المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ الفرق بين الاستثناء المتصل والمنقطع - نثر الورود شرح مراقي السعود - جـ ١

[محمد الأمين الشنقيطي]

فهرس الكتاب

- ‌(فصل)

- ‌ حد التكليف

- ‌ الرغيبة في اصطلاح المالكية

- ‌ كل حكم يتوقف على ثلاثة أشياء

- ‌ الفرق بين الركن والشرط:

- ‌ العلة الشرعية والسبب الشرعِيّ

- ‌ الأداء له ثلاث حالات:

- ‌ ثمرة الخلاف في الأمر هل ينقطع بالمباشرة أو لا

- ‌ فائدة التكليف

- ‌كتاب القرآن ومَباحث الألفاظ

- ‌المنطوق والمفهوم

- ‌ أقسام مفهوم الموافقة

- ‌فصل

- ‌ هل تثبُتُ اللغةُ بالقياس

- ‌فصل في الاشتقاق

- ‌ ضابط الاشتقاق المطرد بالقياس

- ‌فصل في التَّرادُف

- ‌ اختلف في الترادف على ثلاثة أقوال:

- ‌المشْترك

- ‌فصل: الحقيقَة

- ‌ أقسام الحقيقة

- ‌المجَاز

- ‌ إذا تعذَّرَت الحقيقة يجب عند المالكية الانتقال إلى المجاز

- ‌المُعَرَّب

- ‌الكناية والتعريض

- ‌الأمر

- ‌ من فعل في العبادة كالصلاة ضدَّها كالسرقة هل يفسدها

- ‌ النهي الوارد بعد الوجوب

- ‌الواجب الموسع

- ‌[فصل ذو الكفاية]

- ‌ المسنون على الكفاية

- ‌النهي

- ‌ صيغة النهي حقيقة في التحريم

- ‌ في نفي الإجزاء والقبول

- ‌العام

- ‌ غير المقصود هل يدخل في حكم العام والمطلق

- ‌ مدلول العام في التركيب

- ‌ الخطاب الخاص بالنبي صلى الله عليه وسلم

- ‌ما عَدَمُ العمومِ أصحُّ فيه

- ‌التخصِيص

- ‌ أقل الجمع الحقيقي

- ‌ العام المخصوص

- ‌ العام الذي دخله تخصيص حجة في الباقي

- ‌المخصِّصُ المتصل

- ‌ الفرق بين الاستثناء المتصل والمنقطع

- ‌ استثناء المِثْلِ مبطل للاستثناء

- ‌ إذا تعدَّد الاستثناء ولم يستغرق منه إلَّا الأول

- ‌ الشرط يعود لكل الجمل المتقدمة

- ‌ إن اشْتُرط شرطان أو أكثر

- ‌ إن عُلِّق شيءٌ على أحدِ شرطين على سبيل البدل

- ‌ الغاية تخصِّص سواء تقدمت أو تأخرت

- ‌ بدل البعض من الكل من المخصِّصات المتصلة

- ‌المخصِّص المنفصل

- ‌ الأكثر يخصِّصون النص بالقياس

- ‌ أربع مسائل اختُلِف في التخصيص بها

- ‌المقيّد وَالمطلق

- ‌ القيد إذا تأخر وروده عن أول وقت العمل

- ‌ إذا كان الإطلاق والتقييد في أمر ونهي

- ‌التأويل، والمُحكم، والمُجْمَل

- ‌ ثلاثَ مسائل من مسائل التأويل البعيدة:

- ‌ النَّصَّ الواحد يكون مبيَّنًا من جهةٍ مجملًا من جهةٍ أخرى

- ‌البَيَان

- ‌ البيان يكون بكلِّ ما يجلو العمى

- ‌ النبي صلى الله عليه وسلم لم يؤخِّر بيانًا عن وقت الحاجة إليه

- ‌ تأخير البيان إلى وقت العمل به فيه أربعة مذاهب:

- ‌النسخ

- ‌ القياس لا يصح النسخ به

- ‌ نسخ بعض القرآن وقع بالفعل

- ‌ نسخ القرآن بأخبار الآحاد

- ‌ يجوز نسخ الحكم الخفيف بحكم أثقل منه

- ‌ النسخ قبل وقوع الفعل جائز

- ‌ نسخ النص بالفحوى جائز

- ‌ نسخ مفهوم الموافقة دون المنطوق

- ‌يجوز نسخ حكمِ مفهوم المخالفة مع بقاء المنطوق. ومثاله:

