الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المقيّد وَالمطلق
432 -
فما على معناه زِيدَ مُسْجَلا
…
مَعنى لغيرهِ اعتقِدْهُ الأوَّلا
يعني أن الأولى الذي هو المقيد هو: ما زِيْد معنًى على معناه لغير معناه نحو: "رقبة مؤمنة" فالإيمان معنى زيد على معنى الرقبة، فالرقبة مقيدة بالإيمان. وقوله:"مُسْجلا" معناه مطلقًا أي سواءٌ ذُكِر القيد أو كان مقدَّرًا، فمثال ذكره قوله تعالى:{فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} [النساء/ 92]. ومثال تقديره قوله تعالى: {وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (79)} [الكهف/ 79] فالسفينة هنا مقيدة بالصفة المقدرة أي كل سفينة صالحة صحيحة، وكذلك كان يقرؤها ابن عباس
(1)
.
وقول عَبيد بن الأبرص
(2)
:
مَنْ قوله قولٌ ومَن فعله
…
فعلٌ ومَن نائلُه نائلُ
أي: قوله قولٌ فَصْل، وفعله فعل جميل، ونائله نائل جَزْل.
وقول الآخر
(3)
:
وَرُبَّ أسيلةِ الخدَّين بكر
…
مهفهفةٍ لها فرعٌ وجيد
أي: فرع فاحم وجِيد طويل.
(1)
أخرجه البخاري رقم (3401)، ومسلم رقم (2385)، وابن جرير:(15/ 354).
(2)
"ديوانه": (ص/ 94).
(3)
البيت للمرقش الأكبر، انظر "المفضليات":(ص/ 224)، و"الأغاني":(6/ 126). وفيها: منعَّمة لها.
433 -
وما على الذات بلا قيدٍ يدُلْ
…
فمطلقٌ وباسمِ جنسٍ قد عُقِلْ
يعني أن المطلق الذي هو اسم الجنس هو: اللفظ الدال على الماهية بلا قيد أي من غير تقييد بوحدة أو تعيين خارجي أو ذهني، لأنه إن قُيد بوحدة صار النكرة، وإن قُيد بتعيين خارجي صار المعرفة، كالمُعَرَّف بأل العهدية، وإن قُيد بتعيين ذهني صار علمَ الجنس، وعلى هذا التعريف فعَلَم الجنس لا يدخل في اسم الجنس، لأنه مقيّد بالوحدة الذهنية بخلاف اسم الجنس فإنه غير مقيد بشيء، ولكنَّ هذا يشكل عليه أن من فرَّق بين النكرة واسم الجنس كالسبكي جعل موضوع القضية الطبيعية هو اسم الجنس، ومعلوم أن موضوع القضية الطبيعية لابد فيه من مراعاة الوحدة الذهنية للماهية، إذ احتمال دخول الفرد في ضمنها لا يصح في الطبيعية وإن صح في اسم الجنس؛ لأن الماهيَّة في اسم الجنس لا تتحقق في الخارج إلا في ضمن بعض أفرادها، والطبيعية لا يمكن
(1)
وجودُ فردٍ من أفرادها الخارجية لأنها لم يقصد فيها إلا الماهية من حيث هي هي، فهي المحكوم عليه دون أفرادها الخارجية، فلو قلت: إنسانٌ كلِّي، لا يمكن الحكم بكونه كليًّا على فرد من أفراد الإنسان؛ لأن كل فرد من أفراده جزئي، صمانما الكلِّيُّ الصادق عليه الحكم: ماهيته. وجعل العبادي في "الآيات البينات"
(2)
عَلَم الجنس في حكم اسم الجنس.
واعلم أن المراد بالجنس هنا ما يشمل الجنس والنوع والصنف عند
(1)
الأصل: يكمن.
(2)
(3/ 83).
المنطقيين، كالحيوان فإنه جنس، والإنسان فإنه نوع، والعربيّ فإنه صنف.
وحاصل الفرق بينهما
(1)
: أن كل حقيقية اعتبرت من حيث هي هي فهي المطلق، وإن اعتبرت بإضافة شيء آخر إليها فهي المقيد.
434 -
وما على الواحدِ شاع النَّكِرَه
…
. . . . . . . . . . .
يعني أن اللفظ الدالَّ على واحد شائع في جنسه، أي يصح إطلاقه على كل فرد من أفراد الجنس إطلاقًا بدليًّا هو النكرة نحو:"رجلٌ، ورقبةٌ" وكذلك "رجلان" فإنه يدل على اثنين شائعين في جنسهما، و"رجالٌ" فإنه يدل على ثلاثة شائعة من جنسها، فلفظ المطلق والنكرة واحد، وإنما الفرق بينهما اعتباري، لأن المطلق يعتبر فيه مطلق الماهية من غير قيد بشيء، والنكرة يعتبر فيها الواحد الشائع في جنسه.
فإن قيل: إذا كان المعتبر في اسم الجنس مطلق الماهية وهي ذهنية، فأيُّ حاجة للأصول في الحقائق الذهنية؟
قلنا: إن الحقائق الذهنية المطلقة قد توجد في الخارج في ضمن أفرادها، فالأفراد إذًا تدخل في المطلق لضرورة عدم وجوده في الخارج إلا في ضمنها.
. . . . . . . . . . .
…
والاتحادُ بعضُهم قد نصرَه
يعني أن اتحاد النكرة واسمِ الجنس، وأن كل واحد منهما هو ما دل على واحد شائع في جنسه، نَصرَه بعضُ الأصوليين وهو مذهب ابن
(1)
أي: المطلق والمقيد.
