الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(تنبيه)
يعلم مما تقدم من القواعد أن التخيير كما تصور في الواجب، فإنه لا يتصور في المحرم، لأن التخيير مولى إلى تعلق الخطاب بالمشترك، وتحريم المشترك يقتضي تحريم الكل، كما تقدم في قواعد هذه المسألة فيبطل التخيير فيها، فصار ثبوته يفضي إلى نفيه، فلا يثبت، وقد تقدم أول الكتاب في حدود الأحكام، ونقل سيف الدين عن أصحابنا جوازه، وهو غير جائز كما ترى.
المسألة الثانية
الواجب الموسع
الفعل بالنسبة إلى الوقت يكون على أحد وجوه ثلاثة:
الأول: أن يكون الفعل فاضلا عن الوقت، والتكليف بذلك لا يجوز إلا إذا جوزنا تكليف ما لا يطاق، أو يكون المقصود إيجاب القضاء، كما إذا ظهرت الحائض أو بلغ الغلام وبقي من وقت الصلاة مقدار ركعة، أو أقل.
والثاني: ألا يكون أزيد ولا أنقض، نحو: الأمر بإمساك كل اليوم، وهذا لا إشكال فيه.
والثالث: أن يكون الوقت فاضلا عن الفعل، وهذا هو الواجب الموسع واختلف الناس فيه: فمنهم من أنكره، وزعم أن الوقت لا يمكن أن يزيد على الفعل ومنهم من سلم جوازه أما الأولون فقد اختلفوا فيه على ثلاث أوجه: أحدها: قول من قال من أصحابنها: إن الوجوب مختص بأول الوقت، وأنه وأتى به في آخر الوقت، كان قضاء.
وثانيها: قول من قال من أصحاب أبي حنيفة رحمه الله: إن الوجوب مختص بآخر الوقت، وأنه لو أتى به في أول الوقت، كان جاريا محرى ما لو أتى بالزكاة قبل وقتها.
وثالثها: ما يحكى عن الكرخي: أن الصلاة المأتي بها في أول الوقت موقوفة فإن أدرك المصلي آخر الوقت، وليس هو على صفة المكلفين، كان ما فعله نفلا.
وإن أدركه علي صفة المكلفين، كان ما فعله واجبا.
وأما المعترفون بالواجب الموسع، وهم جمهور أصحابنا وأبو علي، وأبو هاشم، وأبو الحسين البصري فقد اختلفوا فيه على وجهين:
منهم من قال: الوجوب متعلق بكل الوقت، إلا أنه إنما يجوز ترك الصلاة في أول الوقت إلي بدل هو العزم عليها، وهو قول أكثر المتكلمين.
وقال قوم: لا حاجة إلي هذا البدل، وهو قول أبي الحسين البصري وهو المختار لنا.
والدليل على تعلق الوجوب بكل الوقت: أن الوجوب مستفاد من الزمر والأمر تناول الوقت، ولم يتعرض ألبتة لجزء من أجزاء الوقت؛ لأنه لو دل الأمر علي تخصيصه ببعض أجزاء ذلك الوقت، لكان ذلك غير هذه المسألة التي نحن نتكلم فيها.
وإذا لم يكن في الأمر دلالة على تخصيص ذلك الفعل بجزء من زجزاء ذلك الوقت، وكان كل جزء من أجزاء الوقت قابلا له وجب أن يكون حكم ذلك الأمر هو إيجاب إيقاع ذلك الفعل في أي جزء من أجزاء ذلك الوقت أراد المكلف وذلك هو المطلوب.
فإن قيل: لا نسلم إمكان تحقق الوجوب في أول الوقت، والتمسك بلفظ الأمر، إنما يكون إذا لم يثبت بالدليل العقلي امتناعه وهاهنا قد ثبت ذلك؛ لأن كونه واجبا في ذلك الوقت معناه: أن المكلف ممنوع من ألا يوقعه فيه، والمكلف غير ممنوع من ألا يوقع الصلاة في أول
الوقت، وإذا كان كذلك، استحال كون الصلاة واجبة في أول الوقت؛ وإذا تعذر حمل الأمر على الوجوب وجب حمله على الندب، فإن قلت: الفرق بينه وبين المندوب من وجهين:
الأول: أن هذه الصلاة لا يجوز تركها مطلقا، والمندوب يجوز تركه مطلقا.