- ‌ النسخَ إنما يكون في الإنشاء دون الخبر

- ‌أوْضح فرقٍ بين الإنشاء والخبر:

- ‌ كل حكم تكليفيّ بالنظر إليه بمفرده قابل للنسخ عقلًا وشرعًا

- ‌[الأدلة](3)التي يُعرف بها النسخ

- ‌كتاب السنَّة

- ‌ أفعال النبي صلى الله عليه وسلم باعتبار التشريع والجبلَّة ثلاثة أقسام:

- ‌ من علامات وجوب(3)الفعل تعزيرُ تاركه

- ‌وقيل: يُحْمَل على الندب

- ‌ تقسيم الخبر إلى ما قُطِعَ بكذبه، وما قُطع بصدقه

- ‌ أقل عدد التواتر

- ‌ المستفيض من خبر الآحاد

- ‌ رواية الفاسق والمبتدع

- ‌المجهول ثلاثة أقسام:

- ‌ الأمور التي تثبت بها العدالة

- ‌ إذا عدَّل الراوي جماعةٌ وجرَّحه آخرون

- ‌ أصحَّ حدود الصحابي

- ‌كيفية رواية الصَّحابيِّ

- ‌كيفيّة رواية غيره عَن شيْخه

- ‌ الإجازة للمعدوم

- ‌كتابُ الإجماع

- ‌ إجماعَ أهل الكوفة

- ‌ إجماع أهل المدينة

- ‌ إجماع أهل البيت

- ‌ ما كلفت الأمة بعلمه يستحيل اتفاقها على جهله

- ‌ الإجماع لا يعارضه دليل

- ‌الاختلاف في الإجماع السكوتي مُقيَّد بثلاثة شروط:

الفصل: ‌ الفرق بين الاستثناء المتصل والمنقطع

الكل ولا يقول على اللَّه إلَّا بوحي لقوله: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)} [النجم/ 3 - 4] بل قال العبَّادي في "الآيات البينات"

(1)

: الأمر كذلك ولو على القول بأنه صلى الله عليه وسلم ربما اجتهد لأن اجتهاده أيضًا حق ولا يُقَرُّ على باطل.

395 -

والحكم بالنقيض للحكم حَصَلْ

لِما عليه الحُكْم قبل مُتَّصِلْ

396 -

وغيرُه منقطعٌ ورُجِّحا

جوازُه وهو مجازًا وَضَحا

تعرَّض المؤلف هنا لحقيقة‌

‌ الفرق بين الاستثناء المتصل والمنقطع

. وقوله: "والحكم بالنقيض" إلخ يعني أن الاستثناء المتصل هو الحكم بنقيض الحكم على جنس ما حكمت عليه أولًا، وأن غيره هو المنقطع، وهو صادق بأمرين:

الأول: أن يكون المحكوم عليه بنقيض الحكم ليس من جنس الأول نحو: "جاء القوم إلَّا حمارًا".

والثاني: أن يكون المحكوم عليه في الثاني من جنس الأول إلَّا أن الحكم على الثاني ليس بنقيض الحكم الأول كقوله تعالى: {لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى} [الدخان/ 56]، فإنه استثناء منقطع على التحقيق، مع أن المحكوم عليه في الثاني هو عين المحكوم عليه في الأول، إلَّا أن الحكم على الثاني ليس نقيضًا للحكم على الأول، لأن الحكم [على] الأول عدم ذوق الموت في الآخرة، والحكم على

(1)

(3/ 26).

ص: 222

الثاني ذوقه في الدنيا، وذوقه في الدنيا ليس نقيضًا لذوقه في الآخرة.

وقوله: "ورُجِّحا جوازه" يعني أن المرجَّح عند علماء الأصول جواز وقوع الاستثناء المنقطع، خلافًا لأحمد وأصحابه القائلين بعدم جوازه في اللغة، لأن الاستثناء إخراجٌ لما دخل، وما لم يدخل لا يمكن إخراجه. وحجة الجمهور: كثرة وقوعه في القرآن وفي كلام العرب، فمن أمثلته في القرآن قوله تعالى:{مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنّ} [النساء/ 157]. ومعلوم أن اتباع الظن ليس من جنس العلم، وقوله تعالى:{لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا} [مريم/ 62]، وقوله تعالى:{لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (25) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (26) وَأَصْحَابُ الْيَمِ} [الواقعة/ 25 - 26]، وقوله تعالى:{وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (19) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ} [الليل/ 19 - 20] الآية.

