناس يمنَعُ العَمَلْ
الوِجَادة -بكسر الواو- مصدر وَجَد وهو غير مسموع عن العرب وإنما هو موَلَّد يستعمله المؤلفون، ومرادُهم بالوجادة هو: ما وُجِد من حديث ونحوه مكتوبًا في صحيفة بخط شيخٍ معروفٍ من غير سماع ولا إجازة ولا مناولة. يعني أن الرواية بالوجادة ممنوعة اتفاقًا والعملُ بها ممنوع عند الجُلِّ، هذا مراده، وكثير من محققي النُّظَّار على جواز العمل بها وعن الشافعي ونُظَّار أصحابه جواز الرواية بها، وقطع بعضُ محققي الشافعية بوجوب العمل بها عند حصول الثقة
(1)
.
602 -
وما به يُذْكَرُ لفظُ الخبرِ
…
فذاك مسطورٌ بعلمِ الأثرِ
يعني أن كيفيات أداء رواية الحديث مسطورة في مصطلح الحديث، ولذا تركها هنا عملًا بما قال في أول الكتاب:"منتبذًا عن مقصدي ما ذكرا" إلخ.
* * *
(1)
بنحوه في "علوم الحديث": (ص/ 180) لابن الصلاح.