والثاني: أن هذه اصلاة إنما يجوز تركها في أول الوقت إلي بدل، وهو العزم على فعلها بعد ذلك وأما المندوب فإنه يجوز تركه مطلقا.
قلت: الجواب عن الأول: أني لا أدعي أن الصلاة ليست واجبة مطلقا، بل أدعى أنها ليست واجبة في أول الوقت بدليل أنه يجوز تركها في أول الوقت.
فأما المنع من تركها في آخر الوقت، فذلك يدل على وجوبها في آخر الوقت؛ ولا يلزم من كون الشيء واجبا في وقت، كونه واجبا في وقت اخر
وعن الثاني: أن العزم على الصلاة لا يجوز أن يكون بدلا عن الصلاة ويدل عليه أمور:
أحدها: أن العزم على الصلاة: إما أن يكون مساويا للصلاة في جميع الأمور المطلوبة أولا يكون:
فإن كان الأول: وجب أن يكون الإتيان بالعزم سببا لسقوط التكليف بالصلاة؛ لأن الأمر ما وقع في ذلك الوقت إلا بالصلاة مرة واحدة، وهذا العزم مساو للصلاة مرة واحدة في جميع الجهات المطلوبة؛ فيلزم سقوط الأمر بالصلاة.
وإن كان الثاني: امتنع جعله بدلا عن الصلاة؛ لأن بدل الشيء يجب أن يكون قائما مقامه في الأمور المطلوبة
وثانيها: أن الموجود ليس إلا الأمر بالصلاة في هذا الوقت، والأمر بالصلاة في هذا الوقت لا دلالة فيه على إيجاب العزم، فإذن لا دليل ألبتة على وجوب العزم وما لا دليل عليه لا يجوز التكليف به؛ وإلا لصار ذلك تكليف ما لا يطاق.
وثالثها: لو كان العزم بدلا عن الصلاة؛ فإذا أتى المكلف بالعزم في هذا الوقت، ثم جاء الوقت الثاني، فإما أن يجب فعل العزم مرة أخرى، أو لا يجب، لا جائز أن يجب؛ لأن بدل العبادة؛ إنما يجب على حد وجوبها؛ ليكون فعله جاريا مجرى فعلها.
ومعلوم أن الأمر أنما انقضى وجوب فعل العبادة في أحد أجزاء هذا الوقت مرة أخرى، ولم يقتض وجوب فعلها مرة أخرى في الوقت الثاني؛ فوجب أن يكون وجوب بدلها على هذا الوجه.
فثبت أنه لا يجب فعل العزم في الوقت الثاني؛ فإذن الوقت الثاني لا يجب فيه فعل الصلاة؛ وفعل بدلها، وهو هذا العزم.
فثبت أن جواز ترك الصلاة في هذا الوقت لا يتوقف على فعل البدل، وعند هذا يجب القطع بأنها ليست واجبة، بل مندوبة.
والجواب: (قوله: الفعل يجوز تركه في أول الوقت؛ فلا يكون واجبا في أول الوقت):
قلنا: للناس هاهنا طريقان:
الطريق الأول وهو الأصح: أن حقيقة الواجب الموسع ترجع عند البحث إلى الواجب المخير، فإن الآمر كأنه قال: (افعل هذه العبادة؛ إما في أول
الوقت أو في وسطه، أو في آخره، وإذا لم يبق من الوقت إلا قدر ما لا يفضل عنه. فافعله لا محالة، ولا تتركه ألبتة)
فقولنا: (يجب عليه إيقاع هذا الفعل: إما في هذا الوقت أو في ذاك) يجري محرى قولنا في الواجب المخير: (إن الواجب علينا: إما هذا أو ذاك) فكما أنا نصفها بالوجوب؛ على معنى أنه لا يجوز الإخلال بجميعها، ولا يجب الإتيان بجميعها، والأمر في اختيار أي واحد منها مفوض إلى رأي المكلف، فكذا هاهنا، لا يجوز للمكلف ألا يوقع الصلاة في شيء من أجزاء هذا الوقت، ولا يجب عليه أن يوقعها في كل أجزاء هذا القت، وتعيين ذلك الجزء مفوض إلى رأي المكلف.
هذا إذا كان الوقت فسحة، فأما إذا ضاق الوقت؛ فإنه يتضيق التكليف ويتعين، فهذا هو الذي نقول به، وعلى هذا التقدير لا حاجة إلى رأي المكلف.
