الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أي ويدل له قوله المتقدم: "والمثل عند الأكثرين مبطل"
(1)
.
408 -
إن كان غيرُ الأول المستَغْرِقا
…
فالكل للمُخْرَجِ منه حُقِّقا
يعني أن الاستثناء إذا تعدد واستغرق غير الأول عاد الكل إلى المُخْرَجِ منه الذي هو المستثنى منه نحو: "له عليَّ عشرة إلَّا اثنين إلَّا ثلاثة إلَّا أربعة" فيخرج الكل من العشرة يبقى واحد فقط هو اللازم.
409 -
وحيثُما استغرقَ الأولُ فقطْ
…
فأَلْغِ واعتبر بخَلْفٍ في النَّمَطْ
يعني أنه
إذا تعدَّد الاستثناء ولم يستغرق منه إلَّا الأول
فقط نحو: "له عليَّ عشرة إلَّا عشرة إلَّا أربعة" فقيل: يُلغى ما يعد المستغرق تبعًا له وهو الأربعة في المثال المذكور فتلزم العشرة، وهذا هو معنى قوله:"فألْغِ". وقيل: يعتبر ما بعده، وعليه فقد اخْتُلِف في نمط أي طريق اعتباره فقيل: يُستثنى الثاني من الاستثناء الأول، فتلزم أربعة لأن العشرة المستثناة من العشرة منفية لأن الاستثناء من الإثبات نفي، والأربعة المستثناة منها منفية لأن الاستثناء من النفي إثبات. وقيل: يعتبر الاستثناء الثاني ويبطل الأول، فيكون الثاني الذي هو استثناء الأربعة في المثال المذكور من العشرة الأولى وهي مثبتة، وهو من الإثبات نفيٌ فتبقى ستة هي اللازمة.
410 -
وكلُّ ما يكونُ فيه العطفُ
…
من قبلِ الاستثنا فكُلًّا يقفو
411 -
دونَ دليلِ العقلِ أو ذي السَّمعِ
…
والحقُّ الافتراقُ دون الجَمْعِ
يعني أن الاستثناء الوارد بعد متعاطفات سواءٌ كانت مفردات أو
(1)
البيت رقم (403).
جملًا فإنه يرجع لكلها حيث صلح له، لأنه الظاهر عند الإطلاق إلَّا لدليل يُعَيِّن ما يرجع إليه الاستثناء من المتعاطفات، فإن وُجِد دليل يُعين الرجوع إلى بعضها اتُّبع.
مثاله في المفردات قولك: "تصدَّق على المساكين وأبناء السبيل وبني تميم إلَّا الفاسق منهم" فإنه يخرج فاسق الكل، وقوله صلى الله عليه وسلم:"لا يجلسَنَّ أحدُكم على تَكْرِمة أخيه ولا يؤمُّه في بيته إلَّا بإذنه"
(1)
فإنه راجع لهما.
ومثاله في الجُمَل قولك: "عبيدي أحرار ونسائي طوالق إلَّا المسلم منهم" فإنه يخرج مسلم الكل، وقوله تعالى:{وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ} إلى قوله: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا} [الفرقان/ 68 - 69] الآية، فإنه راجع إلى الكل.
وخالف أبو حنيفةَ الجمهورَ قائلًا: إن الاستثناء يرجع إلى الجملة الأخيرة فقط، ولأجل ذلك لم يقبل شهادةَ القاذف ولو تابَ وأصلحَ لأن قوله تعالى:{إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا} يرجع عنده لخصوص جملة {وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا} أي فقد زال فسقهم بالتوبة، ولا يَقْبل رجوع الاستثثاء إلى قوله:{وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا} أي: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا} [النور/ 4 - 5] فاقبلوا شهادتهم، بل يقول: لا تقبلوها لهم مطلقًا، والاستثناء لم يرجع إليها لاختصاصه بالأخيرة.
(1)
أخرجه مسلم رقم (673) من حديث أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه ضمن حديث، ولفظه:"ولا يؤمن الرجلُ الرجلَ في سلطانه ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه".
ولم يخالف أبو حنيفة قاعدَتَه هذه في قوله تعالى: {إِلَّا مَنْ تَابَ} فإنه موافق للجماعة في رجوعه لجميع الجمل قبله، ووجه عدم مخالفته فيه لأصله: أنه عنده راجع إلى الأخيرة فقط وهي قوله تعالى: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68)} إلَّا أن الإشارة في قوله: {ذَلِكَ} راجعة إلى جميع الجمل المتقدمة، وبرجوعه لها صار الاستثناء راجعًا للكل فظهر أن أبا حنيفة لم يخالف فيها أصلَه.
قال مُقيِّده عفا اللَّه عنه: هذه القاعدة التي ذكرها المؤلف وذكرناها عن الجمهور، منهم المالكية والشافعية والحنابلة، مِن رجوع الاستثناء لجميع المتعاطفات قبله تقتضي صحة احتجاج داود الظاهريِّ على إباحة جمع الأختين في الوطء بملك اليمين؛ لأنه يقول: إن قوله: {إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} راجع أيضًا لقوله: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ} [النساء/ 23] أي: إلَّا ما ملكت أيمانكم من الأخوات فلا يحرم فيه الجمع.