ومن أمثلته في كلام العرب قول نابغة ذبيان

(1)

:

وقفت فيها أُصَيْلالًا أُسائلها

عيَّت جوابًا وما بالرَّبع من أحد

إلَّا الأواريَّ لأْيًا. . . .

. . . . . . . . . . . . .

"الأواريُّ" ليس من جنس "الأحد" وهي مرابط الخيل.

وقول بعض شعراء بني تميم

(2)

:

وبنتِ كريمٍ قد نكحنا ولم يكن

لها خاطب إلَّا السنانُ وعاملُه

وقول الراجز

(3)

:

(1)

"ديوانه": (ص/ 14 - 15).

(2)

البيت للفرزدق انظر: "شرح النقائض": (3/ 758). وسقط من "الديوان" مع بيت قبله.

(3)

روي هذا الرجز بألفاظ مختلفة ذكرها البغدادي في "الخزانة": (10/ 15 - 18) =

ص: 223

ياليتني وأنت يالميسُ

ببلدةٍ ليس بها أنيسُ

إلَّا اليعافيرُ وإلَّا العيسُ

وقوله: "وهو مجازًا وَضَحا"، يعني أن الاستثناء المنقطع وَضَحَ حال كونه مجازًا، وسيأتي بقية الأقوال فيه من كونه مشتركًا أو متواطئًا بين المتصل والمنقطع.

397 -

فلْتُنْمِ ثوبًا بعد ألفِ درهمِ

للحذفِ والمجازِ أو للندمِ

398 -

وقيلَ بالحذفِ لدى الإقرارِ

والعقدُ معنى الواوِ فيه جارِ

قوله: "فَلْتُنْم" يعني فلْتَنْسُبْ وهو مجزوم بلام الأمر. وقوله: "ثوبًا بعد ألف درهم" يعني أنه لو قال: "له عليَّ ألف دينار إلَّا ثوبًا" أنه ينسب قوله: "إلَّا ثوبًا" للحذف على قول، وللمجاز على قول، وللندم على قول.

أما نسبته للحذف فالمراد به حذف المضاف المدلول عليه بالاقتضاء، وتقديره: إلَّا قيمة ثوب. وأما نسبته للمجاز فالمراد أن الثوب أُطْلق وأُريدت قيمته مجازًا علاقته البدلية وهي: أن القيمة بدل عن الثوب عادة، وقد تقرر عندهم أن البدلية والمبدلية من علاقات المجاز المرسل، وقد تقدم للمؤلف أن المجاز قبل الإضمار في قوله:"وبعد تخصيصِ مجازٍ فيلي الإضمارُ"

(1)

إلخ، وعليه فالأولى جعله مجازًا دون تقدير المحذوف، ومعنى القولين واحد؛ لأن المعنى على كليهما أنه استثنى

= وذكر أنه وجدها بهذا اللفظ في كتاب "أبيات المعاني" للأشنانداني.

(1)

البيت رقم (208).

ص: 224

قيمة الثوب، سواءٌ عبرنا عن ذلك بالمجاز أو الحذف. وأما نسبته للندم فمعناه أن الألف تلزمه كفَها ويعدُّ قوله:"إلَّا ثوبًا" ندمًا. والظاهر أن هذا القول مبنيٌّ على عدم صحة الاستثناء المنقطع كما هو قول أحمد ومن وافقه المشار إليه بقول المؤلف: "ورجحا جوازه".

وقوله: "وقيل بالحذف لدى الإقرار" يعني أن في المسألة قولًا رابعًا، وهو: التفريق بين الإقرار والعقود، فلو قال في الإقرار:"له على ألف دينار إلَّا ثوبًا" كان للحذف أي: إلَّا قيمة ثوب، ولو قال في البيع:"بعتك هذه السلعة بألف دينار إلَّا ثوبًا" فإنه يكون معناه وثوبًا، فيكون الثوب مبيعًا مع السلعة، قال مالك: إذا قلت: "بعْتُك هذه السلعة بدينار إلَّا قفيز حنطة"، كان القفيز مبيعًا مع السلعة؛ لأنه لو استثنى من الدينار قيمة القفيز لفسد البيع للجهل بالثمن، نص عليه مالك في كتاب الصرف من "المدونة"

(1)

.