هذا إذا كان في الوقت فسحة، فأما إذا ضاق الوقت، فإنه يتضيق التكليف، ويتعين، فهذا هو الذي نقول به، وعلى هذا التقدير لا حاجة إلى إثبات بدل العزم.
الطريق الثاني: وهو اختيار أكثر الأصحاب، وأكثر المعتزلة: هو: أن الفرق بين هذا الواجب وبين المندوب أن هذا الواجب لا يجوز تركه إلا لبدل، والمندوب يجوز تركه من غير بدل
قوله أولا: (العزم: إما أن يكون قائما مقام الأصل في جميع الجهات المطلوبة أو لا يكون)
قلنا: لم لا يجوز أن يكون قائما مقام الأصل، لا في جميع الأوقات، بل في هذا الوقت المعين، فإذا أتى بالبدل فذ هذا الوقت المعين، سقط عنه الأمر بالأصل في هذا الوقت، ولكن لم يسقط عنه الأمر بالأصل في كل الأوقات؟!
واعلم أن هذا الجواب ضعيف، لأن الأمر لا يفيد التكرار، بل لا يقتضي الفعل إلا مرة واحدة، فإذا صار البدل قائما مقام الأصل في هذا الوقت، فقد صار قاذما مقامه في المرة الواحدة، فإذا لم يكن مقتضى الزمر إلا مرة واحدة، وقد قام هذا البدل مقام المرة الواحدة، فقد تأدي تمام مقصود هذا الأمر بهذا البدل؛ فوجب سقوط التكليف به بالكلية.
أما قوله ثانيا: (لا دليل على إثبات العزم):
قلنا: لا نسلم لأن النص، لما دل على الواجب الموسع ودل على أنه لا يمكن إثبات الواجب الموسع إلا إذا أثبتنا له بدلا ودل الإجماع على أنه لا يمكن إثبات الواجب الموسع إلا إذا أثبتنا له بدلا ودل ال إجماع على أن ذلك البدل هو العزم؛ لأن القائل قائلان: قائل أثبت البدل، وقائل ما أثبته، وكل من أثبته قال: رنه العزم؛ فلو أثبتنا البدل شيئا آخر، لكان ذلك خرفا للإجماع، وهو باطل.
فثبت أن الدليل على وجوب العزم، لكن بهذا التدريج
ثم هذا لا يكون مخالفا للنص؛ لأن كما لا يثبته لا ينفيه، وإثبات ما لا يتعرض له النص بالنفي ولا بالإثبات لا يكون مخالفة للظاهر.
واعلم أن هذا الجواب ضعيف؛ فإنا نسلم أن العقل دل على أنه لا يمكن إثبات الواجب الموسع، إلا إذا أثبتنا له بدلا، وذلك؛ لأنه لا معنى للواجب الموسع إا أن يقول السيد لعبده: لا يجوز لك إخلاء أجزاء هذا الوقت عن هذا الفعل، ولا يجب عليك إيقاعه في جميع هذه الأجزاء، ولك أن تختار أيها شئت؛ بدلا عن الآخر.
ومعلوم أنه لو قال ذلك: لما احتيج معه إلي إثبات بدل آخر.
وأما قوله ثالثا: (إما أن يجب فعل العزم في الوقت الثاني أو لا يجب)
قلنا لم لا يجوز أن يجب؟ وذلك لأن العزم بدل عن الفعل في الوقت الأول؛ فيفتقر إلى عزم ثان؛ بدلا عن الفعل في الوقت الثاني.
واعلم أن هذا الجواب ضعيف؛ لأنا بينا أن الأمر لا يقتضي الفعل إلا مرة واحدة؛ وإذا كان كذلك، وجب أن يكون الإتيان بالعزم الواحد كافيا
فظهر بما ذكرناه أن القول بالواجب الموسع حق، وأنه لا حاجة في إثباته إلى إثبات بدل هو العزم، والله أعلم
فرع: في خكم الواجب الموسع في جميع العمر، وذلك كالمنذورات، وقضاء العبادات الفائتة، وتأخير الحج من سنة إلى سنة، فنقول:
إن جوزنا له التأخير أبدا، وحكمنا بأنه لا يعصي، إذا مات، لم يتحقق معنى الوجوب أصلا.
وإن قلنا: إنه يتضيق التكليف عليه عند الإنتهاء إلى زمان معين، من غير أن يوجد على تعيين ذلك الزمان دليل، فهو تكليف ما لا يطاق؛ فإنه إذا قيل له: إن كان في علم الله تعالى أنك تموت قبل الفعل، فأنت في الحال عاص بالتأخير.
