الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الواقعة، فإذا أوجبنا زواله انتفى تكليف ما لا يطاق لبقاء جميع الأحوال حينئذ الفعل معها ممكن، أما إذا قلنا: إن الأمر اقتضاء إيجاب الفعل مع قطع النظر عن كل حالة لا يكون الأمر متعرضا لإيقاع الفعل في حالة عدم الشرط، بل للفعل من حيث هو هو، فما لزم الجمع بين المشروط وعدم الشرط بخلاف ما إذا كان الأمر متعرضا له، فظهر لك الفرق بين إيجاب الفعل في كل حال، وبين إيجابه مع قطع النظر عن كل حال، وإن كان مقصوده إنما يحصل من الأول دون الثاني.
(تنبيه)
تقريره رحمه الله لا يحصل مقصوده.
بيانه: أن الوسيلة إذا أوجبناها فقد يعصي المكلف، وهو الغالب، كقوله تعالى:(وما وجدنا لأكثرهم من عده)[الأعراف:102]، (وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله) [الأنعام:116]، (وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين) [يوسف:103]، وحينئذ يبقى الشرط واقعا من جملة الأحوال، فيلزم المحال المذكور مع التكليف بالوسيلة كما كان لا زما مع عدم التكليف بها، وإذا لم يكلفه بالوسيلة، فقد يفعلها، فلا [يكون] يلزم تكليف ما لا يطاق، فعلمنا حينئذ أن التكليف بما لا يطاق دائر مع فعل الوسيلة، وعدمها، لا مع الأمر بها وعدم الأمر بها، فلا أثر للأمر حينئذ في استلزام نفي المحال، نعم له أثر في تأكد إزالة عدم الوسيلة؛ لأن الوازع الشرعي مؤكد، وربما أوجب إحجاما عند النفوس الخبيثة وهو الأكثرون؛ فإنها أمثل شيء لما منعت عنه وأنفر شيء مما حدثت إليه، فهذا إيضاح الكشف عن غامض هذه المسألة بفضل الله تعالى.
قوله: (لا فرق بين قوله: أوجبت عليك الفعل في هذا الوقت)، وبين قوله:(لا ينبغي أن تخرج هذا الوقت إلا وأنت قد أتيت بالفعل)
قلنا: بقي قسم آخر، وهو (ألا يتعرض للوقت ألبتة) بالتكليف، بل
يقصد الفعل من حيث هو فعل فقط، وشأن التكليف، والأزمان، والأحوال [وغير ذلك].
قوله: (لم لا يجوز أن يأمر بالفعل بشرط حصول المقدمة؟)
تقريره: أن شرط إيقاع الواجب بعد تقرر الوجوب يصير شرطا في أصل الوجوب حتى يخرج من تلك الأحوال حالة عدم الوسيلة، فلا يلزم تكليف ما لا يطاق، وكأن أصل الكلام: اصعد السطح مثلا، فيجب نصب السلم ليتمكن من إيقاع الواجب الذي هو الصعود، فيحصل كلامه بهذا التأويل على أنه قال: إن كان السلم منصوبا، فاصعد السطح، فلا يجب عليه النصب حينئذ إجماعا، ولا يجب الصعود حتى يجد السلم منصوبا، ويكون ذلك تخصيصا على خلاف الظاهر.
قوله: (يبطل بالأمر بالسقي الماء، وهو على مسافة إن اشترطتهم قطعها في أصل التكليف لا يعصي بالقعود، وإن لم تشترطوا أتيتم التكليف بالسقي مع عدم قطع المسافة، وهو تكليف ما لا يطاق).
قلنا: لنا واسطة أخرى بأن يثبت التكليف مع قطع النظر عن القسمين، بل بالسقي من حيث هو سقي، وإن كان لا يقع السقي إلا بقطع المسافة، ففرق بين توقف الوجود على الوجود، وبين توقف الوجوب على الوجوب، فالتوقف بين الوجودين مسلم، إنما النزاع في التوقف بين الوجوبين، وتكليف ما لا يطاق لا ينشأ من توقف الوجودين؛ فإن الكل ممكن، إنما لزم من إلزام التكليف في حالة عدم وجود الوسيلة، فلو قطع النظر عن كونه قصد لإيقاع التكليف في هذه الحالة، وقال: يقصد المكلف بنفسه إن أراد أن تحصل الوسيلة حصلها، وخلص من العهدة بفعل السقي، وإن شاء لم يحصلها فيستحق المؤاخذة على عدم السقي فقط لا على عدم إيجاد الوسيلة، وقطع المسافة.
نقول: الأمر هذا لا العرض له، إنما العرض بالإيجاب لطلب السقي فقط دون الحالات، وهو من حيث هو ممكن، فما كلفت بغير المقدور عليه.
قوله: (مخالفة الظاهر: إثبات ما ينفيه الظاهر، أو نفي ما يثبته الظاهر، أما ما لا يتعرض له الظاهر ألبتة، فليس مخالفة له)
تقريره: أما الأول: فكقوله تعالى: (فلا رفث ولا فسوق)[البقرة:197]، فمن أثبت بعض أنواع الرفث، فقد أثبت ما ينفيه الظاهر.
وأما الثاني: فكقوله تعالى: (وأحل الله البيع وحرم الربا)[البقرة:275]، فمن قال: إن بيعا ليس حلالا فقد نفي ما أثبته الظاهر.
مثال الثالث: قوله تعالى: (حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير)[المائدة:3]، فلما ورد قوله عليه السلام:(كل ذي ناب من السباع حرام)، لا يكون ذلك مخالفة للظاهر؛ لأنه لم ينفه ولم يثبته.
قوله: لو قيل: إن لفظ تعرض لها بالإثبات لم يبعد؛ لأن إيجاب الملزوم يدل بالالتزام على إيجاب لازمه، والشروط لوازم، فيدل اللفظ عليها التزاما، فيكون هذا الجواب أقوى في نفي مخالفة الظاهر من جهة أنا أثبتنا ما أثبته الظاهر، فهو أولى بعدم المخالفة من قولنا: أثبتنا سببا لم يتعرض له الظاهر، بخلاف إخراج بعض الأحوال عن عموم اقتصاء اللفظ بجميعها يكون ذلك تخصيصا للعام، وتخصيص العام مخالفة للظاهر.