399 -

بِشِرْكَةٍ وبالتَّواطِي قالا

بعضٌ. . . . . . . . . . . . .

يعني أن بعض الأصوليين وهو أبو الحسن الأبياري المالكي اختار أن الاستثناء المنقطع حقيقة، وهو الظاهر من كلام أهل العربية، وعليه فقيل: اسم الاستثناء مشترك بين المتصل والمنقطع كاشتراك العين بين الباصرة والجارية، وقيل: هو متواطى فيهما كتواطى الرجل في زيد وعمرو.

(1)

انظر "تهذيب المدونة": (3/ 106) للبراذعي.

ص: 225

.. . . . . وأوْجِب فيه الاتصالا

400 -

وفي البواقي دونَ ما اضطرار

وأبْطِلَنْ بالصمت للتَّذكارِ

يعني أنه يجب في الاستثناء اتصاله بالمستثنى منه خلافًا لمن قال بجواز تأخير الاستثناء إلى شهر، وقيل: إلى شهرين، وقيل: إلى سنة، وقيل: إلى سنتين، وقيل: أبدًا، كما روي عن ابن عباس

(1)

، وعن عطاء والحسن جواز انفصاله في المجلس، وأومأ إليه أحمد في إحدى الروايتين في اليمين، وعن مجاهد إلى سنتين، وقيل: ما لم يأخذ في كلام آخر، وقيل: يجوز ذلك في كلام اللَّه لأنه لا يغيب عنه شيء فهو مرادٌ أولًا بخلافِ غيره

(2)

.

وحجة من قال بجواز تأخير الاستثناء حديث: "من حَلَف واستثنى عاد كمن لم يحلف"

(3)

أي قال: إن شاء اللَّه ولم يذكر لزوم اتّصاله به، قالوا: وقوله تعالى: {غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} [النساء/ 95] نزل بعد المستثنى منه

(1)

ولفظه: "إذا حلف الرجل على يمين فله أن يستثني ولو إلى سنة" أخرجه ابن جرير في تفسيره: (15/ 225)، والحاكم:(4/ 353)، والبيهقي:(10/ 48). قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وانظر "البدر المنير": (8/ 124).

(2)

انظر "العدة": (2/ 660 - 664)، و"شرح الكوكب":(3/ 297)، و"إرشاد الفحول":(2/ 646 - 652).

(3)

لم أجده بلفظه، لكن أخرجه ابن ماجه رقم (2105) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما بلفظ:"من حلف واستثنى فلن يحنث".

ص: 226

في المجلس

(1)

واستدل ابن عباس بقوله تعالى: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ}

(2)

[الكهف/ 24] لأن معناه لما أمره بقوله: {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} فأمره بالاستنناء بالمشيئة صرَّح له بأنه إن نسي الاستثناء به وتذكَّره بعد ذلك قال: إن شاء اللَّه.

وحجة الجمهور قوله صلى الله عليه وسلم: "من حلفَ على شيء ثم رأى غيرَه خيرًا منه فليكفِّر عن يمينه وليأتِ الذي هو خير"

(3)

، فلو جاز الانفصال لقال: فليَسْتثن ولا داعي إلى التكفير حالة إمكان الاستثناء. قال ابن العربي المالكي

(4)

: سمعت فتاةً ببغداد تقول لجارتها: لو كان مذهب ابن عباس صحيحًا ما قال اللَّه تعالى لأيوب: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ} [ص/ 44] بل يقول له: استثن

(5)

.

(1)

أخرجه البخاري رقم (2832) عن زيد بن ثابت أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أملى عليه: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} قال: فجاءه ابن أم مكتوم وهو يملها علي فقال: يا رسول اللَّه لو أستطيع الجهاد لجاهدت. . . فأنزل اللَّه تبارك وتعالى على رسوله. . {غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} .

(2)

انظر "الدر المنثور": (4/ 394).

(3)

أخرجه مسلم رقم (1650) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(4)

"أحكام القرآن": (2/ 647). ونقلها عنه القرطبي في تفسيره.