وإن كان في علمه أنك لا تموت قبل الفعل، فلك التأخير، فهو يقول: وما يدريني، ماذا في علم الله تعالى؟ وما فتواكم في حق الجاهل؟ فلا بد من الجزم بالتحليل أو التحريم؛ فلم يبق إلا أن نقول: يجوز له التأخير بشرط أن يغلب على ظنه أنه يبقى بعد ذلك سواء بقي أو لم يبق.
فأما إذا غلب على ظنه أنه لا يبقى بعد ذلك، عصى بالتزخير، سواء مات أو لم يمت، لأنه مأخوذ بموجب ظنه.
ولهذا قال أبو حنيفة رضي الله عنه لا يجوز تأخير الحج، لأن البقاء إلى سنة لا يغلب على الظن.
وأما تأخير الصوم والزكاة إلى شهر أو شهرين فجائز لأنه لا يغلب على الظن الموت إى هذه المدة.
والشافعي رضي الله عنه يرى البقاء إلى السنة الثانية غالبا؛ على الظن في حق الشاب الصحيح، دون الشيخ المريض.
والمعزز إذا غلب على ظنهالسلامة، فهلك ضمن، لا لأنه أثم؛ لكن لأنه أخطأ في ظنه، والمخطئ ضامن غير آثم، والله أعلم
المسألة الثانية
الواجب الموسع
قال القرافي: قوله: (ومنهم من أنكره).
..............................................
.....................................................................
......................................................................
................................................................
تقريره: أن لهم شبهة عامة ومدارك خاصة.
أما الشبهة العامة: قالوا: الوجوب مع التوسعة يتنافيان؛ لأن الواجب لا يجوز تركه، وهذا يجوز تركه في الوقت الذي وضعتموه للوجوب فيه وهو أول الوقت وآخره، فلا يكون للوجوب الموسع حقيقة
وأما مداركهم الخاصة، فالقائلون: متعلق الوجوب بأول الوقت وهم بعض الشافعية، مع أن الشافعية في هذا الوقت ينكرون وجود هذا في مذهب الشافعي، غير أن القائل بهذا المذهب لعلة كان ب (عرقاق العجم) لم يعمله هؤلاء
قال شرف الدين بن التلمساني في (شرح المعالم): هذا لا يعدف في مذهب الشافعي، ولعلع التبس بوجه الإصطخري فيما يفعل، فيما زاد على بيان جبريل عليه السلام في العصر، فالصبح مثلا يعد قضاء وهو لا ينكر التوسعة، وإنما قصرها على بيان جبريل عليه السلام.
وقال سيف الدين، وأبو الحسين في (المعتمد):(قال بعض الوجوب يختص بأول الوقت) ولم يعين الشافعية.
ولم يذكر الشيخ أبو إسحاق في (اللمع) هذا المذهب أصلا وكذلك (البرهان) و (المستصفي).
وحكى أبو الحسين في هذه المسألة ستة مذاهب فقال:
مذهب أصحاب الشافعي جميع الوقت.
وخصصه قوم بأول الوقت، ولم يذكر الشافعية
قال: وأكثر أصحابنا متعلق بآخر الوقت. فإن عجل: فمنهم من قال: نفل سقط به الفرض.
وقال الشيخ أبو الحسن الكرخي: يوقف فإن كان مكلفا في آخر الوقت فواجب، وإا فنفل.
وقال الشيخ أبو عبدالله: إن كان آخر الوقت أهلا للتكليف كان فعله مسقطا للفرض.
وقال أبو بكر الرازي: يتعين وجوبه بأحد شيئين بالفعل، أو بالتضييق
وقال الشيخ أبو إسحاق في (اللمع): منهم من قال: المعجل نفل يمنع من تعلق الوجوب آخر الوقت، ولا يتوجه عليه فرض صلاة فقط.
قال العالمي في (أصول الفقه): القائلون بالوجوب أول الوقت هم عامة أهل الحديث، وحكاه الباجي عن الشافعي، كما حكاه عن الإمام.
وقد احتجوا: بأن أوقات الصلوات أسباب، والأصل ترتيب المسببات على أسبابها فيكون الوجوب متعلقا بأول الوقت
ويرد عليه أمران:
أحدهما: أن هذا لا يناقض مذهب الجمهور؛ فإنهم رتبوا الوجوب على أول الوقت في القدر المشترك بين أجزاء الزمان الكائنة بين طرفي الوقت، فما تعين مذهبكم من هذا المدرك.