الحاجب والآمدي
(1)
، وعليه عامة النحويين، لأن الموجود في الخارج هو الفرد، والماهية الذهنية لا وجود لها في الخارج، وقد قدمنا وجودها فيه ضمن أفرادها.
وثمرة الخلاف في هل دلالة المطلق على الفرد بالمطابقة أو الالتزام؟ فعلى الاتحاد مع النكرة فهي مطابقة، وإلا فهي التزام، والمراد بالنكرة المتحدة بالمطلق عند هذا البعض هي النكرة في سياق الإثبات التي لم تقترن بأداة استغراق نحو:"رجلٌ، ورقبة" أما التي في سياق النفي كـ "لا رجلَ" والتي في سياق الإثبات مع الاستغراق نحو: "كلُّ رجلٍ" فهي للعموم، ولم تتحد باسم الجنس.
435 -
عليه طالقٌ إذا كان ذكَرْ
…
فولَدَت لاثنين عندَ ذي النظَرْ
يعني أنه ينبني على الفرق بين النكرة واسم الجنس خلافُ الفقهاء فيمن قال لزوجته: "إن ولدت ذكرًا فأنت طالق" فولدت ذكرين هل تطلق أم لا؟ فعلى إرادة المطلق تطلق لأن التعليق على مطلق الماهية وقد وُجِدت في ضمن كل من الولدين، وعلى إرادة النكرة لم تَطْلق لأنها جاءت بغير المعلق عليه، لأن الوحدة الشائعة التي هي مدلول النكرة في معنى: إن ولدت ذكرًا واحدًا، وقد جاءت بذكرين، وكونهما اثنين مخالف للوحدة الشائعة التي هي معنى النكرة.
436 -
بما يخصِّصُ العمومَ قَيِّدِ
…
ودَعْ لِما كان سواه تقتدي
(1)
انظر "المختصر - مع شرحه": (2/ 349)، و"الإحكام":(3/ 5) للآمدي.
يعني أن المطلق يقيد بما يخصَّص به العامُّ من كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس.
مثاله في الكتاب: تقييد الآيات التي أطلق فيها الدّمُ عن قيد المسفوحية في البقرة والنحل والمائدة بقيد المسفوحية في قوله: {أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا} [الأنعام/ 145].
ومثال التقييد بالسنة: تقييد إطلاق المسروق في قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ} [المائدة/ 38] الآية بالسنة التي بينت أن القطع مُقيد بكون المسروق ربع دينار
(1)
-مثلًا-.
ومثال التقييد بالإجماع: تقييد قوله تعالى: {يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ} [الكهف/ 79] بالإجماع على أن المراد بها خصوص الصحيحة الصالحة، وقد تقدم أن التخصيص في الحقيقة بمستند الإجماع فكذلك التقييد.
ومثال التقييد بالقياس: تقييد قوله تعالى في كفارة الظهار واليمين: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [المائدة/ 89] و [المجادلة/ 3] بالقياس
(2)
على كفارة القتل المقيَّدة بالإيمان في قوله: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} [النساء/ 92] بناءً على القول القائل بأن حَمْل المطلق على المقيد بالقياس ورجَّحه بعض الأصوليين.
أما المخصِّصات المتصلة فالظاهر أن التقييد لا يكون بها إلَّا في
(1)
أخرجه البخاري رقم (6789)، ومسلم رقم (1684) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(2)
ط: بالإيمان بالقياس.
الصفة كقوله: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} ، وقوله:{فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا} [الكهف/ 110] لأن المطلق إما مطلق الماهية أو الواحد الشائع كما تقدم، والواحد لا تعدُّد في ذاته حتى يخرج بعضها بالاستثناء أو بالشرط أو بالغاية أو ببدل البعض، والمطلق على كونه مطلق الماهية لم يقصد به متعدد حتى يخرج بعضُ أفراده أيضًا.
437 -
وحملُ مطلقٍ على ذاك وجبْ
…
إن فيهما اتحدَ حكمٌ والسَّبَبْ
يعني أنه إذا ورد في الوحي نصٌّ فيه إطلاق وآخر فيه تقييد وكان سببُهما واحدًا وحكمهما أيضًا واحدًا فإن المطلق يُحمل على المقيد كتقييد الدم في قوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ} [المائدة/ 3] بقيد المسفوحية المذكور في قوله: {أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا} [الأنعام/ 145]؛ لأن السبب واحد والحكم واحد. وكتقييد قوله صلى الله عليه وسلم: "لا نكاح إلَّا بوليّ"
(1)
بقوله في بعض الروايات:
(1)
هذا الحديث روي عن نحو ثلاثين من الصحابة، وأحسن رواياته رواية أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أخرجه أحمد:(32/ 280 رقم 19518)، وأبو داود رقم (2085)، والترمذي رقم (1101)، وابن ماجه رقم (1881)، وابن خزيمة -ذكره ابن الملقن-، وابن حبان "الإحسان" رقم (4077)، والحاكم:(2/ 169 - 172). قال الترمذي: هذا حديث حسن. . وحديث أبي موسى حديثٌ فيه اختلاف. ثم رجح الطريق الموصولة. وصححه عبد الرحمن بن مهدي وعلي ابن المديني وابن حبان والحاكم والبيهقي وابن الملقن وغيرهم. انظر: "السنن الكبرى": (7/ 107 - 112)، و"إرشاد الفقيه":(2/ 145 - 146)، و"نصب الراية":(3/ 187 - 190)، و"البدر المنير":(7/ 543 - 550).