(5)

كذا أورد المؤلف هذه القصة نقلًا عن "نشر البنود": (1/ 240) والظاهر أن قوله: "فتاة" محرفة عن "فاميّ" لأنه الوارد في سياق القصة و"الفامي" هو البقَّال. وإليك القصة كما في كتاب ابن العربي قال: "كان أبو الفضل المراغي يقرأ بمدينة السلام، فكانت الكتب تأتي إليه من بلده فيضعها في صندوق ولا يقرأ منها واحدًا، مخافة أن يطلع فيها على ما يزعجه أو يقطع به عن طلبه، فلما كان بعد خمسة أعوام، =

ص: 227

ولو جاز انفصال الاستثناء لما ثبت إقرارٌ ولا طلاقٌ ولا عتق، لعدم الجزم بثبوت شيء منها لجواز الاستثناء المنفصل، ولم يُعلم صِدْق خبر ولا كذبه أصلًا، لجواز استثناءٍ يَرِدُ عليه يصرفه إلى ما يغيره

(1)

صادقًا وبالعكس.

وأجيب من قبل الجمهور عن احتجاج ابن عباس بالآية بأمرين:

الأول: أن الاستثناء بالمشيئة له فائدتان: الأولى: رد الأمور إلى مشيئة من هي بيده وهو اللَّه تعالى. والثانية: عدم انعقاد اليمين. والاستثناء يُفيد مع الانفصال في الخروج من عُهدة اللوم المتوجه من عدم رد الأشياء إلى مشيئة من هي بيده، وهو مراد ابن عباس بجواز انفصال الاستثناء. أما

= وقضى غرضًا من الطلب، وعزم على الرحيل = شد رحله وأبرز كتبه، وأخرج تلك الرسائل وقرأ منها ما لو أن واحدة منها قرأها في وقت وصولها ما تمكن بعدها من تحصيل حرف من العلم، فحمد اللَّه تعالى، ورحَّل على دابته قماشه، وخرج على باب الحلبة طريق خراسان، وتقدمه الكريُّ بالدابة، وأقام هو على فاميٍّ يبتاع منه سفرته، فبينما هو يحاول ذلك معه إذ سمعه يقول لفاميِّ آخر: أي فُلُ! أما سمعت العالم يقول -يعني الواعظ-: إن ابن عباس يجوِّز الاستثناء ولو بعد سنة، لقد اشتغل بالي بذلك منذ سمعته يقوله، وظللت فيه متفكرًا، ولو كان ذلك صحيحًا لما قال اللَّه تعالى لأيوب:{وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ} وما الذي كان يمنعه من أن يقول حينئذٍ: قل إن شاء اللَّه؟

فلما سمعته يقول ذلك قلت: بلدٌ يكون فيه الفاميون به من العلم في هذه المرتبة أخرج عنه إلى المراغة؟ لا أفعله أبدًا، واقتفى أثر الكريّ، وحلله من الكِراء، وصرف رحله، وأقام بها حتى مات رحمه الله اهـ.

(1)

ط: يصيره.

ص: 228

الثانية التي هي عدم انعقاد اليمين، فلا يفيد فيها الاستثناء مع الانفصال كما هو مذهب الجمهور ولم يقصده ابن عباس وجزم بهذا ابنُ جرير

(1)

، وهو وجيه جدًّا.

الثاني: أن يُحمل الانفصال المذكور على ما إذا قصد الاستثناء ونواه وقتَ اليمين وأَخَّرَ النُّطق به، كما ذكره ابن رشد عن بعض العلماء وقال: يُحمل عليه كلام ابن عباس

(2)

.

وقوله: "وفي البواقي" يعني أن البواقي من المخصِّصات المتصلة كالشرط والغاية والبدل يجب فيها الاتصال أيضًا، وحكى بعضٌ الاتفاقَ على ذلك في الكل، وحكى بعضهم عليه الاتفاق في غير الشرط. فالحاصل أنه في الكل إما اتفاقًا وإما على الصحيح الذي هو مذهب الجمهور في بعض المخصِّصات كالشرط.

وقوله: "دون ما اضطرار" يعني أن وجوب عدم الفصل ما لم يضطر إليه فالفصل بما اضطر إليه كلا فصل، كالفصل بِنَفَس أو سعال، أو عطف الجُمَل بعضها على بعض ثم يستثني.

وقوله: "وأبطلن بالصَّمْت للتذكار" يعني أن سكتة التذكار فاصل مانع من إفادة الاستثناء، وهي أن يسكت المتكلم ليتذكر شيئًا من الكلام الذي هو بصدده هو في الحال ناسٍ له. و"ما" في قوله:"دون ما" زائدة، والأصل: دون اضطرار.