وثانيهما: أنه يلزمكم الإذن في تفويت الأداء لفعل القضاء من غير ضرورة، وهو لم يوجد في الشرع، إنما وجب الشرع لضرورة السفر، أو غيرها، أما لغير ضرورة فلا، مع أن سيف الدين قد قال في (الإحكام): انعقاد الإجماع على أن الفعل بعد ذلك ليس بقضاء، ولا يصح بنية القضاء
وقال إمام الحرمين في (البرهان): لم يقل أحد: إنه إذا أهمل العزم، وفعل في أثناء الوقت أنه عاص، ولا يقال أحد بتجديد العزم، وإنما بل ال الذي أراه مذهبا للقاضي أنه زوجبه أول الوقت، وينسحب على بقية الأزمنة، كما تنسحب النسب على بقية الأفعال في الصلاة وغيرها.
وقال الغزالي في (المستصفى): ولا يجب العزم مع الغفلة، أما مع الذكر فلا بد من الفعل أو العزم، ويمكن أن يحمل إطلاق (البرهان) عليه.
واحتج الحنفية: بأن الوجوب متعلق بآخر الوقت؛ لأن ثبوت حقيقة الشيء يدل على ثبوته، ويدل انتفاؤهل، كالناطقية مع الإنسان،
وخصيصة الوجوب المؤاخذة على تقدير الترك، ولم نجدها إلا آخر الوقت فوجب اختصاص الوجب بآخر الوقت.
ويرد عليه أمران:
أحدهما أنه لا ينافي مذهب الجمهور، فإنهم لما قالوا: الوجوب يتعلق بالمشترك بين آخر الوقت، والمشترك لا يتعين إخلاؤه عن الفعل إلا بإخلاء الجميع، فلا جرم لم تخصل المؤاخذة على الترك إلا بذلك.
وثانيهما: أن الفرق كلها أجمعواعلى جواز التعجيل والتأخير، فيكون التعجيل كما قالت الحنفية نفلا سد مسد الفرض، وإجزاء النفل عن الفرض على خلاف الأصول، والكرخي هو من الحنفية.
واستشكل إجراء النفل عن الفرض، فاختار مذهبا آخر، وهو أن الفعل يقع موقوفا، فإن أتى آخر الوقت وهو مكلف قضى عليه بالوجوب، فسد الواجب مسد الواجب ولم يقم نفل مقام فرض، وإن لم يكن من المكلفين فهو نقل لعدم تحقيق الوجوب.
ويرد عليه أن صلاة لا توصف بفرض ولا نفل خلاف المعهود في الشرع، وككيف ينوي هذه الصلاة، ويؤنس ما قاله بعض الفقهاء في إعادة الصلاة في جماعة أنه لا ينوي بها فرضا ولا نفلا، بل ذلك إلى الله تعالى وهو أحد الأقوال الأربعة فيها.
ولو قال الكرخي: إن أوقع الصلاة آخر الوقت في واجبة، وإن أوقعها قبل آخر الوقت فهي نفل تمنع من تعليق خطاب الوجوب به لاتجه؛ فإن الوجوب قد يندفع بالموانع كالموت في وسط الوقت، أو الإغماء، أو النوم، وإذا اندفع في حق من لم يفعل، فأولى في حق من فعل صورة الصلاة، وأقرب من الذي حكاه عنه الإمام
وحكى سيف الدين عنه أن الواجب يتعين بالفعل في أي وقت كان، وحكى إجماع السلف على أن من فعل الصلاة أول الوقت ومات، أنه أدى فرض الله تعالى.
والقول بالوقف خلاف الإجماع
قال والحسين البصري في شرح (العمد): واختلف الحنفية في آخر الوقت الذي هو وقت الوجوب.
فقال زفر: هو ما يسمع جملة الصلاة، وينقضي بانقضائها
وقال غيره منهم: بل مقدار الإحرام بها، ويريدون أن إدراك الإحرام سبب قائها؛ لأن إيقاعها كلها في ذلك الوقت متعذر
قوله: (إن الجمهور قالوا: يتعلق الوجوب بكل الوقت)
عبارة غير متجه؛ فإنها تشعر بتعلق الوجوب بكل جزء من أجزائه، وليس كذلك بالإجماع، بل مراده أنه متعلق بالكل على البدل، وهو معنى قولنا: إنه متعلق بالقدر المشترك بين أجزاء الزمان الكائنة بين طرفي الوقت.
