الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المشْترك
الاشتراك هو أن يتحد اللفظ ويتعدد معناه الحقيقي، كالعين للباصرة والجارية.
194 -
في رأي الأكثرِ وقوعُ المشترَكْ
…
وثالثٌ للمنعِ في الوَحْي سلَكْ
يعني أن في وقوع المشترك ثلاثة أقوال:
الأول -وهو رأي الأكثر وهو الحق-: جوازه ووقوعه مطلقًا في الوحي وغيره، كقوله:{ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة/ 228] لأن القرء مشترك بين الطهر والحيض، وحُجَّة هذا القول مشاهدة الوقوع.
القول الثاني: منع وقوع المشترك مطلقًا في الوحي وغيره، وحجة القائل به أن الاشتراك يخل بفهم المراد من اللفظ لاحتماله لكل من معْنيَيْ المشترك.
وأُجِيْب بأنه يتعين أحد معنيَيْه بقرينة، وإن لم توجد قرينة حمل على معنَيَيْهِ.
القول الثالث: منعه في الوحي دون غيره، وحجة القائل به أنه لو وقع في الوحي لوقع إما مبينًا فيطول بلا فائدة، أو غير مبين فلا يفيد لعدم فهم المراد منه، والوحي ينزَّه عن ذلك.
وأجيب بأمرين:
الأول: أنّا لا نسلم لزوم الطول، فقولك -مثلًا-:"شربت من العين" لا طول فيه مع أنه قرينة تبين أن المقصود الجارية لا الباصرة.
الثاني: أنا لو سلمنا جدليًّا أنه يطول فلا نسلم كون الطول بلا فائدة؛ لأن التفصيل بعد الإجمال من مقاصد اللغة العربية، ففيه فائدة لم تكن في غيره لأنه أوقع في الذهن، لأن الإجمال يستدعي تشوّفًا
(1)
إلى التفصيل، فإذا جاء التفصيل صادف محله للتسوُّف إليه.
195 -
إطلاقَة في مَعْنَيَيْه مثلا
…
مجازًا أو ضدًّا أجازَ النُّبلا
يعني أن النبلاء -أي الأذكياءَ- من الأصوليين أجازوا إطلاق المشترك على معنييه في وقت واحد من متكلم واحد. وقول المؤلف: "مثلا" يعني أو معانيه إذا كان مشتركًا بين أكثر من اثنين كقولك: "عندي عين" وتعني الباصرة والجارية والذهب. وقوله: "مجازًا أو ضدًّا" يعني أن المشترك إذا أُطلق على مَعْنييه أو معانيه قيل: إنه يكون مجازًا لأن اللفظ لم يوضع لمعنيين أو معان وإنما وضع لكل واحد بانفراده، وكونه مجازًا قول أكثر المالكية. وقيل: يُطلق على معنييه أو معانيه حقيقةً وهو قول الباقلاني والشافعيّ والمعتزلة، وهو مراد المؤلف بقوله:"أو ضدًّا"، يعني ضد المجاز وهو الحقيقة، ومحل القول بإطلاقه على معنييه أو معانيه إن أمكن ذلك بأن يكون لا منافاة بين المعنيين أو المعاني أو تكون بينهما منافاة ولكنها من غير الوجه الذي حصل فيه الإطلاق، فالأسود والأبيض -مثلًا- متنافيان في ذاتَيْهما، والجَون مشترك بينهما، فيجوز على هذا القول أن تقول:"ملبوسي الجَون" وتعني الأسود والأبيض؛
(1)
ط: تشوقًا بالقاف، وكذا ما بعدها.
لأنك لابس لكل منهما، ومن هذا الوجه لا منافاة لجواز جمعك بين لُبْس الأبيض والأسود. وتقول:"أقرأت المرأة" بمعنى حاضت وطهرت. وقوله: "إطلاقَه" مفعولٌ مقدَّم على فعله الذي هو "أجاز" و"النُّبَلا" مقصور للوزن.