(1)

انظر "تفسيره": (15/ 227).

(2)

انظر "البيان والتحصيل": (2/ 182).

ص: 229

401 -

وعَددٌ مع كَإلَّا قد وجَبْ

له الخصوص عند جُلِّ من ذَهَبْ

402 -

وقال بعضٌ بانتفا الخُصوصِ

والظاهرُ الإبقا من النُّصوصِ

اعلم أنه لمَّا كان في التخصيص بالمخصِّص المتصل شِبْه تناقض؛ لأن البعض الخارج بالمخصِّص اجتمع فيه أنه داخلٌ في العموم وخارجٌ بالمخصِّصِ، وكون الشيء الواحد داخلًا في شيء وغير داخل فيه في وقت واحد يظهر أنه تناقض = اضطروا إلى تقدير دلالة على وجهٍ يرفع ذلك التناقض، واختلفوا في ذلك على ثلاثة مذاهب، أشار لها المؤلف في مسألة الاستثناء من العدد؛ لأن التناقض المذكور أظهرُ فيها من غيرها؛ لأن في قولك:"عشرة إلَّا ثلاثة" ما يدل على دخول الثلاثة في العشرة مع أن فيه التصريح بعدم دخولها فيها.

الأول: وعزاه المؤلف إلى جل من ذهب أن العددَ مع إلَّا كقوله: "له عليَّ عشرة إلَّا ثلاثة" عامٌّ مرادٌ به الخصوص، فالمراد بالعشرة سبعة، وقوله:"إلَّا ثلاثة" قرينة على ذلك وليس فيه إخراج أصلًا فلا تناقض، وهذا مراده بقوله:"وعدد مع كإلَّا. . " البيت، هكذا قرره المؤلف وغير واحد. ولا يخفى أن جعلهم له من العام المراد به الخصوص ينافي قول المؤلف المارِّ:"وشبه الاستثنا لأولٍ سما" فلا يصح قولهم على

(1)

هذا إلَّا على قول الأقدمين الذين لم يفرقوا بين العام المخصوص والمراد به الخصوص كما ترى، وجَعْله العدد من العموم ينافي أيضًا قوله: "بلا

(1)

ليست في الأصل.

ص: 230

حصر من اللفظ كعشر مثلًا".

الثاني: وهو قول الباقلاني أنه لا خصوص فيه أصلًا، وإيضاحُه أن لفظ "السبعة" له اسمان: اسم مفرد وهو سبعة، واسم مركَّب وهو عشرة إلَّا ثلاثة، وعليه أيضًا فلا إخراج ولا تناقض، وإليه الإشارة بقول المؤلف:"وقال بعضٌ بانتفا الخصوص".

الثالث: وهو اختيار ابن الحاجب

(1)

والتاج السُّبْكي

(2)

أن المراد بالعشرة في المثال المذكور العشرة باعتبار الأفراد ثم أُخْرجت الثلاثة بقوله: "إلَّا ثلاثة" فأُسْنِد لفظًا إلى العشرة ومَعْنًى إلى السبعة، فكأنه قال:"له عليَّ الباقي من عشرة أُخْرِج منها ثلاثة" وليس في ذلك إلَّا إثبات ولا نَفْيَ أصلًا فلا تناقض، فتحصَّل أنه على قول الجُلّ فيه تخصيص وإليه الإشارة بقوله:"وعددٌ مَعَ كإِلَّا" البيت. وعلى قول الباقلاني لا تخصيص فيه، وإليه الإشارة بقوله:"وقال بعضٌ بانتفا الخصوص". وعلى ما اختاره ابنُ الحاجب والسبكيُّ فهو يحتمل التخصيص نظرًا إلى الحكم؛ لأنه للعام في الظاهر والمراد الخصوص، ويحتمل كونه ليس تخصيصًا، إذ المفرد الذي هو "العشرة" لم يرد به إلَّا العموم لجميع أفراده كحالته منفردًا لم يغير بتخصيص، لأن العشرة في قولك: ما بقي من العشرة بعد إخراج الثلاثة، لم تطلق العشرةُ فيه إلَّا على معناها الأصلي وإن كان المعنى يؤول إلى سبعة.

(1)

انظر "المختصر - مع شرحه": (2/ 257) للأصفهاني.

(2)

في "الجمع": (2/ 13).

ص: 231