والجواب عن هذا: أن التحقيق في هذه المسألة هو ما حقَّقه بعضُ المتأخرين كابن الحاجب
(1)
من المالكية، والغزالي
(2)
من الشافعية والآمدي
(3)
من الحنابلة
(4)
= مِن أَنَّ حُكم الاستثناء بعد الجمل المتعاطفات
(1)
انظر "المختصر - مع شرحه": (2/ 281) للأصفهاني.
(2)
انظر "المستصفى": (2/ 177).
(3)
انظر "الإحكام في أصول الأحكام": (2/ 506).
(4)
كان حنبليًّا في أول أمره، ثم انتقل إلى مذهب الشافعي، انظر:"البداية والنهاية": (17/ 214)، و"طبقات الشافعية الكبرى":(8/ 306 - 307).
هو الوَقْف لاحتمال رجوعه للكل أو البعض أخيرًا أو أوَّلًا.
ووَجْه كون هذا القول هو التحقيق: أن القرآن يشهد له في آيات كثيرة كقوله تعالى: {فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ} إلى قَوْله: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا} [النور/ 4 - 5] فإنه لا يرجع إلى الجملة الأولى التي هي {فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} لأن القاذف لا يسقط عنه حدّ القذف بالتوبة. وكقوله تعالى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا} [النساء/ 92] فإنه لا يرجع للأولى لأن تَصَدُّق مستحق الدية بها لا يُسقط كفارةَ القتل خطأً. وكقوله تعالى: {فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (89) إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ} [النساء/ 89 - 90] الآية، فإنه لا يرجع للأخيرة التي هي:{وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (89)} لأن اتخاذهم أولياء حرامٌ مطلقًا دون استثناء، ولكنه راجع للأولين أعني قوله:{فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ} أي خذوهم بالأسْرِ واقتلوهم، إلَّا الذين يَصِلُون إلى قومٍ بينكم وبينهم ميثاق فليس لكم أسْرُهم ولا قَتْلُهم لأن لهم من الميثاق ما لمن وصلوا إليهم، لاشتراطهم ذلك في عقد الصلح الذي عقده صلى الله عليه وسلم مع هلال بن عُوَيمر، وسراقة بن مالك.
وإذا كان الاستثناء ربما لا يرجع للأخيرة التي هو يليها فكيف يكون نصًّا في الرجوع إلى غيرها؟ ! فتبين أنه لا حجة لداود الظاهري في الاستثناء بقوله: {إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} على التحقيق.
وفرَّق بعضُ العلماء بين المفردات والجملِ فقال: يرجع للكل في المفردات بلا خلاف، وفي الجُمَل فيه خلاف، وفرَّق بعضهم بين العطف
بالواو وبين العطف بغيرها قائلًا برجوعه للكل في الواو دون غيرها.
وقوله: "والحق الافتراق دون الجمع" يعني أنه على القول برجوع الاستثناء لجميع المتعاطفات قبله فالحق أنه يعود إلى الجميع مفرَّقًا ولا يعود إليه مجموعًا، وتظهر ثمرةُ ذلك فيما لو قال:"أنتِ طالق ثلاثًا وثلاثًا إلَّا أربعًا" فعلى التفريق تلزمه الثلاث لأن قوله: "إلَّا أربعًا" راجع لكل من الثلاث بانفراده، والأربعة مستغرقة للثلاث فيبطل الاستثناء في كل منهما لاستغراقه، وعلى الجمع تجمع الثلاث والثلاث فيكون مجموعها ستة فيكون كمن قال:"ستًّا إلَّا أربعًا" فتلزمه طلقتان.
412 -
أمَّا قِرانُ اللفظ في المشهورِ
…
فلا يُساوي في سِوى المذكُورِ
يعني أن القِران بين جملتين مثلًا، أو مفردَيْن مثلًا، أي الإتيان باللفظين الدالَّين عليهما مقترنين لا يوجب التسوية بينهما في غير ذلك الحكم المذكور، كقوله تعالى:{وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة/ 196] عند من يقول بعدم وجوب العمرة فإنه تعالى قَرَن بينهما في حكم، هو وجوب الإتمام بعد الشروع، فلا يلزم من ذلك مساواتهما في الحكم ابتداءً، ومن قال بالوجوب يقول: معنى الإتمام ابتداء فعلهما والإتيان بهما تامَّين. وما ذكره المؤلف من أن القِران في اللفظ لا يدل على المساواة في غير ذلك الحكم هو مذهب الجمهور خلافًا لبعض المالكية، والمُزَنيِّ من الشافعية، وأبي يوسف من الحنفية، وعليه تكون العمرة واجبة كالحج ولو على أن المراد بالإتمام الإتمام بعد الشروع.
413 -
ومنه ما كان مِنَ الشرطِ أَعِدْ
…
للكلِّ عند الجلِّ أو وَفْقًا تُفِدْ