196 -
إن يخْلُ من قرينةٍ فمجمَلُ
…
وبعضُهم على الجَميع يحمِلُ
يعني أن المشترك إذا تجرد من القرائن الدالة على تعيين أحد معنييه أو معانيه أو على تعميمه لجميع معانيه يُحْكم عليه بأنه مجمل أي غير متضح المعنى كما يأتي للمؤلف، وبعض العلماء يحمله على معنييه أو معانيه كما هو مذهب الشافعي قائلًا بظهوره في ذلك عند التجريد من القرائن.
197 -
وقيلَ لم يُجِزْه نهجُ العُرْبِ
…
وقيل بالمنع لضدِّ السَّلْبِ
يعني أن بعض العلماء قال بأن إطلاق المشترك على معنَيَيْه أو معانيه لا يجوز لغة لا حقيقة ولا مجازًا، ولكن يجوز عقلًا؛ لأن العرب لم تستعمله إلا في كلِّ واحد من معانيه بانفراده لا في مجموعها، وهذا قول الغزالي، وأبي الحسين البصري المعتزلي، والبيانيين وغيرهم.
وقوله: "وقيل بالمنع" إلخ يعني أن بعضهم قال: لا يجوز إطلاق المشترك على معنييه في الإثبات وهو مراده بضد السلب، لأن السلب النفي وضده الإثبات، وهذا القول يقول صاحبه: إن ذلك يجوز في النفي ومثله النهي فتقول مثلًا: "لا قُرْأَ لهند الحامل تعتدّ به"، وتريد أنها لا تعتدّ بحيض ولا طهر لأنها تعتدُّ بوضع حملها، ومثله النهي فتقول:"لا تعتدِ على عينٍ لزيد" وتعني الباصرة والجارية والذهب، لأن النكرة
في سياق النفي تعم بخلاف الإثبات. ويدخل في الإثبات الأمر، وإذا كان المعنيان لا يمكن الجمع بينهما امتنع حمل المشترك عليهما قولًا واحدًا كحمل صيغة "افعل" على طلب الفعل والتهديد.
وقوله: "لضد السلب" مقتضى كلامه أن الإثبات ضد النفي ومراده الضّدُّ اللغوي لا الاصطلاحي؛ لأن النفي والإثبات ليسا بضدَّيْن اصطلاحًا، وإنما هما في الاصطلاح نقيضان.
198 -
وفي المجازَيْن أو المجازِ
…
وضِدّه الإطلاقُ ذو جوازِ
يعني أنه يجوز لغة إطلاق اللفظ على مجازَيْه أو على مجازه وحقيقته. فمثال إطلاقه على مجازَيْه قولك: "لا أشتري" وتريد لا أسوم، ولا يشتري لي وكيلي. ومثال إطلاقه على حقيقته ومجازه عندهم قوله:{وَافْعَلُوا الْخَيْرَ} [الحج/ 77] فإن صيغة الأمر حقيقة في الوجوب مجاز في الندب، وهو مستعمل هنا فيهما لتناول الأمر للواجب والمندوب في قوله:{وَافْعَلُوا الْخَيْرَ} ومحل جواز إطلاق اللفظ على مجازَيْه أن تقوم قرينة على إرادتهما، أو يكونا متساويين في الاستعمال ولا مرجح لأحدهما، فإن رجح أحدهما تعين، وأن لا يتنافيا كالتهديد والإباحة.
ومحل جواز إطلاقه على حقيقته ومجازه فيما إذا ساوى المجازُ الحقيقةَ في الشهرة، فإن لم يساوها امتنع إرادته معها، وإن حمل على حقيقته ومجازه معًا يكون مجازًا، وقيل: حقيقة ومجازًا باعتبارين، وقول المؤلف:"أو المجاز وضده"، يعني المجاز والحقيقة، أي حمل اللفظ عليهما معًا.