قوله: (ومنهم من قال: لا يجوز تركه إلا لبدل، وهو العزم)
تقريره: أن العادة شاهدة أن السيد إذا أمر عبده ولم يفعل في الحال، ولا عزم على فعله في المآل عدوه معرضا عن أمر سيده، والإعراض عن الأمر حرام، وما به يترك الحرام واجب، فأحد الأمرين إما الفعل وإما العزم واجب.
قوله: (لا يدعي أن الصلاة ليست واجبة مطلقا، بل ليست واجبة أول الوقت)
قلنا: عدم وجوبها أول الوقت يصدق بتفسيرين:
أحدهما: ليست واجبة في أول الوقت من حيث هو أول الوقت وهذا مسلم، لأنا لا ندعي وجوبها فيه إا من حيث هو متضمن للقدر المشترك من جهة عمومه، لا من جهة خصوصه، كما تقدم في الواجب المخير وإن ادعيت أنها ليست واجبة في أول الوقت من جهة عمومع فغير المسلم لأن الأمر دل على الوجوب، ودل على الإجماع على جواز التأخير، فتعين التخيير بين أفراد ذلك الزمان، فيتعين أن يكون الخطاب متعلقا بالقدر المشترك بينها كما تقدم في الواجب المخير،
قوله: (والمنع منتركها آخر الوقت يدل على وجوبها آخر الوقت)
قلنا: لا نسلم، بل المنع من تركها آخر الوقت يستلزم فوات المشترك الذي وجب فيه الفعل؛ لأن الوجوب في خصوصه، وحصول الإثم في آخر أعلم الأمرين؛ إما لما ذكرناه، أو لما ذكرتموه، وما هو أعم من الشيء لا يستدل به عليه
قوله: (إن لم يكن العزم مساويا للصلاة في الأمور المطلوبة امتنع جعله بدلا، لأن البدل عن الشيء هو الذي يقوم مقامه في الأمور المطلوبة)
قلنا: هاهنا قاعدة، وهي أن البدل في الشريعة خمسة أقسام، لكل قسم منها خاصة يختص بها:
يبدل الشيء من الشيء في محله كالمسح على الجبيرة، من خصائصها المساواة في المكان،،كذلك كان يلزم في الخف غير أن الشرع رخص فيها للضرورة
الثاني: يبدل من الشيء في مشروعيته، كالجمعة بدل عن الظهر ولهذا البدل خصيصتان:
أحداهما أن البدل أفضل من المبدل منه، فإن العدول عن مشروعية الشيء لغيره يقتضي أفضليته، وكذلك الكعبة بدل البيت المقدس في المشروعية، غير أن بدل ترك بالكلية.
وثانيهما: أنه لا يجوز فعل المبدل منه إلا عند تعذر المبدل.
الثالث: يبدل الشيء من الشيء في بعض أحكامه كالتيمم بدل الوضوء في إباحة صلاة واحدة، والوضوء كنا يبيح صلوات، ويرفع الحدث وإذا وجد الماء في الغسل لا يجب عليه استعماله وفي التيمم بخلافه في ذلك كله إلا في إباحة صلاة، ومن خصائصه أن يكون مو مرجوح المصلحة، ولا يفعل إا عند تعذر المبدل منه.
الرابع: يبدل الشيء من الشيء في جملة أحكامه التي أقتضاها سببه، كخصال الكفارة، فإن كانت على الترتيب فخصصها قصور البدل عن المبدل في المصلحة مع القيام في جميع أحكام السبب الذي اقتضاه، وإن اختص هو في نفسه بأحكام تنشأ عنه لا عن السبب الموجب للتكفير، نو الولاء في العتق، وإن كانت على التخيير فمن خصائصها مساواتها للمبدل في المصلحة مع تحصيل أحكام ذلك السبب.
الخامس: يبدل الشيء من الشيء في بعض أحواله، وهو العزم، فإنه بدل من تعجيل الصلاة وتوسيطها دون الصلاة، والتعجيل والتوسط والتأخير أحوال تعرض للصلاة، ومصلحة الحال أقل من مصلحة صاحب الحال بكثير، فمن خصائص هذا البدل أا يسد مسد المبدل في شيء من ذاته، بل في بعض أحواله، وهو أضعف أصناف البدل، وبهذه القاعدة يظهر لك بطلان قول القائل: البدل يقوم مقام المبدل [منه] في جميع مصالحه، والأمور المطلوبة