الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
جسم، والمظروف معنى، ثم العكس لوجود الجسمية فيه من حيث الجملة، والأبعد كلية أن يكونا معنيين لانتفاء الجسمية بالكلية، التي هي الملاحظة في الوضع في الأوعية والموعا فيها، وإذا كان المعنى ظرفا للجسم فهو للمبالغة أي: كثر المعنى حتي أحاط به، كما يحيط الظرف بمظروفه، كقوله تعالى" (إنا لنراك في ظلال مبين) [الأعراف:60]
أي كثر حتى صار محيطا به في المعنى، والتقدير: ولاجرم لم يقل: ما أنا في ضلالة، بل قال:(ياقوم ليس بي ضلالة)[الأعراف:61] لأنه لو نفى أنه في ضلالة، لم يلزم من ذلك أنه غير ضال؛ لأنه لا يلزم من نفى الشيء بوصف الكثرة نفيه، فلذلك عدل إلى أصل المعنى، وكذلك قوله تعالى:(بل هم في شك منها)[النمل:66]، أبلغ من قوله: بل هم شاكون للدلالة على الكثرة، فتأمل ذلك في كتاب الله ـ- تعالى - - فهو كثير.
(تنبيه)
وأما إذا قلنا: هو مصلوب في الجذع، فهذا ليس من هذا الباب، بل (في) هاهنا مجاز في الإفراد
استعمله فيما يشبه الظرفية بسبب التمكن، وليس فيها مجاز تركيب.
وإذا قلنا: زيد في ضلالة، فهو مجاز تركيب؛ لأن لفظ (في) لم يوضع ليركب مع المعاني التي لا تتجوف بل ليركب مع ما يقبل التجويف، ويصلح لأن يكون وعاء لغيره، والمعاني ليست كذلك، فتنبه لهذه الدقائق.
قوله: (لم يقل أحد من أئمة اللغة: (إنها للسببية)
قلنا: بل قد نقله جماعة، ولا يستقيم كثير من الكتاب والسنة إلا عليه كقوله تعالى:(وقاتلوا في سبيل الله)[البقرة:190] أي: بسبب طاعة الله - تعالى- بالتوحيد، وقوله عليه السلام: (من أحب في الله،
وأبغض في الله)، أي: بسبب طاعة الله. وبسبب معصية الله، وكذلك قوله- حكاية عن الله تعالى:(وجبت محبتي للمتحابين فيّ، والمتزاورين فيّ)، أي: بسبب طاعتي، وكذلك في حديث الإسراء قال عليه الصلاة والسلام:(فوجدت امرأة جمرة قد عجل الله بروحها إلى النار، لأنها ربطت هرة حتي ماتت جوعا وعطشا، فدخلت النار فيها).
أي بسببها، وهو كثير جدا في الكتاب والسنة وكلام العرب، فلا أطول بالمثل التي لا تمشي إلا بالقول بالسببية، فلا يكون ضعيفا كما قال
(المسألة الرابعة: (من) ترد لابتداء الغاية)
اعلم أن (من) لها ثمانية معان:
لابتداء الغاية نحو: سرت من مصر إلى مكة.
ولانتهاء الغاية نحو: شممت المسك في داري من السوق، ورأيت الهلال في داري من خلل السحاب، أي: انتهت الرؤية والشم إلى ذلك الموضع.
وقيل: بل هي هاهنا لابتداء الغاية، أي: ابتداء الشم والرؤية من ذلك الموضع
ولبيان الجنس نحو (فاجتنبوا الرجس من الأوثان)[الحج:3] فيذكر أولا أمر عام، ثم يخص بذكر جنسه.
وللتبعيض نحو: قبضت من المال، وضابطها أنه يحسن مكانها بعض، فلو قلت: قبضت بعض المال صح.
وبمعنى البدل، نحو قوله تعالى (ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون) [الزخرف:60] أي: بدلا منكم، قال النحاة، وفي التحقيق هي لابتداء غاية البدل، وبمعنى (عند) كقوله عليه السلام، (ولاينفع ذا الجد منك الجد).
أي: لا ينفع صاحب الحظ عندك حظه، وفي التحقيق لابتداء الغاية من العصمة من عذاب الله.
وزائدة نحو قول؛: ماجاءني من أحد.
أي: ماجاءني أحد، ومن زائدة.
وفعل أمر من المين الذي هو الكذب، وللعموم في قولك: ماجاءني من رجل، وتقريره في (باب العموم) إن شاء الله تعالى.
قوله: (وللتبعيض) نحو: (خاتم من حديد) هذا عند النحاة لبيان الجنس لا للتبعيض.
قوله: (والحق عندي أنها للتمييز)
يرد عليه أن النقل مقدم على الاستدلال، وأعجب من ذلك قوله: وقولك. ماجاءني من أحد، ميزت الشيء الذي نفيت عنه المجيء مع أنه كان متميزا بقولنا: ماجاءني أحد قبل دخول (من)، ولو صح ماقاله، تناقض ذلك مع قوله: إنها زائدة؛ لأن الزيادة تقتضي عدم اعتبارها في المعنى، وما قاله يقتضي أنها معتبرة في المعنى.
قوله: (إلى) لانتهاء الغاية، وقيل: إنها مجملة؛ لأنها في قوله:
تعالى (وأيديكم إلى المرافق)[النساء:43] تستدخل الغاية، وفي قوله تعالى:(ثم أتموا الصيام إلى الليل)[البقرة:187] تخرج منها)
قلنا: لا نسلم أن الغاية دخلت في آية الوضوء؛ لأن القاعدة أن المغيا يجب ثبوته قبل الغاية، وتكرره إليها كقولك: سرت من مصر إلى مكة، فالسير الذي هو المغيا، قد ثبت قبل (مكة)، وتكرر إليها، وهاهنا المغيا هو غسل جملة اليد لقوله تعالى:(وأيديكم إلى المرافق)[النساء:43] واليد اسم للجملة، وثبوت غسل كل اليد قبل المرفق محال، فيتعين ألا يكون هو المغيا، ويتعين أن يكون العامل في قوله تعالى:(إلى المرافق) فعلا مضمرا، وهو المغيا، تقديره: اتركوا من آباطكم إلى المرافق، فـ (إلى) غاية للمتروك لا للمغسول للقاعدة المتقدمة، وعلى هذا البحث يتعارض في هذا المقام المجاز والإضمار، فإن الغسل لا يمكن أن يكون مغيا حتى نعبر باليد عن